18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: الإسلام ومتطلبات العصر

الأساس الإسلامي لخطّ الخلافة



الخلافة العامّة في القرآن الكريم

قال الله سبحانه وتعالى:
1 - ﴿ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ * وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِ‍ُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ * قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ 1.

2 - ﴿ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ2.

3 - ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ 3.

4 - ﴿ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ 4.

5 - ﴿ إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا 5.

الشهادة في القرآن الكريم

قال الله سبحانه وتعالى:
1 - ﴿ فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا 6.

2 - ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ 7.

3 - ﴿ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 8.

4 - ﴿ وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ9.

5 - ﴿ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ 10.

6 - ﴿ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ11.

7 - ﴿ إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ12.

8 - ﴿ وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 13.

خلافة الإنسان على الأرض
إنّ الله سبحانه وتعالى شرّف الإنسان بالخلافة على الأرض، فكان الإنسان متميّزًا عن كلّ عناصر الكون بأنّه خليفة الله على الأرض، وبهذه الخلافة استحقّ أن تسجد له الملائكة، وتدين له بالطاعة كلّ قوى الكون، المنظور وغير المنظور.

والخلافة الّتي تتحدّث عنها الآيات الشريفة المذكورة ليست استخلافًا لشخص آدم عليه السلام، بل للجنس البشري كلّه؛ لأنّ من يفسد في الأرض ويسفك الدماء - وفقًا لمخاوف الملائكة - ليس آدم بالذات، بل الآدميّة والإنسانيّة على امتدادها التاريخي. فالخلافة إذًا، قد أعطيت للإنسانية على الأرض. ولهذا خاطب القرآن الكريم، في المقطعين الثاني والثالث من المقاطع القرآنية المتقدّمة، المجتمع البشري في مراحل متعدّدة، وذكّرها بأنّ الله قد جعلهم خلائف في الأرض، وكان آدم هو الممثّل الأوّل لها، بوصفه الإنسان الأوّل الّذي تسلّم هذه الخلافة، وحظي بهذا الشرف الربّاني، فسجدت له الملائكة ودانت له قوى الأرض.

وكما تحدّث القرآن الكريم عن عملية الاستخلاف من جانب الله تعالى، كذلك تحدّث عن تحمّل الإنسان لأعباء هذه الخلافة بوصفها أمانة عظيمة ينوء الكون كلّه بحملها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا14.

واستخلاف الله تعالى خليفة في الأرض، لا يعني استخلافه على الأرض فحسب، بل يشمل هذا الاستخلاف كلّ ما للمستخلِف سبحانه وتعالى من أشياء تعود إليه، والله هو ربّ الأرض وخيراتها، وربّ الإنسان والحيوان وكلّ دابة تنتشر في أرجاء الكون الفسيح. وهذا يعني أنّ خليفة الله في الأرض مستخلف على كل هذه الأشياء. ومن هنا كانت الخلافة في القرآن أساسًا للحكم، وكان الحكم بين الناس متفرّعًا على جعل الخلافة، كما يلاحظ في المقطع الرابع من المقاطع القرآنية المتقدّمة15 المرتبطة بالخلافة.

ولمّا كانت الجماعة البشرية هي الّتي مُنِحَت - ممثّلة في آدم عليه السلام - هذه الخلافة، فهي إذًا المكلّفة برعاية الكون وتدبير أمر الإنسان والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربّانية.

المفهوم الإسلامي لخلافة الإنسان
هذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة؛ وهو أنّ الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم وقيادة الكون، وإعماره اجتماعيًّا وطبيعيًّا. وعلى هذا الأساس، تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله.

وعملية الاستخلاف الربّانيّ للجماعة على الأرض بهذا المفهوم الواسع تعني:
أوّلًا: انتماء الجماعة البشرية إلى محور واحد، وهو المستخلِف - أي الله سبحانه وتعالى - الّذي استخلفها على الأرض بدلًا عن كلّ الانتماءات الأخرى، والإيمان بسيّد واحد ومالك واحد للكون وكلّ ما فيه. وهذا هو التوحيد الخالص الّذي قام على أساسه الإسلام، وحملت لواءه كلّ ثورات الأنبياء تحت شعار "لا إله إلّا الله". قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ 16، ﴿ يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 17.

ثانيًا: إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلصة لله، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء الّتي تمثّل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت. قال الله سبحانه: ﴿ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ18.

ثالثًا: تجسيد روح الأخوّة العامّة في العلاقات الاجتماعية كلّها، بعد محو ألوان الاستغلال والتسلّط، فما دام الله سبحانه وتعالى واحدًا ولا سيادة إلّا له، والناس جميعًا عباده ومتساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا أخوة متكافئين في الكرامة والحقوق الإنسانية، ولا يقوم التفاضل على مقاييس الكرامة عند الله تعالى إلّا على أساس العمل الصالح، تقوىً أو علمًا أو جهادًا. قال الله سبحانه: ﴿ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ 19.

رابعًا: إنّ الخلافة استئمان. ولهذا عبّر القرآن الكريم عنها في المقطع الأخير20 بالأمانة. والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب؛ إذ بدون إدراك الكائن أنّه مسؤول، لا يمكن أن ينهض بأعباء الأمانة أو يُختار لممارسة دور الخلافة، ﴿ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡ‍ُٔولٗا 21.

مسؤولية الإنسان على الأرض

إنّ المسؤولية علاقة ذات حدّين:
١. الارتباط والتقيّد:
هي من ناحية تعني الارتباط والتقيّد، فالجماعة البشرية الّتي تتحمّل مسؤوليات الخلافة على الأرض إنّما تمارس هذا الدور بوصفها خليفة عن الله. ولهذا فهي غير مخوّلة أن تحكم بهواها أو باجتهادها المنفصل عن توجيه الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ هذا يتنافى مع طبيعة الاستخلاف، وإنّما تحكم بالحقّ، وتؤدّي إلى الله تعالى أمانته بتطبيق أحكامه على عباده وبلاده. وبهذا تتميّز خلافة الجماعة بمفهومها القرآني والإسلامي عن حكم الجماعة في الأنظمة الديمقراطية الغربية؛ فإنّ الجماعة في هذه الأنظمة هي صاحبة السيادة، ولا تنوب عن الله في ممارستها، ويترتّب على ذلك أنّها ليست مسؤولة بين يدي أحد، وغير ملزمة بمقياس موضوعي في الحكم، بل يكفي أن تتّفق على شيء. ولو كان هذا الشيء مخالفًا لمصلحتها ولكرامتها عمومًا، أو مخالفًا لمصلحة جزء من الجماعة وكرامته، ما دام هذا الجزء قد تنازل عن مصلحته وكرامته. وعلى العكس من ذلك، حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف؛ فإنّه حكم مسؤول، والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحقّ والعدل، ورفض الظلم والطغيان، وليست مخيّرة بين هذا وذاك، حتى أنّ القرآن الكريم يسمّي الجماعة الّتي تقبل بالظلم وتستسيغ السكوت على الطغيان بأنّها ظالمة لنفسها، ويعتبرها مسؤولةً عن هذا الظلم، ومطالبة برفضه بأيّ شكل من الأشكال، ولو بالهجرة والانفصال إذا تعذّر التغيير، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا22.

٢. الاختيار والحرية:
تعني المسؤولية من ناحية أخرى، أنّ الإنسان كائن حرّ؛ إذ من دون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية، ومن أجل ذلك كان بالإمكان أن يُسْتَنْتَج مِنْ جعلِ الله خليفة على الأرض، أنّه يجعل الكائن الحرّ المختار، الّذي بإمكانه أن يصلح في الأرض وبإمكانه أن يفسد أيضًا، وبإرادته واختياره يجدّد ما يحقّقه من هذه الإمكانات، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا 23.

وأكبر الظنّ أنّ هذه الحقيقة هي الّتي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة وإمكانية انحرافها عن الطريق السويّة إلى طريق الفساد وسفك الدماء؛ لأنّ صلاح المسيرة البشرية لمّا كان مرتبطًا بإرادة هذا الإنسان الخليفة، ولم يكن مضمونًا بقانون قاهر - كما هي الحالة في كلّ مجالات الطبيعة -، فمن المتوقّع أن تجد إمكانية الإفساد والشرّ مجالًا لها في الممارسة البشرية على أشكالها المختلفة، وكأنّ الملائكة هالهم أن توجد لأوّل مرّة طاقة محايدة يتعادل فيها الخير والشرّ، ولا تضبط وفقًا للقوانين الطبيعية والكونية الصارمة الّتي تسيّر الكون بالحكمة والتدبير، وفضّلوا على ذلك الكائن الّذي يولد ناجزًا مصمّما،ً لا فراغ في سلوكه، تتحكّم فيه باستمرار قوانين الكون، كما تتحكّم في الظواهر الطبيعية. ومن هنا قدّموا أنفسهم كبديل عن الخليفة الجديد، ولكن فاتهم أنّ الكائن الحرّ الّذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض لا تعني حرّيته إهمال الله تعالى له، بل تغيير شكل الرعاية. فبدلًا عن الرعاية من خلال قانون طبيعي لا يتخلّف - كما ترعى حركات الكواكب ومسيرة كلّ ذرة في الكون - يتولّى لله سبحانه وتعالى تربية هذا الخليفة وتعليمه، لكي يصنع الإنسان قدره ومصيره، وينمّي وجوده على ضوء هدىً وكتاب منير.

ومن هنا علّم الله تعالى آدم الأسماء كلّها، وأثبت للملائكة من خلال المقارنة بينه وبينهم أنّ هذا الكائن الحرّ الّذي اجتباه للخلافة قابل للتعليم والتنمية الربّانية، وأنّ الله تعالى قد وضع له قانون تكامله من خلال خطّ آخر يجب أن يسير إلى جانب خطّ الخلافة، وهو خطّ الشهادة الّذي يمثّل القيادة الربّانية والتوجّه الربّاني على الأرض.

إنّ الملائكة لاحظوا خطّ الخلافة بصورة منفصلة عن الخطّ المكمّل له بالضرورة، فثارت مخاوفهم. وأمّا الخطّة الربّانية فكانت قد وضعت خطّين جنبًا إلى جنب: أحدهما خطّ الخلافة، والآخر خطّ الشهادة الّذي يجسّده شهيد ربّاني يحمل إلى الناس هدى الله، ويعمل من أجل تحصينهم من الانحراف، وهو الخطّ الّذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله: ﴿ قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 24.

مسار الخلافة على الأرض
ما هو الهدف المرسوم لخلافة الإنسان على الأرض؟

وفي أيّ اتّجاه يجب أن تسير هذه الخلافة في ممارستها الدائبة؟

ومتى تحقّق هدفها وتستنفذ غرضها؟

إنّ الخلافة الربّانية للجماعة البشرية وفقًا لركائزها المتقدّمة، تقضي بطبيعتها على كلّ العوائق المصطنعة والقيود الّتي تجمّد الطاقات البشرية وتهدر إمكانات الإنسان، وبهذا تصبح فرص النمو متوفّرة توفّرًا حقيقيًّا.

النمو الحقيقي في مفهوم الإسلام أن يحقّق الإنسان - الخليفة على الأرض - في ذاته تلك القيم الّتي يؤمن بتوحيدها جميعًا في الله عزّ وجلّ الّذي استخلفه واسترعاه أمر الكون. فصفات الله تعالى وأخلاقه، من العدل والعلم والقدرة والرحمة بالمستضعفين ًوالانتقام من الجبّارين والجود الّذي لا حدّ له، هي مؤشّرات للسلوك في مجتمع الخلافة، وأهداف للإنسان الخليفة. فقد جاء في الحديث: "تشبّهوا بأخلاق الله". ولمّا كانت هذه القيم على المستوى الإلهي مطلقة ولا حدّ لها، وكان الإنسان الخليفة كائنًا محدودًا، فمن الطبيعي أن تتجسّد عملية تحقيق تلك القيم إنسانيًا في حركة مستمرة نحو المطلق، وسير حثيث إلى الله. وكلّما استطاع الإنسان من خلال حركته أن يتصاعد في تحقيق تلك المثل ويجسّد في حياته بصورة أكبر فأكبر عدالة الله وعلمه وقدرته ورحمته وجوده ورفضه للظلم والجبروت، سجّل بذلك انتصارًا في مقاييس الخلافة الربّانية، واقترب نحو الله في مسيرته الطويلة الّتي لا تنتهي، إلّا بانتهاء شوط الخلافة على الأرض، قال الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ 25.

ولم يكن من الصدفة أن يوضع العدل أصلًا ثانيًا من أصول الدين، ويمّيز عن سائر صفات الله تعالى بذلك، وإنّما كان تأكيدًا على أهمّ صفات الله تعالى في مدلوله العملي ودوره في توجيه المسيرة الإنسانية؛ وذلك لأنّ العدل في المسيرة وقيامها على أساس القسط هو الشرط الأساس لنمو كلّ القيم الخيّرة الأخرى، ومن دون العدل والقسط يفقد المجتمع المناخ الضروري لتحرّك تلك القيم وبروز الإمكانات الخيّرة.

فالخلافة إذًا، حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوّة، وهي حركة لا توقّف فيها؛ لأنّها متّجهة نحو المطلق، وأيّ هدف آخر للحركة سوى المطلق - سوى الله سبحانه وتعالى - سوف يكون هدفًا محدودًا، وبالتالي سوف يجمّد الحركة، ويوقف عملية النمو في خلافة الإنسان. ويجب على الجماعة الّتي تتحمّل مسؤولية الخلافة أن توفّر لهذه الحركة الدائبة نحو هدفها المطلق الكبير كلّ الشروط الموضوعية، وتحقّق لها مناخها اللازم، وتصوغ العلاقات الاجتماعية على أساس الركائز المتقدّمة للخلافة الربّانية.

* الإسلام ومتطلبات العصر، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1 سورة البقرة، الآيات 30 - 33.
2 سورة الأعراف، الآية 69.
3 سورة فاطر، الآية 39.
4 سورة ص، الآية 26.
5 سورة الأحزاب، الآية 72.
6 سورة النساء، الآية 41.
7 سورة البقرة، الآية 143.
8 سورة المائدة، الآية 117.
9 سورة النحل، الآية 89.
10 سورة الحج، الآية 78.
11 سورة آل عمران، الآية 140.
12 سورة المائدة، الآية 44.
13 سورة الزمر، الآية 69.
14 سورة الأحزاب، الآية 72.
15 سورة ص، الآية 26.
16 سورة البقرة، الآية 138.
17 سورة يوسف، الآية 39.
18 سورة يوسف، الآية 40.
19 سورة النجم، الآية 39.
20 الآية المتقدّمة في سورة الأحزاب، الآية 72.
21 سورة الإسراء، الآية 34.
22 سورة النساء، الآية 97.
23 سورة الإنسان، الآية 3.
24 سورة البقرة، الآية 38.
25 سورة الانشقاق، الآية 6.

18-08-2017 عدد القراءات 349



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا