25 أيلول 2020 م الموافق لـ 07 صفر 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: المهتدون

الغفلة والتواني



نصّ الوصية:
• قال الإمام أبو جعفر مُحمد بن علي الباقر عليه السلام موصياً تلميذه النجيب جابر الجعفي: "وإيّاك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب، وَإِيَّاكَ وَالتَّوَانِيَ فِيمَا لا عُذْرَ لَكَ فِيهِ، فَإِلَيْهِ يَلْجَأُ النَّادِمُونَ"1.

مصيبة الغفلة
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ2.

إنّ الغفلة عن الله تعالى تزيد كدورة القلب، وتُمكّن النفس والشيطان من التغلّب على الإنسان وتزيد في المفاسد. في حين أنّ ذكر الله واستحضار ذكره يُصقلان القلب ويُكسبانه الصفاء، ويجعلانه مجلى للمحبوب، ويُصفّيان الروح ويُخلّصان الإنسان من قيود أسر النفس3.

والغفلة أيّها الإخوة سبب عظيم من أسباب الضلال والانصراف عن الهداية، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ4.

والغفلة سبب من أسباب عقوبة الدنيا وسوء الخاتمة، قال تعالى يُذكِّر آل فرعون حين ذكّرهم بالآيات فلم يتذكّروا بها: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ5.

والغفلة من أهمّ أسباب دخول النار قال تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ6.

وهل ترى أهل الدنيا اليوم إلا غافلين عن الحقّ، لاهين عن التوحيد والإذعان للرسل والملائكة والكتاب والنبيّين واليوم الآخر مع اختلافهم في مراتب الغفلة والبعد، كما كانوا كذلك في الأمس وما قبل الأمس، مكتفين بما يُلازم عنوان الغفلة من الإتراف بالنعم والفرح والمرح بها واللعب واللهو.

من هوان الدنيا على الله
من هوان الدنيا على الله تعالى أن يغفل الإنسان عمّا خُلق له، فيتهاون في الوقوع في المعاصي صغيرها وكبيرها، ويغفل الإنسان عمّا خُلق له فيتهاون في أداء الواجبات، ويغفل الإنسان عمّا خُلق له، فلا يتأثّر بالنصحية ولا يقبلها، يغفل الإنسان عمّا خُلق له، فيغترّ بما عنده من الحسنات، ويُعجب بأعماله، والبعض من الغافلين يمنّ بها على ربّه ذي المنّ الذي لا يُمنّ عليه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

فأيّها الناس تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، واجعلوا همّكم في آخرتكم التي ستنتقلون إليها، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، واعملوا وادّخروا من الباقات الصالحات، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلً7، واحذروا من الغفلة فهي سبب كلّ حجاب.
الموت في كلّ حين ينشد الكفنا***ونحن في غفلـــــة عمّا يُراد بنا
لا تـركننّ إلى الدنـيـا وزهرتها***وإن توشّحْتَ من أثوابها الحسنا


قال مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ومن غفل غرّته الأماني، وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب"8.

أسباب الغفلة
من أعظم أسباب الغفلة نسيان الغاية من الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ9، فربّنا سبحانه خلقنا لغاية عظيمة ولم يتركنا هملاً، قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ10، فكلّما نسي الإنسان الغاية من خلقه وقع في الغفلة، وقد جاءت النصوص الشريفة الواردة عن أنبياء الله تعالى وأئمة الهدى عليهم السلام لتُحذّرنا من الغفلة وتؤكّد علينا ضرورة استمرار
التنبّه واليقظة، وأنّنا لم نُخلق عبثاً، بل خلقنا لأمر عظيم، وهو طاعة الله تعالى وتحقيق العبودية له، فيتوجّب علينا أن نحرص تمام الحرص على أن لا نكون من الغافلين، وأن لا يغيب عنّا أبداً الهدف العظيم الذي من أجله خلقنا الله، وجعله تعالى مصدراً لعزّتنا وكرامتنا، فلا تأخذنا الغفلة، وبالتّالي نضّيع أنفسنا بالعيش بلا هدف:
قد هيأوك لأمر لو فطنت له***فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

ومن أسباب الغفلة، التساهل في الوقوع في الذنوب، فكلّما تهاون المسلم في ارتكاب الذنوب جاءت الغفلة واستولت على قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوذاً عوذاً11، فأيّ قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً12 كالكوز مجخيا13، لا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرض"14.

فهذا يتساهل في نظرة محرّمة، وهذا يتساهل في أكل الربا، وهذا يتساهل في الغيبة والوقوع في أعراض الناس، وهذا يتساهل في عقوق والديه وقطيعة رحمه، فهذا التساهل يوقع القلب في الغفلة، فلا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظم من عصيت:
إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل***خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
وَلا تَحـسَـبَـنَّ اللَهَ يُـغـفـِلُ ما مَـضـى***وَلا أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ


قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام: "إيّاكم والغفلة، فإنّه من غفل، فإنّما يغفل عن نفسه، وإيّاكم والتهاون بأمر الله عزّ وجلّ، فإنّه من تهاون بأمر الله أهانه الله يوم القيامة"15.

الغفلة تُقسّي القلب
"الغفلة هي الحالة الأخرى التي تقع في الطرف المقابل للعجلة والمسارعة في فعل الخير. فالإنسان الغافل أساساً ينسى تكليفه وينشغل بأمر آخر. يقول الإمام أبو جعفر الباقر صلى الله عليه وآله وسلم: "وإيّاك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب". ويقول عزّ من قائل في وصفه لحوار يدور بين المنافقين والمؤمنين في يوم القيامة: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ16، أي: يقول المنافقون للمؤمنين: ألم نكن معكم؟! بمعنى: ألم نكن أهل حيّ واحد، وروّاد مسجد واحد، ورفقاء في الجهاد، و...الخ؟ فما الذي أوصلكم إلى كلّ هذه السعادة وأبقانا في هذه الظلمة الحالكة؟ فيُجيب المؤمنون: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ17، أجل لقد كنتم معن، لكنّكم كنتم تُسوّفون في الأمور وتؤجّلون عملكم إلى غد وبعد غد، وتُقدّمون رجلاً وتؤخّرون أخرى، فاستولى الشكّ والريبة عليكم شيئاً فشيئاً. فقد أقررتم في بادئ الأمر بضرورة الإتيان بهذه الواجبات لكنّكم كنتم تسوّفون في الأمر فكانت النتيجة أن تولّد عندكم بالتدريج شكّ في أصل هذه الواجبات وتساءلتم: هل إنّ القيام بها يُعدّ ضروريّاً أساساً؟ فغلبت عليكم الآمال والأمانيّ وخدعتكم وغرّتكم. وهذه هي سلسلة المراحل التي يُمكن أن تطرأ على الإنسان فتزيح قدمه شيئاً فشيئاً عن مسير الحقّ وتصرفه عنه. فمثل هذا الإنسان قد يفتح عينه فجأة فيرى نفسه قد انحرف بزاوية 180 درجة عن مسير الحقّ.

يقول الله عزّ وجلّ في آية أخرى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ18، فإذا حُرم القلب لمدّة من إفاضة نور الهداية عليه من قِبَل الله عزّ وجلّ وشغلته عوامل الغفلة بروتين الحياة ورتابتها فسوف يفقد حالة الرقّة والانفعال ولا تعود حتّى الموعظة مؤثّرة فيه فينسى - شيئاً فشيئاً - أنّه من أجل ماذا خُلق أساساً؟ وإلى أين وجهته؟ ولماذا بُعث الأنبياء؟ ومن أجل ماذا جُعلت منظومة الرسالة والإمامة والشهادة؟ وما إلى ذلك. وهذا النسيان والغفلة يُقسّيان القلب ويجعلانه كالصخر.

من أجل ذلك يقول عليه السلام: "وإيّاك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب"، فإيّاك والابتلاء بالغفلة واللامبالاة فهي من موجبات قساوة القلب، ومع الأسف فإنّ الثقافة العالميّة المعاصرة تتّخذ هذا المنحى، وهو محاولة نسيان كلّ ما يوجب الغمّ والهمّ والحزن والخوف وأمثالها وعدم التفكير فيه والركون إلى اللامبالاة، في حين أنّ الغفلة واللامبالاة من شأنهما أن يقسّيا قلب الإنسان فلا يعود قول الحقّ مؤثّراً فيه مهما سمعه"19.

فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلوبُهُم
حين تجفّ داخلَ النفس الإنسانية عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم، وحين تنعدم من القلوب الرحمة تحلّ القسوة بالقلوب فتتحوّل إلى مثل الحجارة التي لا ترشح بأيّ عطاء، أو أشدّ قسوة من الحجارة، لأنّ من الحجارة ما تتشقّق منه الأنهر، فيندفع العطاء من باطنه ماءً عذبًا نقيًا، ولكن بعض الذين قست قلوبهم ينعدم فيهم كلّ أثر للفيض والعطاء. وقد وصل أقوام إلى هذا الحال من القسوة وانعدام الرحمة، فقد وصف الله قلوب اليهود فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ20.

إنّ من الحجارة ما يخرج منه العطاء، أمّا قلوب هؤلاء فلا يخرج منها شيء من الرحمة، فهي محافظة على قسوتها واستكبارها. ثم بيَّن الله سبحانه السبب الذي لأجله قست قلوب أهل الكتاب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ21.

إنّ أيّة أمّة يطول عليها الأمد وهي تتقلّب في بحبوحة النعم على فسق وفجور ومعصية ونسيان لربّها، تقسو قلوبها فلا تخشع لذكر الله وما نزل من الحقّ، وبهذا يبتعدون عن مهابط الرحمة فتزداد القلوب قسوة،، فهي لا تلين عند ذكر الله، وتظلّ معرضة عنه، ولا يزيدها التذكير بالله إلا قسوة ونفورًا، فأولئك الويل لهم: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ22.

إنّ أصحاب هذه القلوب القاسية هم أبعد الناس عن الله، والأمر كما قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد القلوب عن الله القلب القاسي"23. وقال حفيده الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "إنّ لله عقوبات في القلوب والأبدان: ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب"24.

إنّ حرارة الإيمان تستطيع أن تُبلسم القلوب فتلينها وترقّقها، إذا غُذّيت بالعمل الصالح والإكثار من الذكر، وإذا أراد من يشعر بقساوة في قلبه أن يعود لفطرته، فما عليه إلا العمل على مراقبة عدل الله، وفضله وسلطانه المهيمن على جميع خلقه. عند ذلك يجد أنّ قلبه بدأ يَرقّ ويخشع.. ومتى وصلت القلوب إلى هذه المرحلة تدفّقت منها الرحمة. أمّا عند غياب هذه المعاني الإيمانية عن القلوب فإنّها تتيه في ظلمات الضلال والغواية والعصيان، فتقسو وتتكبّر، وما أعظمها من عقوبة، والعجب أنّ صاحب هذا القلب لا يشعر بأنّه معاقب. وما أشدّ هذه العقوبة وأعظمها!!

لماذا الضعف والتواني؟
أمّا في الحالة الثالثة فالمرء لا يكون ناسياً لتكليفه ولا يسوّف في أدائه بل هو يحاول الإتيان به لكنّه يؤدّيه بتثاقل وتكاسل. يقول الإمام عليه السلامفي هذا المورد: "وَإِيَّاكَ وَالتَّوَانِيَ فِيمَا لا عُذْرَ لَكَ فِيهِ"، لا تضعف عند أداء التكليف الذي ليس لديك أيّ عذر لتركه! فعندما يبدأ الإنسان العمل بتكاسل وتثاقل يكون الأمل في نجاحه فيه ضعيفاً بل غالباً ما يتركه في منتصف الطريق. فيا أيّها العزيز! إذا كنت تعرف تكليفك، وتملك القدرة على العمل به، وقد اتّخذت القرار لأدائه، فلماذا هذا التكاسل والتثاقل إذن؟

انتهاز الفرص
كلّما قصّرنا وتوانينا ضاعت الفرصة من أيدينا. يقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: "الفرصة تمرّ مرّ السحاب فانتهزوا فُرَص الخير"25، فكما أنّ السحاب يمرّ بسرعة وأنّك لا تراه بعد ساعة إذا نظرت إلى السماء ثانيةً، فإنّ الفرص تضيع من اليد بهذه السرعة أيضاً. وعندما تضيع فرصة فعل خير فإنّها لا تُعوّض بأيّ شيء. فإنّنا نستطيع - في كلّ لحظة، ومن دون أن يلتفت أحد إلى ذلك، ومن غير أن يحصل أدنى تغيير في وضعنا الجسمانيّ - أن نوجّه قلبنا إلى الله تعالى وإلى أوليائه.

فهذا العمل لا يتطلّب منّا أيّ مشقّة، بل هو حُلو وعذب لأنّ فيه ذكر الحبيب، وهو ينطوي على بركات جمّة للإنسان، فهو يدفع عنه البلاء، ويبعد عنه الشيطان، ويكمّل نقائصه، ويوفّقه في أموره. فالله جلّ وعلا يقول في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرً26، وليس بالضرورة أن يكون الذكر باللسان، بل إنّ أصل الذكر هو التفات القلب، إذ يقول عزّ من قائل في آية أخرى: ﴿ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا 27، فهو لا يقول: "أو أكثر ذكراً"، بل يقول: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرً، وشدّة الذكر هي في كيفيّته لا في كمّيته. فكلّما زاد التفات المرء في أثناء الذكر زادت شدّته. وهذا الأمر مقدور لنا جميعاً.

لكن هل إنّنا نُشدّد من ذكرنا لله في أوقات فراغنا يا ترى؟ فبعض الناس إذا فرغوا لبعض الوقت تطرأ على أذهانهم آلاف الأفكار المضطّربة والخاطئة، وسوء الظنّ بالآخرين، والتخطيط لأمور الدنيا، وما إلى ذلك، فإن لم يُفكّروا بأيّ شيء من ذلك، سلّوا أنفسهم بحلّ الكلمات المتقاطعة، أو مشاهدة فيلم، أو شيء من هذا القبيل. لكنّهم، وعلى الرغم من كلّ ما يحمله ذكر الله وأوليائه من البركة، فإنّهم لا يذكرون الله ولو للحظة.

فكم كان علماؤنا العظام يوصون بقراءة القرآن وكم كانوا ملتزمين بقراءته؟ فلنقرأ ولو صفحة واحدة من القرآن الكريم في وقت فراغنا. فلقد كان الإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه) مع كلّ ما يشغله من أعمال ومسؤوليّات حريصاً على قراءة القرآن بضع مرّات في اليوم والليلة. فما بالنا ونحن نملك الفرصة، وأبداننا سليمة معافاة، وأعيننا لا تشكو أيّ مشكلة؟! فإنّ علينا أن نقرأ القرآن ما استطعنا. بيد أنّنا نتقاعس عن ذلك.

هناك مضمون ورد بشكل مستفيض في الروايات ولعلّنا إذا فتّشنا مصادر الشيعة والسنّة وجدناه متواتراً أيضاً، وهو "أنّ الله يغرس في الجنّة شجرة لكلّ من يتلو التسبيحات الأربع"28. إذن نحن نستطيع في كلّ لحظة أن نغرس لنا شجرة في الجنّة، لكنّنا نُفرّط بهذه الفرص بكلّ سهولة. فكلّ ألوان الكلمات تصدر من أفواهنا لكنّنا نتوانى عن تسبيح الله عزّ وجلّ. وهذه الحالة إنّما تدلّ على تسلّط عامل آخر علينا وهو ما يُدعى في الأدب الدينيّ "الشيطان". فلماذا ينبغي للإنسان أن ينخدع إلى هذا الحدّ بموجود قد أخبر الله سبحانه عمّا يضمره من عداوة وبغضاء لابن آدم؟! فالله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّ29.

إذن علينا أن نُشمّر عن سواعدنا ونبدأ بالأمور الصغيرة كي نتمكّن من استغلال أعمارن، ذلك أنّنا سنفتح أعيننا ذات يوم لنرى أنّنا قد فرّطنا بكلّ الفرص. فنحن - ولله الحمد - حريصون جميعاً على أداء الصلاة لكن لماذا كلّما دخل وقت الصلاة بادرنا - كلّ حين - إلى اختلاق أيّ عذر لتأخيرها؟ فساعة بحجّة تناول الطعام، وساعة بذريعة الاستراحة، وساعة بحجّة مشاهدة الأخبار أو فيلم عبر التلفزيون، حتّى يشرف الوقت على نهايته فنُصلّيها في آخره! أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء! صلّوا فريضتكم التي لا تستغرق أكثر من بضع دقائق في أوّل وقتها ولا تسمحوا للشيطان أن يخدعكم.

يقول الإمام الباقر عليه السلام: "إيّاك والتواني فيما لا عذر لك فيه فإليه يلجأ النادمون"، وهناك احتمالان في معنى هذا القول، وإنّ التفسير الأَوّلي في نظري هو أنّ الضمير "إليه" يعود إلى "العذر"، بمعنى: عندما يندم الناس يلجؤون إلى العذر. فعندما يندم المرء بسبب عدم إنجاز أمر مّا أو يوبّخه الآخرون على ذلك فإنّ بإمكانه اللجوء إلى العذر إن كان لديه عذر. لكنّك سليم معافىً وليس من مانع يمنعك من الإتيان بفعل الخير فلماذا التقصير؟! فجعل القلب ملتفتاً إلى الله لا يحتاج إلى جهد بدنيّ، ولا إلى إنفاق مال، ولا إلى شدّ الرحال والسفر، إذن فلماذا نتوانى عن ذلك؟!

فبعد أن يُبيّن الإمام عليه السلام السبيل إلى الفوز بحبّ الله عزّ وجلّ فإنّه يتبعها بالأمور الآنفة الذكر. فهو عليه السلاموكأنّه يُريد أن يقول في العبارة السابقة: إذا أرَدتَّ الظفر بمحبّة الله فعجّل في حركتك وفي القيام بالخيرات! ثمّ يقول بعد ذلك: وإيّاك في مقابل ذلك أن تُبتلى بالتسويف وتأجيل الخير إلى غد أو بعد غد حتّى ينتهي الأمر إلى ترك عمل الخير تماماً أو الابتلاء بالغفلة التي تؤدّي - من الناحية العمليّة - إلى ترك الخير أيضاً، مضافاً إلى ما ينجم عنها من قسوة القلب. لكنّك إن لم تكن من أهل الغفلة وكنت عازماً على الإتيان بفعل الخير، فاحذر من التواني والتكاسل فيه وأسرع في إنجازه30.

جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على المصطفى وآله الأطهار.

* كتاب المهتدون، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص164، باب وصايا الباقر عليه السلام.
2- سورة الأعراف، الآية 179.
3- الإمام الخميني قدس سره، الكلمات القصار مواعظ وحكم، ج1، ص 2.
4- سورة الأعراف، الآية 146.
5- سورة الأعراف، الآية 136.
6- ـسورة يونس الآيتان7-8.
7- سورة الكهف، الآية 46.
8- العلامة المجلسي، بحار الأنوار ج 69، ص90.
9- سورة الذاريات، الآية 56.
10- سورة المؤمنون، الآيتان 115و 116.
11- في ميزان الحكمة ذكرت: عوداً عوداً. قال ابن الأثير: "عودا عودا: الرواية بالفتح، أي مرة بعد مرة. وروى بالضم، وهو واحد العيدان، يعنى ما ينسج به الحصير من طاقاته. وروى بالفتح مع ذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن ( عوذ )، يقال: عذت به أعوذ عوذا وعياذا ومعاذا: أي لجأت إليه. والمعاذ المصدر، والمكان، والزمان: أي لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ".(النهاية في غريب الحديث والأثر: مجد الدين ابن الأثير، جزء3:،ص318).
12- مرباداً: متغيّراً إلى الغبرة، مائلاً إلى الرمادي.
13- مجخيا: مائلاً، وفسّره البعض بالنكوس.
14- المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الكافي، ج12، ص15، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2000م.
15- أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، ج1، ص 96، الطبعة 2: دار الكتب الإسلامية، قم.
16- سورة الحديد، الآية 14.
17- سورة الحديد، الآية 14.
18- سورة الحديد، الآية 16.
19- من محاضرة لسماحة آية الله الشيخ مصباح اليزديّ ألقاها في مكتب الإمام الخامنئي في قم بتاريخ 20 آب، 2011م.
20- سورة البقرة، الآية 74.
21- سورة الحديد، الآية 16.
22- سورة الزمر، الآيتان 22 و 23.
23- الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 3، المجلس.
24- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص 176.
25- نهج البلاغة، الحكمة 21.
26- سورة الأحزاب، الآية 41.
27- سورة البقرة، الآية 200.
28- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "... قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر فليس منها كلمة تقولها إلاّ غرس الله لك بها شجرة في الجنّة"، (مجموعة ورام، ج1، ص68). وعن أبي جعفر عليه السلامقال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَن قال: سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة. ومن قال: الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة. ومن قال: لا إله إلاّ الله، غرس الله له بها شجرة في الجنّة. ومن قال: الله أكبر، غرس الله له بها شجرة في الجنّة"، (وسائل الشيعة، ج7، ص186).
29- سورة فاطر، الآية 6.
30- من محاضرة لسماحة آية الله الشيخ مصباح اليزديّ ألقاها في مكتب الإمام الخامنئي في قم بتاريخ 20 آب، 2011م.

08-04-2016 عدد القراءات 4828



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا