22 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الأول

إبراهيم أسوة التسليم والعبودية في القرآن الكريم



يصف القرآن الكريم تسليم إبراهيم عليه السلام في مقابل أوامر الله وتعاليمه بأنّه أسوة التسليم والرضا، وأنّ السّر في توفيقه في مواجهة الصعاب وانتصاره على المشركين، يكمن في الإيمان والصبر والاستقامة والتوكل على الله سبحانه وتعالى، ويدعونا لأن نكون على مثل هذا الإيمان والاعتقاد إزاء أمر الله والقرآن الكريم، وأن نكون في العمل كإبراهيم صامدين، ثابتي الأقدام في تنفيذ الأحكام الإلهية.

ونحن هنا نذكر باختصار قصة إبراهيم عليه السلام في تنفيذ أمر الله بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، لنوضّح من خلالها محورية الله في الثقافة التوحيدية، ونقاط ضعفنا ونحن نواجه القرآن وأحكامه، ونعرّف القرّاء الأعزاء بالأدواء الحقيقية للمجتمع.

يُستفاد من القرآن الكريم أنّ المشيئة الإلهية قضت أن يُرزق إبراهيم عليه السلام ـ بعد مِئة عام من الحرمان من الولد وبعد أن طال انتظاره وأوشك على اليأس ـ بولدٍ وتتحقق أمنيته القديمة، من الطبيعي أنّ أي إنسان يتمنى في حياته أن يرزق بولدٍ صالح، فهو يعتبر وجود الولد الصالح امتداداً لوجوده وبقائه، بعد ولادة إسماعيل أُمر إبراهيم عليه السلام من الله تبارك وتعالى بأن يحمل وَلده وزوجته إلى ارض مكة، ويتركهما يعيشان أقسى الظروف في وادٍ لا تبدو للعيان فيه آثار للماء والحياة، ويغادر مكّة لأداء الرسالة الإلهية، وبعد مدة حيث عاد وقد كبر ولده وأصبح شاباً مؤدّباً حسن المنظر، يبهر النظر إلى جماله بصرَ كل إنسان، ويزيل سيماء وجهه المتفتح الأحزان والهموم عن ذاكرة أبيه، ويهوّن عليه عذاب الهجرة والشدائد، وفي ذروة التعلق بهذا الولد الذي ظهرت عليه أهلية النبوة أُوحي إلى إبراهيم في المنام: أن تذبح ابنك في سبيل الله.

حقاً يجدر بنا أن نقيس إيماننا واعتقادنا بالله والقرآن والأحكام الإلهية ومراتب تسليمنا أمام الله، مع إيمان إبراهيم عليه السلام ودرجة تسليمه، لندرك ـ أكثر ـ المسافة بيننا وبين ما أراده القرآن والله سبحانه وتعالى منّا، وننبري لتعزيز الإيمان والعمل على أساس المعتقد الديني أكثر فأكثر.

لو أنّ جبرئيل كلّفنا أنا وأنت في عالم اليقظة وليس في المنام بذبح ولدنا بأيدينا فلا طاقة لنا بسماع ذلك، ناهيك عن تنفيذ الحكم والأمر الإلهي بذبح الولد، لكن إبراهيم عليه السلام بادر لتنفيذ أمر الله دون توانٍ، ودون أن يفسح المجال أمام أي شكل للتطرّق إلى نفسه في صحة ما أُوحي إليه بأنّه ما المصلحة في قتل ولدٍ بريء؟. فطرح القضية على ولده: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى‏ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى‏ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ1 فعندما شبّ الولد وكان يسعى إلى جانب والده بين الصفا والمروة، قال له أبوه: يا بني إنّني رأيت في المنام بأن يجب أن أذبحك قرباناً لله فما هو رأيك؟ بهذه الدرجة إيمان إبراهيم وتسليمه، فاجلس وشاهد درجة تسليم الابن وإيمانه، وانظر طاعته أمام أمر الله وأبيه، لتستحوذ عليك الحيرة لإخلاص وإيمان الذين يعجز القلم والبيان عن وصفهم، وإياك أن تفقد الحذر في أن تسمّي نفسك مسلماً.

فأجاب إسماعيل، هذا الولد الذي تعلّم من أبيه درس التسليم أمام أمر الله، بجواب هو أبعد مدىً من التعبير على الموافقة، حاثاً أباه على تنفيذ الأمر الإلهي لئلا يبقى أمر الله مطروحاً على الأرض، ودون أن يسأل أباه عن فلسفة ذبحه، وبلا أن يدفع والده إلى التريّث والتأمل في أداء تكليفه، قال إسماعيل عليه السلام لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.

إنّ العظماء يتخذون القرار ويبادرون لأداء واجباتهم لاسيما الواجبات الجسمية بعد الاستعانة بالله تبارك وتعالى والتوكل عليه، فهم يطلبون العون والمساعدة منه في جميع الأعمال ويقولون بكل أدب: إنّني أنجز هذا الواجب إن شاء الله وإذا مدّني بعونه. وهنا أيضاً لا يعوّل إسماعيل عليه السلام على قوته بل يقول لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فالله هو الذي يعينني وأصبر إن شاء الله، لتتوفّق في أداء واجبك الإلهي.

ويصوّر الله تبارك وتعالى سيماء إبراهيم عليه السلام وحالة تسليمه أمام ربّه عن لسان إبراهيم عليه السلام بما يلي: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ2 أي: إنّني وجّهت وجهي لله خالق السموات والأرض بإيمان خالص ولن أؤمن أبداً بعقيدة المشركين الجاهلية.

يجب أن يكون إيماننا بالله والقرآن كإيمان واعتقاد إبراهيم عليه السلام، وفي هذه الحالة يتحقق الشرط الثاني الأساسي للانتفاع بالقرآن الكريم أي هداية المجتمع على أساس توجيهات القرآن.

بناءً على هذا، إنّ وجود القرآن دون إيمان راسخ واعتقاد قلبي لا يسعد الإنسان والمجتمع أبداً، ومن الواضح بالطبع أنّ ما يضفي العينية على مهمة هداية القرآن ـ بالإضافة إلى الإيمان والاعتقاد ـ هو تحقّق الشرط الثالث أي العمل وفقاً لتعاليم القرآن، وتجسيد أحكامه في صلب الحياة الفردية والاجتماعية.

* تجلّي القرآن في نهج البلاغة - آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي


1- الصافات: 102.
2- الأنعام: 79.

22-06-2016 عدد القراءات 550



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا