5 آب 2020 م الموافق لـ 15 ذو الحجة1441 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: طلائع القلوب

بهذا جاء النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم




نصّ الوصيّة

من جملة ما أوصى به مولانا الإمام أبو عبد الله جعفر بن مُحمد الصادق عليهما السلام صاحبه النجيب زيد الشحّام1: "اقرأ من ترى أنّه يُطيعني منكم ويأخذ بقولي السلام، وأوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحُسن الجوار، فبهذا جاء محمّد صلى الله عليه وآله وسلم2. أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برَّاً أو فاجراً، فإنّ رسول الله كان يأمر بأداء الخيط والمخيط، صِلوا عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعُودوا مرضاهم، وأدّوا حُقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدقَ الحديث وأدَّى الأمانة وحسُنَ خُلقه مع الناس قيل: هذا جعفريّ، ويَسُرّني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإِذا كان غير ذلك دخل عليَّ بلاؤه وعارُه وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله لحدّثني أبي أنّ الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي عليه السلام فيكون زينها، أدَّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تُسأل العشيرة عنه، ويقولون : من مثل فلان؟ إِنّه أدّانا للأمانة، وأصدقنا للحديث"3.

مقدّمة
إنّ نظرية أئمة أهل البيت عليهم السلام في إمامة المسلمين تقوم على أساس أنّ الإمامة منصب إلهي، حيث يتمّ تعيين الإمام بالنصّ عليه من قِبَل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو من قِبَل الإمام الذي قبله، وقد جعل الله طاعة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام نظاماً للملّة الإسلامية كما بَيّنت سيّدة نساء العالمين فاطمة عليها السلام. وعلى الرغم من أنّ أئمة أهل البيت قد تركوا هذا المنصب الإلهي بسبب الظروف السياسية التي عاشها المسلمون بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنّ ولاية أهل البيت - التي هي بالأصل ولاية الله تعالى ورسوله -، والممارسة الواقعية لأئمّة أهل البيت عليهم السلام كانت تؤكّد هذا الدور للأمّة تأكيداً واضحاً.

ثم إلى من يفزع خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام هذه الملّة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف؟ ومن الموثوق به على إبلاغ الحجّة وتأويل الحكم إلا أشقاء القرآن وأبناء أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين احتجّ الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدىً من غير حجّة، فكانوا فروع الشجرة المباركة وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً وبرّأهم من الآفّات وافترض مودّتهم في الكتاب؟

وانطلاقاً من هنا لم يكن لأئمة آل البيت عليهم السلام همّة إلا تهذيب المسلمين وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى منهم، فكانوا مع كلّ من يواليهم، ويأتمنونه على سرّهم يبذلون قصارى جهدهم في تعليمه الأحكام الشرعية، وتلقينه المعارف المحمّدية، ويُعرّفونه ما له وما عليه، ولا يعتبرون الرجل تابعاً وشيعة لهم إلا إذا كان مطيعاً لأمر الله مجانباً لهواه آخذاً بتعاليمهم وإرشاداتهم، ولا يعتبرون حبّهم وحده كافياً للنجاة كما قد يُمنّي نفسه بعض من يسكن إلى الدعة والشهوات، ويلتمس عذراً في التمرّد على طاعة الله سبحانه. إنّهم لا يعتبرون حبّهم وولاءهم منجاة إلا إذا اقترن بالأعمال الصالحة، وتحلّى الموالي لهم بالصدق والأمانة والورع والتقوى"4.

دور الوصيّة في المحافظة على وحدة الأمّة
تَكتسِب أيّ وصيّةٍ أهميتّها الخاصّة - غالباً - من سببَيْن: الشَّخص المُوصي، ومضمون الوصيّة، وقد يُسهِم سببٌ ثالث في هذه الأهميَّة، هو الشخص المُوصَى إليه. المُوصي، فهو أمين الله في أرضه الإمام جعفر بن مُحمد الصادق ع، وقد كانت مضامين وصاياه لشيعته ومواليه ومريديه أن يتّقوا الله تعالى، ويكونوا القدوة الصالحة والأسوة في السلوك بين المسلمين، من أجل المحافظة على الإسلام المحمّدي الأصيل وبالتّالي المحافظة على كيان الأمّة. هذا من ناحية، وهداية الناس إلى طريق الحقّ من ناحية أخرى، وقد التزم أتباع أهل البيت عليهم السلام هذه التوصيات التي تُعدّ من غُرر مكارم الأخلاق، وطبّقوها من موقع القوّة والقدرة، كما التزموا بها في مواضع الضعف والمطاردة، ولذلك لم يُعرف عن شيعة أهل البيت عليهم السلام أنّهم مارسوا عمليّات القمع والاستئصال ضدّ أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى حتى في الحالات التي كانوا يُمسكون فيها بأزمّة الأمور، وإنّما كانوا دائماً يتمسّكون بنهج الدفاع عن النفس عندما يتعرّضون للعدوان في أشدّ الحالات، وقد يتمسّكون بالصبر والسكوت، وتحمّل ألوان الأذى والهضم لحقوقهم الطبيعية تأثّراً بالنهج الذي تبلّغوه عن أئمّتهم المعصومين عليه السلام. وقد أسهم ذلك التزاماً عالياً بسلوكهم الفرديّ والاجتماعيّ بين الناس، فكانوا قدوة لبقية الناس، وأصحاب دور فاعل وتأثير بارز عليهم في الهداية إلى الإسلام الأصيل. والأمثلة في ذلك كثيرة يعرفها المنصفون من المطّلعين على التراجم والطبقات، وعلم الرجال.

محاور الوصيّة
إنّ طاعة الأئمة من آل مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والوصيّة بتقوى الله تعالى، والورع في الدين، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وطول السجود، وحسن الجوار، بهذا جاء مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم التركيز مرة ثانية وثالثة ورابعة على الأمانة وأدائها، ومضرب المثل في ذلك، وصلة الأرحام، وشهود جنائز عامة المسلمين، وعيادة مرضاهم، وأداء حقوقهم، وحسن الخلق معهم، وبيان أنّ تلك هي صفات شيعة أهل البيت عليهم السلام التي تُدخل السرور على قلوب أئمّتهم سلام الله عليهم.ونحن بدورنا حين نستقرىء هذه الوصيّة الهامّة يتّضح لنا أنّها جملة من مكارم الأخلاق التي لا بدّ لكلّ مؤمن من التخلّق بها، ففكّر أيّها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو طبّقوها، واعلم أنّ من أراد الكمال كلّ الكمال في الفضائل الإنسانية، فعليه بالتدبّر في كلمات أهل بيت العصمة عليهم السلام، ودراية رواياتهم، ومواعظهم ووصاياهم، فإنّها معدن العلم والحكمة.

سلام الإمام عليه السلام
من الملاحظ في هذه الوصيّة أنّ الإمام الصادق عليه السلام ابتدأها بقوله لصاحبه زيد الشحّام: "أقرِأ من ترى أنه يُطيعني منكم، ويأخذ بقولي، السلام"أي: بلِّغ السلام عنّي أصحاب الطاعة في سلوكهم التابعين لنا بالقول والفعل، وبذلك يؤكّد الإمام عليه السلام أنّ التشيّع لهم وموالاتهم ليس مجرّد محبّة تُدَّعى بل هو طاعة لهم فيما يأمرون، لأنّ طاعتهم طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعة رسول الله طاعة لله عزّ وجلّ5، فمن التزم ذلك، فهو لهم وليّ، ويستحقّ أن يُبلَّغ السلام من الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، وأمّا من كان لله عاصياً ومخالفاً، فهو لهم عدوّ، حتى لو ادّعى مشايعتهم، وحاول أن يُصوّر للناس أنّ مجرّد محبّتهم وممارسة بعض الأعمال البسيطة، كفيل بغفران ذنوبهم، وكان من نتاج دعواه الباطلة أن شجَّع الكثير من الموالين على التساهل في أمور الدّين، وغرّر بهم وأوقعهم في متاهات لا نهاية لها، وأبعدهم كلّ البعد عن أهداف الأئمة المعصومين عليهم السلام.

أجمع الوصايا
إنّ المسلم في حاجة دوماً إلى التذكير والإرشاد، وإنّ أجمع الوصايا وأنفعها، الوصيّة بتقوى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله6. وروى أبو بصير، فقال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ7، فقال: "يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر"8. وشدّة التقوى تُسمّى بالورع، ويحصل من خلال شدّة الاحتياط وترك الإنسان لكلّ ما يريبه. روي عن الإمام أبي مُحمد الحسن بن علي عليهما السلام قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، فإنّ الصدق طمأنينة، والكذِب ريبة"9.

وهذه قاعدة مهمّة في الورع، فكلّ شيء اشتبهتَ فيه اتركه إلى شيء لا تشتبه فيه، ومن مزايا المسلم: شدّة الورع والاحتياط، فإنّه يرى الذنب اليسير القليل عظيماً، لأنّه كما قيل: لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر من عصيت، وهذا الأمر من أهمّ القضايا وأعظمها، ولذلك ما كان المؤمنون الصادقون يستصغرون الذنوب ولو كانت صغيرة هيّنة، وإنّ الذي نفهمه جميعاً ويفهمه كثير من الناس في معنى الورع أن تترك أمراً من الأمور تورّعاً لاحتمال أن يكون محرّماً، أو لاحتمال أن يكون مكروهاً، فقد رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أنهُ قال: "الوَرَعُ يَحجُز عنِ ارتكاب المحارم"10.

الاجتهاد لله
هذا مطالبة وتوجيه من الإمام الصادق عليه السلام لكلّ مسلم أن يكون مجتهداً لله تعالى في كلّ أقواله وأعماله، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ11.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "وإذا رأيتَ مجتهداً أبلغ منك في الاجتهاد، فوبِّخ نفسك ولُمها وعيِّرها تحثيثاً على الازدياد عليه، واجعل لها زماماً من الأمر وعناناً من النهي، وسُقها كالرائض للفاره التي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلا وقدصحّح أوّلها وآخرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُصلّي حتى تتورّم قدماه، وقال: أفلا أكون عبداً شكوراً. أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتبر به أمّته، فلا يغفلوا عن الاجتهاد والتعب والرياضة بحالٍ، ألا وإنّك لو وجدت حلاوة عبادة الله، ورأيتَ بركاتها، واستضأت بنورها لمتصبر عنها ساعة واحدة، ولو قُطّعت إرباً إرباً"12.

صدق الحديث
إنّه عزّ الإنسان وأقوى دعائم الإيمان، وأخو العدل وزينة الحديث، وأمانة اللسان وحلية أهل الإيمان. وتُحدّثنا سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ السمة الأبرز التي اشتُهر بها قبل النبوّة، والتي كانت إحدى أكبر ركائز الجذب في شخصيّته هي صدق الحديث. وهذا الأمر إنّما يدلّ على استبطان هذه الفضيلة للكثير من مكارم الأخلاق التي يتمتّع بها الأمين الصادق صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ممّا دفع أمّ المؤمنين خديجة الكبرى عليها السلام للاقتران بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ أكثر ما كان يبلغها عنه صدق الحديث، وأداء الأمانة، وكرم الأخلاق.ويكفي في بيان مقام الصدق أنّ الله أشار إلى هذه الصفة في ذاته سبحانه، وأكّد على اتصاف أنبيائه ورسله وأوليائه بها، فقال عزّت آلاءه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلً13، والآيات الكريمة الواردة في ذلك، ومنظومة الأحاديث الشريفة كثيرة وكبيرة جدّاً.

أداء الأمانة
يقول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً14 ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَ15. لكنّ على الرغم من هذا الأمر الإلهيّ يوجد من يخون الأمانة، فعوضاً عن أدائها إلى أصحابها، فهو يُنكرها أو يُنقص منها أو يُقصّر في حفظها وصيانتها، وهذا من مصاديق الخيانة، فأكثر الأمثلة شيوعاً للخيانة هي خيانة الأمانة، لأنّ القيمة التي تقوم الحياة الاجتماعيّة عليها هي أداء الأمانة.

يقول الإمام زين العابدين علي بن الحُسين عليهما السلام: "لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ائتمنني على السيف الذي قتله به لأدّيته إليه"16.

وما أكثر الروايات الشريفة التي وردتنا عن أهل بيت النبوّة بشأن الأمانة وأدائها، إلّا أنّنا سننتقي بعض الروايات الّتي تُدلّل على عظمة الأمانة، ووجوب أدائها:

روى مولانا الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس منّا من أخلف بالأمانة"17.

وكذلك روى مولانا الإمام محمد بن علي الجواد عليهما السلام عن أبيه عن آبائه الكرام، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف، وطنطنتهم بالليل، انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة"18.

وروي عنه عليه السلام أنه قال: "ثلاث هنّ زين المؤمن: تقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة"19.

وقال مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "أُقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثا: "يا أبا الحسن أدِّ الأمانة إلى البرّ والفاجر فيما جلّ أو قلّ حتى في الخيط والمخيط"20.

وقال أبي كهمس: قلتُ لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: عبد الله بن أبي يعفور يُقرؤك السلام، قال: "وعليك وعليه السلام، إذا أتيتَ عبد الله، فأقرأه السلام، وقل له: إنّ جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالزمه، فإنّ عليّاً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدق الحديث وأداء الأمانة"21.

وديني رعْيُ العهد والود والصفا     فما لي ومُختار الخيانة والغدْر

طول السجود
أُمرنا به لما فيه من فضل وكرامة، ومكانة في الانقياد الصادق والكامل للمعبود سبحانه وتعالى، وهو بحدّ ذاته منتهى العبادة، وقد روى ناقل هذه الوصيّة زيد الشحّام عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام فقال: سمعتُه يقول: "أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء عليهم السلام، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضّأ، فيُسبغ الوضوء، ثم يتنحّى حيث لا يراه أنيس، فيشرف عليه وهو راكع أو ساجد. إنّ العبد إذا سجد، فأطال السجود نادى إبليس: يا ويلاه أطاع وعصيت، وسجد وأبيت"22.

إنّ المصلّي عزيز عند الله تعالـى لأنّه يضع أشرف وأكرم أعضاء بدنه على التراب عبوديةً لله تعالـى، ويُنكّس جوارحه خاضعاً متذلِّلاً له سبحانه، وقد جاء السجود في كتاب الله تعالى مقترناً بالقرب من الله عزّ وجلّ لذلك قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ23، فالمصلّي يلقى من الله الكرامة ظاهراً وباطناً عاجلاً وآجلاً فـي الدنيا والآخرة.

حُسن الجوار
قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وسلمان، وأبا ذر والمقداد أن يُنادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه: لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثاً، ثم أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعنشماله يكون ساكنها جاراً له"24.

وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "ليس منّا من لم يأمن جاره بوائقه"25، ولأنّ حسن الجوار شعبة من شعب الإيمان بالله واليوم الآخر قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُحْسِنْ إِلى جَارِهِ"26.

وروى الإمام علي الرضا عليه السلام عن آبائه الكرام عليهم السلام عن أمير المؤمنين علي عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنّه سيُورِّثه"27.

من حقوق الجار احتمال أذاه: وذلك بأن يُغضيَ عن هفواته، ويتلقّى بالصفح كثيراً من زلّاته، ولا سيّما إساءةً صدرت من غير قصد، أو إساءةً ندم عليها، وجاء معتذراً منها، فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفع الأخلاق، وأعلى الشيم.ومن وجوه الإحسان إلى الجار: تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح، وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، وطلاقة الوجه عند لقائه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان.

ماذا يريد أئمّة الهدى منّا؟
إنّ هذه الوصيّة العظيمة التي وجّهها الإمام الصادق عليه السلام إلينا يحتاج شرحها لمجلد كامل إذا لم نقل عدّة مجلّدات، وبسبب تعذّر إكمال شرح هذه الوصيّة الجامعة نكتفي بإيراد شطر من توصيات أئمة الهدى عليهم السلام التي وجّهوها إلى شيعتهم ومواليهم، والتي تُبيّن بعضاً ممّا يريده الأئمة المهديّين عليهم السلام منّا:

قال مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً. إنّي أُريدكم لله، وأنتم تُريدونني لأنفسكم. أيّها الناس أعينوني على أنفسكم،.."28.

وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال لفضيل: "بلّغ موالينا عنّا السلام، وقل لهم إنّي لا أُغني عنكم من الله‏ شيئاً إلاّ بورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفّوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة إنّ الله‏ مع الصابرين"29.

وقال مولانا الإمام الباقر عليه السلام لصاحبه خيثمة: "أبلِغ شيعتنا أنّه لا يُنال ما عند الله إلا بالعمل، وأبلغ شيعتنا أنّ أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه إلى غيره، وأبلِغ شيعتنا أنّهم إذا قاموا بما أُمروا أنّهم هم الفائزون يوم القيامة"30.

وقال عليه السلام لجابر الجعفي: "أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران منالفقراء وأهل المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكَفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء..."31.

اللهمّ إنّا نُقسم عليك بحقّ محمّد وآل محمّد عليهم السلام أن تمنّ علينا بحقيقة الولاية، وأن توفّقنا للسير على نهج أهل بيت نبيّك عليهم السلام بالقول والعمل.

* طلائع القلوب، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- أبو أسامة زيد الشحّام بن يونس الكوفي، من أصحاب الإمامين أبي عبد الله الصادق، وأبي الحسن الكاظم عليهما السلام وقد روى عنهما جملة من الآثار الشريفة، وأورد له الكشّي رواية نقلها عن الإمام أبي جعفر مُحمد بن علي عليه السلام بلا واسطة، وفي ذلك دليل على أنّه ممّن رأى وسمع الإمام الباقر عليه السلام، وقد نقل عنه الكثير من الثقات من أصحاب الأئمة عليهم السلام، وهو ثقة عين له كتاب يرويه عنه جماعة، وقد بَشّره الإمام الصادق عليه السلام بأنّه "معهم" أهل البيت، وقد نقلنا هذه الترجمة بتصرّف، يراجع رجال الكشي، محمد بن عمر، ج1، ص13، وج2، ص627-628، طبعة: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، تحقيق السيد مهدي الرجائي، قم، والشيخ عباس القمي، الكنى والألقاب، ج1، ص6، باب الأول، تقديم محمد هادي الأميني.
2- كذلك هي ممّا أوصى به الإمام أبو محمد علي بن موسى الرضا والإمام أبو محمد الحسن بن علي الزكي العسكري عليهم السلام، يراجع فقه الرضا، ص356، طبعة:1، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص372.
3- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص636،باب ما يجب من المعاشرة.
4- الشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله، عقائد الإمامية، ص134-135، طبعة:2، مركز الأبحاث العقائدية.
5- قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أطاعـني، فقد أطاع الله، ومن عصاني، فقد عصى الله، ومن أطاع عـليّاً، فقد أطاعني، ومن عصى عـليّاً، فقد عصاني"، يراجع الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج3، ص130، حديث 4617، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعلق الذهبي في تلخيصه للمستدرك: صحيح، والروايات من طريق العترة الطاهرة متواترة متظافرة في وجوب طاعة الأئمة من آل مُحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
6- سورة النساء، الآية، 131.
7- سورة آل عمران، الآية 102.
8- الشيخ المُحدث الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، الزهد، ص17، حديث رقم 37، طبعة:2، المطبعة العلمية، قم.
9- محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج4، ص110، حديث 7046، طبعة 1: دار الكتب العلمية، بيروت،والحسين بن محمد بن حسن بن نصر الحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، ص28، طبعة:1، مدرسة الإمام المهدي عليه السلام، قم، وأبو الفتح محمد بن علي الكراجكي الطرابلسي، كنز الفوائد، ج1، ص351، طبعة:1، دار الذخائر، قم.
10- عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد التميمي الآمدي، غرر الحكم ودرر الكِلم، ص77، طبعة: دار الكتاب الإسلامي، قم.
11- سورة العنكبوت، الآية 69.
12- منسوب للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، مصباح الشريعة، ص170، باب الثمانون، طبعة: 1، مؤسسة الأعلمي.
13- سورة النساء، الآية 122.
14- سورة الأحزاب، الآية 72.
15- سورة النساء، الآية 58.
16- الشيخ الصدوق، الأمالي، ص246، طبعة:1، تحقيق ونشر مؤسسة البعثة، قم.
17- الشيخُ مُحمّدْ بن الحسن الحُر العاملي، وسائل الشيعة، ج 19، ص 57 ـ 78.
18- الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه، الأمالي، ص302-303، المجلس الخمسون، طبعة6، كتابجي، طهران.
19- الآمدي التميمي، غرر الحِكم ودرر الكلم، الفصل السابع في المؤمن صفاته وعلائمه، الحكمة 1558.
20- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 273.
21- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص104، باب الصدق وأداء الأمانة.
22- م.ن، ج3، ص264، باب فضل الصلاة .
23- سورة العلق، الآية 19.
24- الشيخ المُحدث الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، الزهد، ص42، باب حق الجوار، حديث رقم 113.
25- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 68، ص 260.
26- أبو القاسم الطبراني، مكارم الأخلاق، ج1، ص388، حديث 211، طبعة:1، دار الكتب العلمية، بيروت.
27- الشيخ أبو جعفر مُحمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، ص520، المجلس الثامن عشر، طبعة:1، دار الثقافة، قم.
28- أبن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج9، ص31.
29- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج79، ص232.
30- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، ص 93.
31- الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 74.

24-04-2017 عدد القراءات 4538



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا