18 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 10 ربيع الأول 1440 هـ
En FR

محطات إسلامية :: محطات من محرم الحرام

صلاة الحسين (عليه السلام) في كربلاء




 
   ما أكثر الأحاديث التي تُظهر فضل وفضيلة الصلاة، وكونها عمود الدين، وأحبّ الأعمال إلى اللّه عزّوجلّ، وهي آخر وصايا الأنبياء، وقد أشاد القرآن قبل ذلك بمكانتها، وذمَّ أقواما لاستهانتهم بها، فقال عزَّ من قائل: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ)[1]، يعني أنّهم غافلون استهانوا بأوقاتها، وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «وليكن أكثر همّك الصلاة، فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين»[2]. فالصلاة التي يقف فيها الإنسان بين يدي جبار السماوات والأرض تُعطي زخما روحيا يزيد من قوّته على تحدّي معاناة الحياة ومواجهة ما يأتي به الدهر من صروف.

   والصلاة ـ إضافة إلى ذلك ـ هي معراج المؤمن اليومي إلى عالم الملكوت، يحطم من خلالها كل القيود والحواجز، التي يضعها الاشرار أو التي تأتي بها الاقدار.

   ثم ان الصلاة هي واحة الحرية في صحراء الاستبداد، فمن خلال نافذتها الواسعة يدخل الإنسان عالما ليس فيه حدود ولاسدود. وهي أيضا بمثابة صمام الأمان للإيمان، تنهى عن الفحشاء والمنكر اللذين يفسدان الإيمان كما يفسد الخل العسل.

   وقد اعترف كبار المفكرين بدور الصلاة في مواجهة أعباء الحياة، ومنهم الكسيس كاريل؛ هو من ألمع الأطباء الغربيين وحائز على جائزة نوبل. يقول في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): إن الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط الإنساني عُرفت حتى الآن.

   ولقد عرف المسلمون قيمة الصلاة والقوة الدافعة التي هي سر من أسرارها الكثيرة، وتمكن الإسلام من أن يخلق رجالاً من طراز خاص يتمتعون بشخصيات قوية ورصينة كالسبيكة الصُلبة التي يصعب اختراقها، نقلتهم العبادة والصلاة خارج أسوار الذات كلما عصفت بهم أزمة أو انتابهم بلاء، كانوا يعتصمون بصلاتهم ويتزودون من زادها الروحي مثل مائدة شهية يقترب منها الإنسان عندما يشعر بالحاجة إلى الطعام.

وأبرز مصداق ـ باتفاق المسلمين ـ لتلك الشخصيات، التي أدركت ما للصلاة من قوة معنوية كبيرة، هم أهل البيت (عليهم السلام) الذين يجسدون المثل الأعلى في الالتزام الديني، كانوا يُولون الصلاة عناية فائقة، لإدراكهم الواعي والعميق لأبعادها وأسرارها وفضيلتها، وتفاعلهم معها وانفعالهم بها، تقول كتب السيرة بأن أهل البيت (عليهم السلام) عندما يدخلون الصلاة يرتعدون ارتعاد المحموم، ويرتجفون كريشة في مهب الريح، ويقفون في الصلاة بكل خضوع وخشوع.

   وعندما ننتخب الحسين (عليه السلام) ـ وهو أحد أقطاب آل البيت (عليهم السلام) ـ نموذجا لمعرفة مدى صلتهم بالصلاة، حينئذ نرى عجبا، نرى هذه الشخصية الكبيرة تنصهر تماما في بوتقة الصلاة، على الرغم من المعاناة التي كان يقاسيها، والمأساة التي نسجت من حوله خيوطها السوداء في كربلاء.

   كان ـ مع ذلك ـ عندما يقف للصلاة ينسى ما حوله ومَن حوله، مما دعا العرفاء الذين نظروا إلى النهضة الحسينية من زاويتها العرفانية أو ما فوق العقلية أن يطلقوا عليها تسمية مدرسة العشق.

   ففي تلك الليلة العصيبة، ليلة العاشر من المحرم، اجتمعت كل الظروف والعوامل التي تبعث على اليأس والوهن والضعف، تراه يبدأ خطبته في مثل هذه الظروف بروح مختلفة تماما، فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء. قال علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): « فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: أُثني على اللّه أحسن الثناء، وأحمدُهُ على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين »[3].

 إذا «في ظل تلك الظروف الصعبة والعسيرة، ترى الحسين (عليه السلام) ينطق بالرّضا والتسليم للظروف والعوامل الموضوعية، لماذا؟. . لأنه يعيش ظروفا معنوية عالية. إنه موحّد للّه عقيديا وعمليا، وعابد وساجد للّه»[4].

هذا الثبات المنقطع النظير هو ثمرة يانعة من ثمار العبادة والصلاة اللتين جعلتا وجهه يتلألأ كالبدر كلما سقط شهيد جديد من أهل بيته أو أصحابه، حتى ان هذا الأمر قد أذهل أعداءه وكانوا يتجنّبون التقرّب إليه لشدّة سطوع الأنوار المنبعثة من محيّاه وقسمات وجهه، وكان وجهه يزداد إشراقا كلما ازدحمت الخطوب وتكاثر الأعداء المحيطون به. حتى أن أحدهم أبدى دهشته وإعجابه بقوله: « واللّه ما رأيت مكثورا قط قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا، ولا أمضى جَنانا منه (عليه السلام)، إنْ كانت الرّجّالة لتشدُّ عليه فيشدُّ عليها بسيفه، فتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المِعزى إذا شدَّ فيها الذئب»[5].

أجل كان رابط الجأش، علما بانه كان يقاتل وهو في أشد حالات العطش. ما هو السر يا ترى؟. لا يمكن تفسير ذلك وفق المقاييس المادية، وانما يمكن إرجاعها إلى الزخم المعنوي الهائل الذي يحصل عليه الحسين (عليه السلام) من خلال جسر الصلاة التي أخذت تُغذي بمائها المعنوي عروقه اليابسة وشفاهه الذابلة، كما يُغذي ماء الحياة العود اليابس.

خصوصا وانه لم ينس أو يتناس الصلاة، حتى في أحرج ساعاته قدوة بأبيه علي (عليه السلام) الذي لم يؤخر صلاته المفروضة في أحرج ساعات الحرب، وخاصة في ليلة الهرير يوم صفين. فصفّ قدميه لوجه اللّه مصلّيا، والحرب قائمة على قدم وساق من حوله، ولما لاموه عليها، بيّن لهم أن حربه من حيث الأساس هي لإقامة الصلاة، التي تنهى ـ في جوهرها ـ عن المنكر والبغي، وكان ابنه الحسين (عليه السلام) ينسج على منواله، والشبل من ذاك الأسد.

لقد اهتم بإقامة الصلاة في ذلك الوقت العصيب عندما صاح مؤذنه أبو ثمامة الصيداوي، وصلى بأصحابه، ولكن صلاة الخوف قصرا وسهام الأعداء تترى عليه بالرغم من استمهاله إياهم لإقامتها!

أيخشى الإمام (عليه السلام) قتله في الصلاة وقد مضى أبوه قتيلاً في محرابه؟ أم يخشى الموت صحبه وهم يتسابقون إليه تسابق الجياع إلى القصاع، ويحبّذون الموت دونه لوجه اللّه وفي سبيل رسوله؟ يقول الشهرستاني: «لقد كانت صلاة الحسين (عليه السلام) من أصدق مظاهر إخلاصه للّه وتمسّكه بالشريعة»[6].

المصدر: أبعاد النهضة الحسينية


[1] سورة الماعون: 107 / 4 ـ 5.
[2] تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني: 26.
[3] الإرشاد 2: 91.
[4] انظر: الملحمة الحسينية / الشهيد مرتضى المطهري: 3 / 21.
[5] الإرشاد 2: 111.
[6] نهضة الحسين / هبة الدين الشهرستاني: 124.

10-09-2018 عدد القراءات 249



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا