8 آب 2020 م الموافق لـ 18 ذو الحجة1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: بحوث ومعتقدات

الوسيلة إلى الله (1) - (النبي)



ما هي الوسيلة بين اللَّه وخلقه؟
ما هي الوسيلة بين الـخلق والـخالق؟
ما هو موقفنا من الرسل؟

ما هي الوسيلة بين اللَّه وخلقه؟

عندما يولد للإنسان طفل يكون الوالدان شديدي السرور به، يغذوانه الحنان والحب واللبن، ويرعيانه حتى يشتد ويقوى وكلما نما أكثر ونبت له سن زادا فرحاً وسروراً، فإذا همَّ بأن ينطق يبدأن بمناغاته وتعليمه الكلام، وأول ما يعلمانه النطق به هو "مام" و"باب"، وكم يكون سرورهما كبيراً عندما ينطق بهذه الكلمات للمرة الأولى، ثم يكملان رعايته ويؤهلانه لتحمل أعباء الحياة فيعلمانه ويربيانه ويؤدبانه باللياقات المطلوبة ليعرف طريقه في الحياة، ويحسن التصرف ويصل إلى أفضل المراتب وأكمل وأحسن النتائج، لضمان عدم ضياعه في خضم الحياة.

والذي رعى مخلوقات من بني البشر بهذه الرعاية هو اللَّه عزّ وجلّ، جعل للأبدان آباء لحفظ الإنسان في بدنه ولرعايته في نشأته المادية، وهو الذي خلق الناس ليعرفوه، وهو أولى بأن يجعل للإنسان من يدله على خالقه، ويرعاه في روحه ودينه كما هيأ له من يرعاه في دنياه، واللَّه يحب أن يُعرف الناس عليه ويكلمهم كما تكلم الأم طفلها وتناغيه، فلا بد من وجود واسطة عبرها يكلمهم كما أن الأم تبث عاطفتها لابنها بواسطة لسانها، كذلك فإن اللَّه يكلم الناس عبر لسان صدق، هم الرسل، الذين بهم يوصل اللَّه كلامه إلى الخلق ويكلمهم ويناجيهم كما تناجي الأم طفلها، ولأنهم بشر لا بد أن يكون هؤلاء منهم لئلا يستوحشوا، ولأنهم لا طريق لهم إليه إلا بما ألفوه وقدروا عليه أرسل رسلاً منهم يتلون عليهم آياته...

عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله الزنديق من أثبت الأنبياء والرسل؟ قال عليه السلام: "إنا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً، لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم"1.

فالرسول سفير اللَّه إلى خلقه، يعلمهم، ويؤدبهم، ويربيهم، ويعرفهم على خالقهم يكون بينهم حجة من اللَّه عليهم يحفظهم من الضلال، ولذا فلا بد أن يكون أميناً ليوصل الرسالة بلا خطأ، ومعه ما يدل على صدقه. بمعنى أن يكون معصوماً ومؤيداً من اللَّه بالمعجزات.

ما هي الوسيلة بين الخلق والخالق؟
يقول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيراً وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا2.
لما كان اللَّه بفضله ورحمته ومن موقع ربوبيته يريد أن يصل الإنسان إليه ويعرفه ولذلك فقد أرسل رسله وختمهم بسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون "داعياً إلى اللَّه بإذنه" فهناك دار كرامة وتعظيم بناها اللَّه لعباده وبسط فيها مأدبة عظمى والمراد تكريمهم هم البشر، لذا فإنه يرسل إلى المدعوين بطاقات الدعوة إلى هذه المأدبة وإلى دار الكرامة تلك، مع مرسل منه، ومع بطاقة الدعوة، يبعث إليهم مع رسوله هذا بخارطة الوصول إلى هذه الدار، ويعطي رسوله هذا إذنه بتحديثهم عن الدار وما فيها ليشوقهم لها، ويوجد فيهم الداعي للسعي إليها ويصف لهم عذابات الحرمان من الوصول والتلكؤ عن السعي، ويصف لهم كل ذلك وصف من شاهد وعاين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ

وكذلك فإن هذا الرسول هو قدوة هذه المسيرة إلى اللَّه، يبين آداب التشرف بهذا الشرف وهذه الكرامة، وهو نموذج أكمل لمن يستحقون ذلك، ليراقب الناس في عملية تهيئة أنفسهم، ليكونوا أهلاً للوفود إلى تلك الدار.

والرسول هو قائد تلك المسيرة، ودليل الخلق إلى الخالق ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيراً، فهو الذي ينير الطريق، وهو المثال والقدوة، يكون أمامهم ليقودهم إلى أرفع المنازل وأرقى المراتب.
هذا الرسول هو محمد صلى الله عيه وآله وسلم، بعثه اللَّه ليعلم الناس ويؤدبهم، ويبين لهم العقائد، والشرائع، والقوانين، ويقودهم إلى السعادة الحقة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ3.

ما هو الموقف من الرسل؟

اللَّه هو صاحب كل النعم في هذا الوجود المسخر لخدمتنا، وأول عرفان بهذه النعمة أن نقابلها بالاستجابة وعدم الاعراض عنها.
فلو جاءنا من عنده رسول علينا أن نقبله ونتبعه ونكرمه ونحبه، لأنه من عند اللَّه، فالواجب الأول مع الرسل لا سيما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أن نعتقد بنبوته ورسوليته، ونصدق ما جاء به ونلتزم بالأحكام التي أبلغنا إياها وجاهد لإيصالها إلينا، وذلك لأنه باتباع الرسول نستجيب للرسول ونستجيب للذي أرسله، وبذلك تكون حياتنا حياة حقيقية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ4.

ومن لا يستجيب فلا يكرم الرسول، ولا يؤمن به، ولا يتبع أحكامه ولا يقتدى بسنته، هو أكثر من ميت، بل هو أعمى وأصم وفي عذاب. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى5.

فمن أعطي البصر في الدنيا ولم يستفد منه بالسير على الطريق الصحيح يكون كمن لم يعط البصر، ولذا فإن اللَّه أعطانا ما به نبصر الحق من الباطل، ونعرف به الصحيح من الفاسد، وأرسل لنا من يدلنا على ذلك، فإن أعرضنا عن الرسول وعن القرآن نكون كمن هو أعمى، ولذا فستكون العاقبة في الآخرة هي العمى، أعاذنا اللَّه وإياكم من ذلك.

الخاتمة

فيا أيها العزيز فكر وتأمل، هل استجبت لدعوة اللَّه؟ هل آمنت برسل اللَّه؟ هل اتبعت الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أم أعرضت عن ذكر اللَّه؟ أنت الذي عليه الجواب فإن لم تكن قد استجبت حتى الآن، فأمامك فرصة اغتنمها واقبل على مأدبة اللَّه، ولا تعرض عن ذكره، واعرف حقه عليك وحق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الخلاصة

1- يحب اللَّه أن نتعرف عليه ونكلمه ونناجيه ونسير في طريقه.
2- الأنبياء والرسل هم أفضل من يخبرنا عن اللَّه تعالى.
3- من صفاة الرسول أن يكون القائد والمثال والقدوة والهادي للطريق الصحيح.

*بداية الطريق, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- علل الشرائع، ج1، ص120.
2- الأحزاب: 45-46.
3- الجمعة: 2.
4- الأنفال: 24.
5- طه: 124-125.

04-04-2016 عدد القراءات 3001



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا