5 نيسان 2020 م الموافق لـ 11 شعبان 1441 هـ
En FR

 

تساؤلات وردود :: شبهات حول الدين

الخطاب الإلهي مع البشر



علاقة الدين بالطموحات الفطرية
كثيرا ما يتردد على لسان الخطباء والكتاب والعلماء أن التدين هو أمر فطري كما ورد في الروايات الشريفة أن كل مولود يولد على الفطرة وقد ذكر الله تعالى الفطرة في القرآن الكريم وأشار الى أن الفطرة هي الدين القيم وهذا يعني أن الدين متناسب مع فطرة الانسان وبعبارة أخرى أن فطرة الإنسان تتجه بشكل طبيعي نحو الدين ما لم تتدخل عوامل خارجية لحرف الإنسان عن مساره الفطري فما هي الفطرة؟ وما معنى أن الدين يتناسب مع الفطرة؟

الفرق بين الغريزة والفطرة
في البداية لا بد أن نوضح الفرق بين الغريزة والفطرة لبيان المعنى المقصود من الفطرة بالتحديد خصوصا أن البعض يستخدم الغريزة والفطرة بمعنى واحد : يوجد في الانسان مجموعة من الرغبات بعضها حاجات جسدية كالحاجة الى الطعام والشراب والنوم وغيرها وهذه الحاجات تسمى غريزة وبعضها روحية كحب الكمال والسعادة وحب الاستطلاع وغيرها وهذه الحاجات تسمى فطرة وتتميز الحاجات الفطرية بأنها لا تعرف الحد والشبع بخلاف الحاجات الغريزية حيث يمكن لنا أن نحدد كمية الطعام والشراب التي يكتفي بها جسم الانسان ولكن لا يوجد سقف للكمال الذي يريده الانسان إذ أن الحاجات الفطرية تريد المطلق لا المحدود.

علاقة الدين بالتطلعات الفطرية
والسؤال المطروح ما هي علاق الدين بتلك الرغبات الفطرية؟وكيف نشبع تلك الرغبات من خلال الدين؟وقد يقال أن الدين خاطب الغريزة أكثر مما خاطب الفطرة فالحديث في القرآن الكريم يدور عن نهر لبن وعسل وخمر وماء وعن حور عين وعن فاكهة ولحم طير وغيرها وهذه الأمور لا علاقة لها بالروح ورغباتها بل هي رغبات جسدية واضحة!؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل نبين كيف أن القرآن الكريم خاطب الفطرة الانسانية في الكثير من الآيات واليك بعض النماذج:

- حب الخلود: مما لا شك فيه أن الرغبة بالحياة الخالدة هي رغبة فطرية بل هي من أهم الرغبات الفطرية الموجودة عند كل البشر وقد صرح القرآن الكريم في عشرات الآيات الكريمة بقوله تعالى "خالدين فيها "

- الاقتدار: من الأمور الفطرية التي جبل عليها الانسان هي الرغبة في امتلاك القدرة على تحقيق الأشياء أي أن يكون الانسان مقتدرا وأن تكون ارادته ارادة فاعلة غير عاجزة وقد ذكر القرآن الكريم أن مشيئة الانسان يوم القيامة هي مشيئة فاعلة وغير محدودة "لهم ما يشاؤون فيها"

- حب التجدد: لا شك أن الانسان يبحث عن الاستقرار ولكن هذه الرغبة في الاستقرار يشوبها الملل من بعض الجهات لذلك يبحث الانسان عن واقع لا سأم فيه وقد وصف الله تعالى الجنة في قوله تعالى "خالدين فيها لا يبغون عنها حولا" أي أنهم لا يريدون التحول عنها وذلك بسبب التجدد الدائم في عين الخلود.

اضافة الى ما ذكر فإن القرآن الكريم خاطب الانسان من خلال فطرته في قضايا أخرى لا يتسع المجال لاستعراضها وقد اكتفينا بهذا المقدار كي نثبت أن الله تعالى خاطب الفطرة الانسانية بدعوتها لتحقيق طموحاتها ورغباتها من خلال التدين .
إذن لم يكن الخطاب القرآني موجها الى غريزة الانسان فقط كذلك لم يكن خطابا روحانيا محض فالقرآن الكريم خاطب كلا الرغبتين في الانسان ومن ضروريات الدين أن المعاد يوم القيامة جسماني بمعنى أن الانسان لن يكون روحا بلا جسم وبما أنه جسم وروح وبغض النظر عن طبيعة ذلك الجسم فلا بد أن تتناسب الجنة مع هذه الحقيقة.

إن افتخار بعض الأديان بدعوتها الى لذات الروح بعيدا عن لذات الجسم لا ينسجم مع حقيقة كون الانسان في ذلك العالم بجسمه وروحه وكذلك فإنه مبني على تصور خاطئ مفاده أن بين غريزة الانسان وبين فطرته نوع من العداء والتضاد وأن على الانسان أن يحارب غريزته من أجل فطرته وكذلك مبني على تصور الفصل بين الجسم والروح وكأن الجسم يشده نحو الأسفل بينما تشده الروح نحو الأعلى !

إن النظرة الاسلامية الى الغريزة أنها أمر أصيل وضعته يد القدرة الإلهية في الإنسان لغايات سامية وكذلك فإن التعاطي السليم مع الغريزة يساعد على تكامل الانسان من الناحية الفطرية أيضا فقد ورد أن صلاة المتزوج تعدل سبعين صلاة كصلاة العازب وورد أيضا أن من تزوج فقد عصم ثلثي دينه من الشيطان فدور الغريزة إذن مكمل لدور الفطرة وكلاهما يساعدان الانسان على الوصول الى الكمال فيما إذا تعاطى معهما بشكل صحيح ومناسب ومتوازن! ومن جهة أخرى لا يوجد فصل بين روح الانسان وبين جسمه فالعلاقة بين الجسم والروح ذات تأثير متبادل فالغذاء والنوم والنظافة وغيرها من الأمور ذات تأثير قوي على الروح وكذلك فالمزاج السيء أو المعتدل وطريقة التفكير الايجابية أو السلبية وكذلك الصفات النفسية والأمراض الباطنية النفسية كالحسد تترك آثارها بكل وضوح على جسم الإنسان من هنا فإن سعادة الإنسان هي في الاهتمام بكل أبعاده الجسمية والروحية وعلى هذا الأساس ليس من الصحيح أن ننظر الى الجنة باعتبارها مكانا للمتعة الجسمية بعيدا عن الروح وكأن الجسم لا علاقة له بالروح أو أن نقول أن سعادة الإنسان بروحه ولا علاقة لجسمه بذلك.

ولكن هذه الحقيقة لا تنافي أن يدعو الله البشر اليه ويخاطبهم بحسب عقولهم ودرجاتهم ومراتبهم فمن المعلوم أن البشر ليسوا في مرتبة ودرجة واحدة وليست اهتماماتهم واحدة لذلك كان الخطاب الإلهي لا بد أن يتناسب مع كل فئة منهم بحسب مرتبتها ودرجتها في المعرفة وقد أمر الله تعالى أنبياءه أن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم والأمر يشبه حديثك مع عدة أشخاص يتفاوت سمعهم قوة وضعفا فقد تخاطب الأول همسا وتخاطب الآخر بصوت عادي والثالث بصوت مرتفع وهكذا حتى يصل صوتك الى الجميع فتخاطب كل واحد بدرجة الصوت المتناسبة مع سمعه وهكذا خاطب الدين البشر كل بحسبه فبعض البشر همه الدنيا لا غير وبعضهم لا هم له الا النجاة من العذاب وبعضهم لا يفكر سوى بلذات الآخرة الجسمية وبعضهم يبحث عن تلبية رغباته الفطرية فكان الخطاب الديني متناسبا مع كل فئة منهم والسبب في مخاطبة كل فئة بحسبها يعود الى اعتماد التدرج في رفعهم من درجتهم الى الدرجة الأعلى فالكثير من الناس دخلوا الدين من أجل دنياهم لكنهم ما لبثوا أن تفاعلوا مع الحقائق الدينية العالية أو أن أبناءهم وذرياتهم تفاعلوا مع تلك الحقائق بعدهم كما حدث مع الكثير من الذين اعتنقوا الاسلام ظاهريا في صدر الاسلام ولكن أبناءهم كانوا من خيرة أتباعه.

24-01-2017 عدد القراءات 1692



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا