11 كانون الأول 2017 الموافق لـ 22 ربيع الأول 1439هـ
En FR

:: في رحاب الدعاء

حقيقة الدعاء ومقتضيات القبول والإستجابة



من خطبة السيد حسن نصر الله في ليلة القدر الكبرى في: 9/7/2015

عمل الإنسان طريقه لتحقيق حاجاته وأمانيه

كلنا يعرف أنَّ للإنسان حاجات ومطالب وآمال ورغبات وأماني يتطلع إليها ويتمنى الوصول إليها أو الحصول عليها في هذه الحياة الدنيا وكذلك في الحياة الآخرة. لكن الله سبحانه وتعالى قضت مشيئته أن هذه الأماني والغايات والآمال والمتطلبات وما يسعى إليه الإنسان ويأمل بأن يحصل عليه سواءً في الدنيا أو في الآخرة؛ اقتضت المشيئة الإلهية أن يكون طريق هذا الأمر هو عمل الإنسان: أن يعمل الإنسان وأن يسعى وأن يجد وأن يجتهد وأن يبذل وقته وعمره ليصل بإرادته.

لكن الله سبحانه وتعالى، لما تعلقت مشيئته بأن على الإنسان أن يعمل ويجهد ويثابر، أعطاه المقدرات والمقومات والإمكانات ليحقق هذه النتائج: سخّر له كل ما في هذا الكون: الشمس، القمر، النجوم، الرياح، الأرض، الطبيعة، الحيوانات. المطلوب من الإنسان فقط أن يبذل جهدا. الله سبحانه وتعالى أعطاه عقلا ومعرفة وعلما. الله سبحانه وتعالى أعطاه إرادة وحرية الاختيار، وأعطاه القدرة على الاستفادة من الأشياء والقدرة على الاستفادة من التجارب البشرية طوال التاريخ وأرسل له الأنبياء والرسل وأنزل عليه الكتب السماوية. أعطاه كل شي يمكّنه من أن يصل إلى حيث يطمح، وحيث يحب أن يصل في الدنيا أو في الآخرة. الله سبحانه وتعالى وفّر له وهيّئ له كل ذلك. يبقى الأمر بعد ذلك عند الإنسان نفسه.

الدعاء باب معونة ورحمة من الله
من جملة الأبواب التي فتحها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليدخل منها ويحقق ما أحب في الدنيا والآخرة؛ من جملة الأسلحة ــ ويمكن تسميتها بالسلاح ــ التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها الإنسان من أجل الدنيا والآخرة هو الدعاء.
الدعاء؛ ما معنى الدعاء. يعني أن يطلب أحدنا من الله؛ يسأل الله؛ يتكلم مع الله. هذا هو الدعاء. الله سبحانه وتعالى أعطانا؛ فتح لنا هذا الباب، وأعطانا هذه القدرة وهذه الإمكانية وقال: هذا الدعاء مثل أمور أخرى؛ أنا أعطيتكم إياها وفتحت لكم أبوابها. أنعمت عليكم بها لتصلوا إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. ولذلك من أعظم النعم الإلهية على الإنسان هو أنَّ الله عز وجل أذِن لنا بدعائه ومسألته وأن نجلس بين يديه وأن نكلمه وأن نخاطبه.

الدعاء لا يغني عن العمل


لا بد من التنبيه على عدة أمور تتعلق بالدعاء
أولا،
وهو أنَّ الدعاء ليس بديلا من العمل. الدعاء ليس بديل العمل وإنما هو مكمّل للعمل. الدعاء يواكب العمل: قبله ومعه وبعده، ولكنه ليس بديلا من العمل.

مثلاً، موضوع طلب الرزق. الله سبحانه وتعالى لم يقل إجلسوا في البيوت ودعوني حتى أرزقكم. لا يوجد نبي جاء بهذا الكلام؛ أبداً. هذا غريبٌ عن أنبياء الله عز وجل وعن رسالات الله عز وجل. بل دائماً: إطلب، إسعى، اعمل، إكدح. والكادح من أجل عياله كالمجاهد في سبيل الله عز وجل. لذلك نجد أن كل أنبياء الله عز وجل باشروا العمل بأيديهم: منهم من عمل بالزراعة، ومنهم من عمل بالتجارة. ومنهم من كان نجارا، ومنهم من كان راعيا يرعى الغنم. هكذا هي المهن التي كانت متوفرة في تلك الأزمنة. أحد الأنبياء كان يصنع سيوفا ويصنع دروعا مثل داوود (عليه السلام). النبي داوود كان ملكا وكان يصنع دروعا من الحديد.

في كل الأحوال، ليس هناك شي إسمه: إجلس في البيت وادعو الله. أو إجلس في المسجد وأغلق الباب على نفسك: تصوم وتصلي وتقرأ القرآن ثم تدعو الله فينزل عليك الرزق في "السلة"، من السماء.

• الدعاء من غير عمل أمر لا يقره الإسلام
هذا غريبٌ عن الإسلام وعن الأديان الإلهية. بل نحن مأمورين بطلب الرزق؛ بالسعي، بالعمل: بالزراعة، بالتجارة، بالصناعة، بالكد؛ بأي شيء يدرّ على الإنسان رزقاً من أجل نفسه ومن أجل عياله. وأيضاً نحن مأمورون بإدارة مالنا بطريقة موضوعية وعلمية وواقعية. ما نسميه اليوم " الاقتصاد"، أي حرمة الإسراف، حرمة التبذير؛ ليس مسموحا لصاحب المال أن ينفق ماله في ليلة واحدة ثم يجلس ويطلب من الله أن يرزقه.

كذلك في حوائج الآخرة؛ ترتكب المعاصي ثم تدعو الله: رب أدخلنا الجنة، أعتق رقابنا من النار. هذا لا ينفع. لا تصلي، لا تصوم، لا تحج، لا تدفع زكاة أموالك؛ لا تقوم بالأعمال التي تدخلك الجنة ــ بل بالعكس، تقوم بالأعمال التي تدخلك النار ــ ثم تدعو الله وتقول: يا رب أدخلني الجنة واعتق رقبتي من النار. هذا الدعاء لا ينفع.

فإذاً، لا في شأنٍ من شؤون الدنيا؛ الدعاء يغني عن العمل. ولا في شأنٍ من شؤون الآخرة؛ الدعاء يغني عن العمل.

الدعاء بما نهى الله عنه لا يكون
النقطة الثانية،
أن لا ندعو الله سبحانه وتعالى فيما يكرهه. المعاصي مثلا. هذا الآن موجود حتى على ألسنة الناس العاديين. تسمع أحدهم يقول للآخر ــ لا بأس لو مزحنا ـ غدا نريد أن نسرق " مصرفا"؛ لو تدعو الله الليلة عسى الله أن يوفقنا. أو يقول لك مثلاً: إذا أردنا أن نسرق "مصرفا" فهل يجوز أن ندعو الله للتوفيق ؟ أو: نريد أن نقتل فلان بغير حق فادعو لنا الله أن يوفقنا فنقضي علية بضربة واحدة. ومثل ذلك من يريد أن يفتن بين الرجل وزوجته، وهكذا. هذا لا يجوز. التقرب إلى الله والتوجه إليه لا يكون بما هو مبغوضا إليه أو مكروها لديه.

لا دعاء بما يخالف الحكمة الإلهية
ثالثا:
لا تدعو بما لا يكون أو يخالف الحكمة الإلهية أو السنن الطبيعية. إذا قلت: الله سبحانه وتعالى يطلب من عباده أن يدعوه: " أدعوني استجب لكم "؛ فربما أحدهم يقول لك: أنا دعوته بالأمر الفلاني فما استجاب لي. تقول له ماذا دعوته؟ يجيبك؛ يا رب: بحق ليلة القدر التي تقضي فيها وتقدّر اجعل السماوات السبعة ثمانية ؟! هذا تضييع وقت.

النظام الكوني قام على سبع سماوات. الله خلق سبع سماوات. هذه هي حكمته. أو مثلاً: يا رب أقم الساعة الآن؛ الآن أقم القيامة على البشرية. أو مثلاً: يا رب ابعثني نبياً فأنا عبدك الذي يحبك ويطيعك؛ ابعثني نبياً في هذا الزمن. الله بمشيئته ختم النبوة، وأنت تطلب منه أن يتخذك نبيا ؟ّ!

الإستجابة العاجلة ليست أمرا حتميا
البند الرابع مهم جداً أيضاً،
وهو عدم الاستعجال: أنه ليس بمجرد أن طلبنا من الله يعني أن الاستجابة ستقع غدا أو بعد غد. وهذا لا يتنافى مع الإلحاح بالطلب. الإلحاح شيء وعدم الاستعجال شيء آخر. الإلحاح مطلوب. الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع صوت عبدهُ؛ يحب أنَّ يلح عبده عليه في الطلب. ولكن عدم الاستعجال يعنى، أن لا أشعر باليأس أو أمتنع عن الدعاء مجددا،إذا لم يحصل غدا ما طلبت. لأنَّ عدم الاستجابة قد يكون لها ظروفا ومعطيات مختلفة:

من أهمها أن الله سبحانه وتعالى كريم وجواد، لكن هو أيضاً لطيف رحيمٌ بعباده وخبيرٌ بعباده: يعرف ما يصلحهم؛ ما يصلح لهم في الدنيا، وما يَصلح لهم ليكونوا من أهل الآخرة.

مثلاً؛ أنا قد أطلب مالا، لكن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لو أعطاني هذا المال لفسدتُ وفسُدَت عائلتي. ولأنفقت هذا المال في المعاصي وليس في عمل الخيرات، فيحجب عني هذا المال؛ لأنه يريد صلاحي في الدنيا وفي الآخرة. الله سبحانه وتعالى قد أطلب منه الرئاسة فيحجب عني هذه الرئاسة لإنه يعرف أن قلبي ضعيف وإذا صرت رئيسا سأغتر بالدنيا: بجاهها وزخارفها. وقد أظلم وأطغى وأكون من أهل جهنم. لذا ــ ورأفةً بي ــ الله سبحانه وتعالى لا يعطيني الرئاسة.

الله سبحانه وتعالى يعرف ما يَصلُح لعبده: لدنياه ولآخرته. قد أكون الآن مريضا فأطلب من الله شفاء. الله يعلم أن مصلحتي خلال السنتين أو الثلاثة، في أن أبقى مريضا. وأنني لو عوفيت سأقوم بأعمال سيئة: أقتل فأدخل السجن، وفي ألآخرة سيكون مصيري إلى جهنم. الله يعلم، فلذلك يجب أن لا أعجل على الله، والله لا يعجل لعجلة العباد. وإنما أطلب من الله سبحانه وتعالى ما هو حلالٌ، ما هو مطلوبٌ وما هو مرغوبٌ وألحّ بالطلب وأسلّم لله عز وجل. أسلّم له وهو الذي يختار ما فيه صلاحي في الزمان والمكان المناسب.

01-06-2017 عدد القراءات 654



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا