25 نيسان 2019 م الموافق لـ 19 شعبان 1440 هـ
En FR

محطات إسلامية :: زاد عاشوراء

حذار الغفلة



﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ1.

أضرّ الأعداء

من أشدّ الأمراض وأفتكها التي يبتلى بها الإنسان الغفلة، وقد ورد أنّ الإمام عليّاً عليه السلام قال: "الغفلة أضرّ الأعداء"2.

ولذا فإنّ علماء الأخلاق، بعد دراستهم لأحوال الإنسان الفرد وكذلك للمسيرة الإنسانيّة، رأوا خطورة هذا المرض، وقد استفاد بعضهم من القرآن الكريم فوجد أنّ فيه ما يزيد على العشرين آية تدلّ على أنّ لشفاء الإنسان ولفساده ولرذائل الأخلاق ومذامّها أصلاً هو الغفلة، وجاء هذا الاستنتاج ولذا ورد عن أمير المؤمنين وسيّد المتّقين الإمام عليّ عليه السلام قوله: "الغفلة ضلال النّفوس، وعنوان النحوس"3.

حقيقة الغفلة

للتعرّف على الغفلة لا بدّ من الإشارة إلى أنّ معناها البسيط هو عدم الالتفات إلى شيء مع وجوده تحت سلطان القدرة ومع وجود المقتضي للالتفات.

والحقيقة أيضاً أنّ أهمّ ما يمنع الالتفات إلى الأمور والأشياء هو توجّه الحواس أو القوى أو النّفوس إلى أمور أخرى لأسباب نتعرّض إليها لاحقاً.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ4.

ويبدو واضحاً من هذه الآية أوّلاً أنّ الغفلة تُنزل الإنسان من مقام الإنسانيّة المكرّمة إلى البهيميّة وتحطّ من قدره، إضافة إلى كونها سبباً للشقاء الأبديّ، والسبب في ذلك أنّهم في زمرة الغافلين، والذي حطّهم ونزل بهم إلى هذا الدرك هو أنّهم زُوّدوا بقوى هي القلوب والأعين والآذان، فإمّا أنّهم أهملوها ولم يستخدموها أصلاً فكأنّها لم تكن لديهم، كما أنّه ليس للبهائم فقه ولا بصائر، أو أنّهم أساؤوا استخدامها ولم ينتفعوا بوجودها لديهم، فهؤلاء بسبب انحراف قوى الإدراك عندهم عن مسيرها الصحيح فقد فقدت دورها النافع والإيجابيّ وهو انتباههم والتفاتهم.

ولذا تمّ إغلاقها وطمسها حيث يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ5.

عن ماذا تكون الغفلة؟

ذكر القرآن الكريم والروايات من الأمور التي تكون الغفلة عنها، منها لا على سبيل الحصر:

1- الغفلة عن الله:
وهي التي تحدّث عنها الله تعالى فقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ6.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "أيّها النّاس، غير المغفول عنهم، والتاركون المأخوذ منهم، ما لي أراكم عن الله ذاهبين، وإلى غيره راغبين؟!"7.

2- الغفلة عن الموت وما بعده:
قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ8.

وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ9.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "ويل لمن غلبت عليه الغفلة فنسي الرحلة ولم يستعدّ"10.

3- الغفلة عن آيات الله:
ومنها القرآن والمعاجز وحتّى أولياء الله: في آية مذكورة آنفاً: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ11.

آثار ونتائج الغفلة

إنّ للغفلة آثاراً مدمّرة إضافة إلى ما ذكرنا من إيجابها للشقاء الأبديّ فمنها:

1- إضاعة العمر: وعدم النجاة: بمعنى عدم استثمار العمر والاستفادة منه، عن الإمام عليّ عليه السلام: "كفى بالرجل غفلة أن يضيع عمره فيما لا ينجيه"12.

2- الضلال: وعنه عليه السلام: "كفى بالغفلة ضلالاً"13.

3- فساد الأعمال: وعنه عليه السلام: "من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر"14.

4- اختلاط الأمور وعدم ترتيب الأولويّات: عن الإمام عليّ عليه السلام: "كفى بالمرء غفلة أن يصرف همّته فيما لا يعنيه"15.

5- موت القلب: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من غلبت عليه الغفلة مات قلبه"16.

6- عمى البصيرة: عنه عليه السلام: "دوام الغفلة يعمي البصيرة"17.

7 - العمى الأخرويّ والمعيشة الضنك: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى18.

اليقظة علاج الغفلة

يقول أرباب السير والسلوك إنّ أوّل منازله هو اليقظة، فما لم يستيقظ الإنسان من غفلته وينتبه من نومته ويصح من سكرته فلن يضع قدماً في طريق السلوك والسير نحو الله تعالى والمقامات السامية، إذ إنّ الإنسان إذا ما كان يعيش حالة من الغفلة فإنّه ينسى أصله وينسى حقيقته ولا يدرك سبب هذه الحياة الدنيويّة والحكمة من وجوده فيها ولا الغاية المرجوّة منها، فلا يفكّر فيها ولا يستعدّ للرحلة عنها إلى العالم الآخر، فما دام الإنسان واقعاً في شراك الغفلة ولم يقم ليسعى في طرق نجاته والوصول إلى سعادته وكماله فلن يجد السير نحو إلهه تعالى.

وممّا جاء في الحثّ على اليقظة عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ألا مستيقظ من غفلته قبل نفاد مدّته"19.

وكذلك: "انتباه العيون لا ينفع مع غفلة القلوب"20.

ومن أجمل ما قاله عليه السلام: "سكر الغفلة والغرور أبعد إفاقةً من سكر الخمور"21.

وعن قيمة اليقظة وأهمّيّتها وأثرها: قال عليه السلام: "ضادّوا الغفلة باليقظة"22.

وعنه عليه السلام: "اليقظة نور"23.

اليقظة من الغفلة

1- ذكر الله تعالى: وهو الحالة الأولى من موجبات اليقظة حيث قال الإمام عليّ عليه السلام: "بدوام ذكر الله تنجاب الغفلة"24.

2- معرفة الدّنيا وأحوالها: قال عليه السلام: "إنّ من عرف الأيّام لم يغفل عن الاستعداد"25.

3- تقوى الله تعالى: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "أوصيكم بتقوى الله... أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم"26.

4- اللجوء إلى أطبّاء القلوب أي المعصومين عليهم السلام: حيث قال عليه السلام في صفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "طبيب دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عُمْي وآذان صُمّ وألسنة بُكم، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة"27.

5- وثمّة أمور أخرى منها ذكر الموت والآخرة ومعرفة النّفس فعن الإمام الصادق عليه السلام: "ذكر الموت يميت الشهوات في النّفس ويقطع منابت الغفلة ويقوّي القلب بمواعد الله..."28.

اهتمّ بإنسانيّتك

إذا عدنا إلى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ29 يتّضح لنا أنّ حقيقة الغفلة وأسّها الأساس هو الغفلة عن النّفس وعدم الالتفات إليها، وإلى حقيقتها وقواها ومآلها والذي يولّد عدم الاعتناء بقواه، وفي الحقيقة إنّ الغفلة هي عن البعد الروحانيّ والحقيقة الإنسانيّة بالاستغراق في البعد الحيوانيّ، ولذا كان مَن هذه صفته كالأنعام بل أضلّ سبيلاً.؟

* كتاب زاد عاشوراء، إعداد معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الأعراف، الآية 179.
2- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2282.
3- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2282.
4- سورة الأعراف، الآية 179.
5- سورة النحل، الآية 108.
6- سورة الحشر، الآية 19.
7- نهج البلاغة، الخطبة رقم 175.
8- سورة التكاثر، الآيتان 1 - 2.
9- سورة الأنبياء، الآيتان 1 - 2.
10- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2282.
11- سورة الأنبياء، الآية 2.
12- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2287.
13- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2287.
14- نهج البلاغة، الموعظة رقم 208.
15- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2287.
16- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2287.
17- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2287.
18- سورة طه، الآيات 124 - 126.
19- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2283.
20- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2283.
21- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2283.
22- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2283.
23- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2283.
24- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2285.
25- ميزان الحكمة، ج 3، ص 2285.
26- نهج البلاغة، الخطبة رقم 191.
27- نهج البلاغة، الخطبة رقم 108.
28- مستدرك الوسائل، ج 2 ص 105.
29- سورة الحشر، الآية 19.

05-10-2016 عدد القراءات 827



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا