20 كانون الثاني 2020 م الموافق لـ 24 جمادى الأولى 1441 هـ
En FR

الفكر الأصيل :: فكر الشهيد الصدر

حقائق المجتمع



الحقيقة الأولى: الاطّراد
بمعنى أن السنّة التاريخيّة مطّردةٌ، ليست علاقةً عشوائيّةً، وليست رابطةً قائمةً على أساس الصدفة والاتفاق، وإنّما هي علاقةٌ ذات طابعٍ موضوعيّ، لا تتخلّف في الحالات الاعتياديّة التي تجري فيها الطبيعة والكون عن السنن العامّة، وكان التأكيد على طابع الاطّراد في السنّة تأكيداً على الطابع العلميّ للقانون التاريخيّ، لأنّ القانون العلميّ أهمّ مميّز يميّزه عن بقية المعادلات والفروض هو الاطّراد والتتابع وعدم التخلّف.

ومن هنا استهدف القرآن الكريم، من خلال التأكيد على طابع الاطّراد في السنّة التاريخيّة، استهدف أن يؤكّد على الطابع العلميّ لهذه السنّة، وأن يخلق في الإنسان المسلم شعوراً واعياً على جريان أحداث التاريخ، متبصّراً لا عشوائيّاً ولا مستسلماً ولا ساذجاً،
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً1، ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً2، ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ3

هذه النصوص القرآنية تؤكّد طابعَ الاستمراريّة والاطّراد، أي طابع الموضوعيّة والعلميّة للسنّة التاريخيّة، وتستنكر أن يكون هناك تفكيرٌ أو طمعٌ لدى جماعةٍ من الجماعات، بأن تكون مستثناة من سنّة التاريخ
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ4. هذه الآية تستنكر على من يطمع في أن يكون حالةً استثنائيّةً من سنّة التاريخ.

إذاً الروح العامّة للقرآن تؤكّد على هذه الحقيقة الأولى، وهي حقيقة الاطّراد في السنّة التاريخيّة، الذي يعطيها الطابع العلميّ، من أجل تربية الإنسان على ذهنيّةٍ واعيةٍ علميّةٍ، يتصرّف في إطارها، ومن خلالها، مع أحداث التاريخ.

 الحقيقة الثانية: ربانيّة السنّة التاريخيّة
إنّ السنّة التاريخيّة. ربانيّةٌ مرتبطةٌ بالله سبحانه وتعالى، سنّة الله، كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أنّ كلّ قانونٍ من قوانين التاريخ، هو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرارٌ ربانيٌّ. هذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانيّة السنّة التاريخيّة وعلى طابعها الغيبيّ، يستهدف شدّ الإنسان ـ حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعيّة للكون ـ بالله سبحانه وتعالى، وإشعار الإنسان بأنّ الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونيّة، والاستفادة من مختلف القوانين والسنن، التي تتحكّم في هذه الساحات، ليس ذلك انعزالاً عن الله سبحانه وتعالى، لأنّ الله يمارس قدرته من خلال هذه السنن، ولأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله، وهي ممثلةٌ لحكمة الله وتدبيره في الكون.

الطابع الغيبيّ للسنن والاتجاه الإلهيّ في تفسير التاريخ

وقد يتوهّم البعض، أنّ هذا الطابع الغيبيّ الذي يُلبسه القرآن الكريم للتاريخ وللسنن التاريخيّة، يُبعد القرآن عن التفسير العلميّ الموضوعيّ للتاريخ، ويجعله يتّجه اتجاه التفسير الإلهيّ للتاريخ، الذي مثّلته مدرسةٌ من مدارس الفكر اللاهوتيّ، على يد عددٍ كبيرٍ من المفكّرين المسيحيّين اللاهوتيّين، حيث فسّروا تفسيراً إلهيّاً قد يخلط هذا الاتجاه القرآنيّ بذلك التفسير الإلهيّ، الذي اتجه إليه أغسطين وغيره من المفكّرين اللاهوتيّين، فيقال بأنّ إسباغ هذا الطابع الغيبيّ على السنّة التاريخيّة يحوّل المسألة إلى مسألةٍ غيبيّةٍ وعقائديّةٍ، ويخرج التاريخ عن إطاره العلميّ الموضوعيّ.
لكن الحقيقة أنّ هناك فرقاً أساسيّاً بين الاتجاه القرآنيّ، وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبيّ على السنّة التاريخيّة، وبين ما يسمّى بالتفسير الإلهيّ للتاريخ الذي تبنّاه اللاهوت. هناك فرقٌ كبيرٌ بين هذين الاتجاهين وهاتين النزعتين.

 الفرق بين الاتجاهين
وحاصل هذا الفرق هو أنّ الاتجاه اللاهوتيّ للتفسير الإلهيّ للتاريخ يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى، قاطعاً صلتها وروابطها مع بقيّة الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلاً عن صلة الحادثة مع بقيّة الحوادث، بديلاً عن العلاقات والارتباطات التي تزخر بها الساحة التاريخيّة، والتي تمثّل السنن والقوانين الموضوعيّة لهذه الساحة، بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبيّ على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخيّة من سياقها ليربطها مباشرةً بالسماء، لا يطرح صلة الحادثة بالسماء كبديلٍ عن أوجه الإنطباق والعلاقات والأسباب والمسبّبات على هذه الساحة التاريخيّة، بل إنّه يربط السنّة التاريخيّة بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرّر أوّلاً ويؤمن بوجود روابط وعلاقاتٍ بين الحوادث التاريخيّة ثانياً، إلّا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التاريخيّة، هي في الحقيقة تعبيرٌ عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره وبنائه التكوينيّ للساحة التاريخيّة.

 مثال لتوضيح الفرق بين الاتجاهين
قد يأتي إنسانٌ فيفسّر ظاهرة المطر التي هي ظاهرةٌ طبيعيّةٌ، فيقول بأنّ المطر نزل بإرادة من الله سبحانه وتعالى، ويجعل هذه الإرادة بديلاً عن الأسباب الطبيعيّة، التي نجم عنها نزول المطر، فكأنّ المطر حادثةٌ لا علاقة لها ولا نِسَب لها، وإنّما حادثةٌ مفردةٌ ترتبط مباشرةً بالله سبحانه وتعالى بمعزل عن تيّار الحوادث. هذا النوع من الكلام يتعارض مع التفسير العلميّ لظاهرة المطر. لكن إذا جاء شخصٌ وقال بأنّ الظاهرة، ظاهرة المطر، لها أسبابها وعلاقاتها وإنّها مرتبطةٌ بالدورة الطبيعيّة للماء مثلاً، الماء يتبخّر فيتحوّل إلى غاز، والغاز يتصاعد سحاباً والسحاب يتحوّل بالتدريج إلى سائلٍ نتيجة انخفاض الحرارة فينزل المطر، إلّا أنّ هذا التسلسل السببيّ المتقن، هذه العلاقات المتشابكة، بين هذه الظواهر الطبيعيّة، هي تعبيرٌ عن حكمة الله وتدبيره وحسن رعايته، فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلميّ، والتفسير الموضوعيّ لظاهرة المطر، لأنّنا ربطنا هنا السنّة بالله سبحانه وتعالى لا الحادثة، مع عزلها عن بقيّة الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثّراتها وأسبابها.

إذاً، القرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الربانيّ على السنّة التاريخيّة، لا يريد أن يتّجه اتجاه التفسير الإلهيّ في التاريخ، ولكنّه يريد أن يؤكّد أنّ هذه السنن ليست هي خارجةً، ومن وراء قدرة الله سبحانه وتعالى، وإنّما هي تعبيرٌ وتجسيدٌ وتحقيقٌ لقدرة الله، فهي كلماته وهي سُننه وإرادته وحكمته في الكون، لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى الله، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان، فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السنن نظرةً علميّةً، ينظر أيضاً إليها نظرةً إيمانيّةً.

 الحرص على الطابع الموضوعيّ للسنن
وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعيّ للسنن التاريخيّة، وعدم جعلها مرتبطة بالصدف، إلى حدٍّ جعل نفس العمليّات الغيبيّة مناطة في كثيرٍ من الحالات بالسنّة التاريخيّة نفسها أيضاً، عمليّة الإمداد الإلهيّ بالنصر، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسنّة التاريخيّة، مرتبطاً بظروفها، غير منفكٍّ عنها. وهذه الروح أبعد ما تكون عن أن تكون روحاً تفسر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم، وحتى ذاك الإمداد الإلهيّ الذي يساهم بالنصر، ذاك الإمداد أيضاً ربط بالسنّة التاريخيّة.

سنّة الإمداد الإلهيّ الغيبي:
لقد ربطت هذا الإمداد الإلهيّ الغيبيّ بتلك السنّة نفسها أيضاً،
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم5 .

هناك إمدادٌ إلهيٌّ غيبيٌّ، ولكنّه شُرِط بسنّة التاريخ، شُرِط بقوله:
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا، أجملت الآية هنا شروط التاريخ التي فصّلت في الآيات الأخرى، إذاً هذا الإمداد الغيبيّ أيضاً مرتبطٌ بسنّة التاريخ.

إذاً فمن الواضح أنّ الطابع الربانيّ الذي يسوقه القرآن الكريم، ليس بديلاً عن التفسير الموضوعيّ، وإنّما هو ربطٌ لهذا التفسير الموضوعيّ بالله سبحانه وتعالى، من أجل إكمال اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.

 الحقيقة الثالثة: اختيار الإنسان
الحقيقة الثالثة التي أكّد عليها القرآن الكريم، من خلال النصوص المتقدّمة، هي حقيقة اختيار الإنسان وإرادته. والتأكيد على هذه الحقيقة في مجال استعراض سنن التاريخ مهمٌّ جدّاً، لأنّ البحث في سنن التاريخ خَلَقَ وهماً عند كثيرٍ من المفكّرين، (وهو) أنّ هناك تعارضاً وتناقضاً بين حريّة الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ، فإمّا أن نقول بأنّ للتاريخ سننه وقوانينه، وبهذا نتنازل عن إرادة الإنسان واختياره وعن حريّته، وإمّا أن نسلّم بأن الإنسان كائنٌ حرٌّ مريدٌ مختارٌ، وبهذا يجب أن نلغي سنن التاريخ وقوانينه، ونقول بأنّ هذه الساحة قد أُعفيت من القوانين التي لم تعفَ منها بقيّة الساحات الكونيّة.


هذا الوهم كان من الضروريّ للقرآن الكريم أن يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات، ومن هنا أكّد على أنّ المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنّما هو إرادة الإنسان. يكفي الآن 6 أن نستمع إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ7،﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً8، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً9. انظروا كيف أنّ السنن التاريخيّة لا تجري من فوق رأس الإنسان، بل تجري من تحت يده، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً
إذ، هناك مواقف إيجابيّة للإنسان تمثّل حريّته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخيّة، تستتبع جزاءاتها المناسبة، تستتبع معلولاتها المناسبة.
إذ، فاختيار الإنسان له موضعه الرئيسيّ في الساحة التاريخيّة، والتي لها طابع إنسانيٌّ، لأنّها لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابيّ، ولا تعطّل فيه إرادته وحريّته واختياره، وإنّما تؤكّد أكثر فأكثر مسؤوليّته على الساحة التاريخيّة.

ما هو ميدان هذه السنن التاريخيّة؟
كنّا حتى الآن نعبّر ونقول: بأنّ هذه السنن تجري على الساحة التاريخيّة. لكن، هل أنّ الساحة التاريخيّة بامتدادها هي ميدان للسنن التاريخيّة؟ أو أنّ ميدان السنن التاريخيّة يمثّل جزءاً من الساحة التاريخيّة، بمعنى أنّ الميدان الذي يخضع للسنن التاريخيّة، بوصفها قوانين ذات طابعٍ نوعيٍّ مختلفٍ عن القوانين الأخرى، الفيزيائيّة والفسلجيّة والبيولوجيّة والفلكيّة، هذا الميدان الذي يخضع لقوانين ذات طابعٍ نوعيٍّ مختلفٍ، هذا الميدان هل تتّسع له الساحة التاريخيّة؟ هل يستوعب كلّ الساحة التاريخيّة، أو يعبّر عن جزءٍ من الساحة التاريخيّة؟

ماذا نقصد بالساحة التاريخيّة؟
الساحة التاريخيّة عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا، التي يهتمّ بها المؤرّخون. المؤرّخون أصحاب التواريخ يهتمّون بمجموعةٍ من الحوادث والقضايا، يسجّلونها في كتبهم. والساحة التي تزخر بتلك الحوادث التي يهتمّ بها المؤرّخون ويسجّلونه، هي الساحة التاريخيّة.

فالسؤال هل أنّ كلّ هذه الحوادث والقضايا ـ التي يربطها المؤرّخون، وتدخل في نطاق مهمّتهم التاريخيّة والتسجيليّة ـ هل كلّها محكومةٌ بالسنن التاريخيّة، بسنن التاريخ ذات الطابع النوعيّ المتميّز عن سنن بقيّة حدود الكون والطبيعة؟ أو أنّ جزءاً معيّناً من هذه الحوادث والقضايا هو الذي تحكمه سنن التاريخ؟ هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائيّة أو الفسلجيّة أو قوانين الحياة، أو أيّ قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونيّة الأخرى، مثلاً: موت أبي طالب سلام الله عليه، موت خديجة سلام الله عليها في سنةٍ معيّنة، حادثةٌ تاريخيّة مهمّة تدخل في نطاق ضبط المؤرّخين، وأكثر من هذا هي حادثةٌ ذات بُعدٍ في التاريخ، ترتّبت عليها آثارٌ كثيرةٌ في التاريخ، ولكنّها لا تحكمها سنّةٌ تاريخية، تحكمها قوانين فسلجيّة، تحكمها قوانين الحياة التي فرضت أن يموت أبو طالب سلام الله عليه, وأن تموت خديجة سلام الله عليها في ذلك الوقت المحدّد. هذه الحادثة تدخل في نطاق صلاحيّات المؤرّخين، ولكن الذي يتحكّم في هذه الحادثة، هو قوانين فسلجةِ جسمِ أبي طالب وجسم خديجة، قوانين الحياة التي تفرض المرض والشيخوخة ضمن شروطٍ معيّنة وظروفٍ معيّنة.

حياة عثمان بن عفّان، طول عمر الخليفة الثالث، حادثةٌ تاريخيّةٌ، الخليفةُ الثالث ناهز الثمانين. طبعاً هذه الحادثة التاريخيّة كان لها أثرٌ عظيمٌ في تاريخ الإسلام، لو قُدّر لهذا الخليفة أن يموت موتاً طبيعيّاً وفقاً لقوانينه الفسلجيّة قبل يوم الثورة، كان من الممكن أن يتغيّر كثيرٌ من معالم التاريخ، كان من المحتمل أن يأتي الإمام أمير المؤمنين إلى الخلافة بدون تناقضاتٍ، وبدون ضجيجٍ، وبدون خلافٍ، لكن قوانين فسلجة جسم عثمان بن عفان اقتضت أن يمتدّ به العمر إلى أن يُقتَل من قِبَل الثائرين عليه من المسلمين. هذه حادثةٌ تاريخية، أعني أنّها تدخل في اهتمامات المؤرّخين، ولها بُعدٌ تاريخيٌّ أيضاً، لعبت دوراً سلباً أو إيجاباً في تكييف الأحداث التاريخيّة الأخرى، ولكنّها لا تتحكّم فيها سنن التاريخ، إنّ الذي يتحكّم في ذلك قوانين بُنية جسم عثمان بن عفان، قوانين الحياة وقوانين جسم الإنسان التي أعطت لعثمان بن عفّان عمراً طبيعياً ناهز الثمانين.

مواقف عثمان بن عفّان ، تصرّفاته الاجتماعيّة، تدخل في نطاق سنن التاريخ، فهي مسألةٌ حياتيّةٌ أو مسألةٌ فسلجيةٌ أو مسألةٌ فيزيائية، وليست مسألةً تتحكّم فيها سنن التاريخ.
إذ، سنن التاريخ لا تتحكّم بكلّ الساحة التاريخيّة، لا تتحكّم بكلّ القضايا التي يدرجها الطبريّ في تاريخه، بل تتحكّم بميدان معيّن من هذه الساحات.

 الخلاصة
هناك ثلاث حقائق أكّد عليها القرآن الكريم بالنسبة إلى سنن التاريخ:
1 ـ الاطّراد: بمعنى أنّ السنّة التاريخيّة ليست رابطةً قائمةً على أساس الصدفة والاتفاق، وإنّما هي علاقةٌ ذات طابعٍ موضوعيّ، لا تتخلّف في الحالات الاعتياديّة التي تجري فيها الطبيعة والكون على السنن العامّة.

من هنا استهدف القرآن الكريم من التأكيد على الطابع العلميّ لهذه السنّة، أن يخلق في الإنسان المسلم شعوراً واعياً على جريان أحداث التاريخ، متبصّراً لا مستسلماً ولا ساذجاً.

2 ـ ربّانية السنّة التاريخيّة:
بمعنى أنّ كلّ قانونٍ من قوانين التاريخ، هو قرارٌ ربانيٌّ. وهذا التأكيد من القرآن الكريم على ربانيّة السنّة وعلى طابعها الغيبيّ، يستهدف شدّ الإنسان - حتى حينما يريد أن يستفيد من القوانين الموضوعيّة للكون - إلى الله سبحانه، وإشعار الإنسان بأنّ الاستعانة بالنظام الكامل لمختلف الساحات الكونيّة، ليس ذلك انعزالاً عن الله سبحانه وتعالى، لأنّ هذه السنن والقوانين هي إرادة الله، وهي ممثلةٌ لحكمة الله وتدبيره في الكون.

وهناك فرقٌ كبيرٌ بين الاتجاه القرآنيّ في إسباغ الطابع الغيبيّ على السنّة التاريخيّة، وبين التفسير الإلهيّ للتاريخ الذي تبنّاه اللاهوت: فالأخير يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى، قاطعاً صلتها وروابطها مع بقيّة الحوادث، بينما القرآن الكريم يقرّر أوّلاً ويؤمن بوجود روابط وعلاقاتٍ بين الحوادث التاريخيّة ثانياً، التي هي في الحقيقة تعبيرٌ عن حكمة الله سبحانه وتعالى، وحسن تقديره، ثمّ يربط السنّة التاريخيّة بالله سبحانه.

وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعيّ للسنن التاريخيّة، وعدم جعلها مرتبطة بالصدف، أنّ نفس العمليّات الغيبيّة أناطها في كثيرٍ من الحالات بالسنّة التاريخيّة نفسها أيضاً، كعمليّة الإمداد الإلهيّ بالنصر، جعلها القرآن الكريم مشروطةً بالسنّة التاريخيّة، ومرتبطةً بظروفها:
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ... ، فهذا إمدادٌ إلهيٌّ غيبيٌّ، ولكنّه شُرِط بسنّة التاريخ.

فهذا ربطٌ لهذا التفسير الموضوعيّ بالله سبحانه وتعالى، من أجل إكمال اتجاه الإسلام نحو التوحيد بين العلم والإيمان في تربية الإنسان المسلم.

3 ـ اختيار الإنسان وإرادته:
فقد توهّم كثيرٌ من المفكّرين أنّ هناك تناقضاً بين حريّة الإنسان واختياره وبين سنن التاريخ، لذلك أكّد القرآن على أنّ المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنّما هو إرادة الإنسان،
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم. السنن التاريخيّة لا تجري من فوق رأس الإنسان، بل تجري من تحت يده. وهناك مواقف إيجابيّة للإنسان تمثّل حريّته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخيّة جزاءاتها المناسبة، وهذا تأكيد أكثر على مسؤوليّة الإنسان في الساحة التاريخيّة.

نستخلص ممّا سبق أنّ السنن التاريخيّة، أنّ السنن القرآنيّة في التاريخ، ذات طابعٍ علميٍّ، لأنّها تتميّز بالاطّراد الذي يميّز القانون العلميّ، وذات طابع ربّاني لأنّها تمثل حكمة الله وحُسن تدبيره.

الساحة التاريخيّة عبارة عن الساحة التي تحوي تلك الحوادث والقضايا، التي يهتمّ بها المؤرّخون، لكن هناك حوادث لا تنطبق عليها سنن التاريخ بل تنطبق عليها القوانين الفيزيائيّة أو الفسلجيّة أو قوانين الحياة، أو أيّ قوانين أخرى لمختلف الساحات الكونيّة الأخرى، وقد تدخل ضمن نطاق اهتمام المؤرّخين لأنّها حادثةٌ ذات بُعدٍ في التاريخ، وترتّبت عليها آثارٌ كثيرةٌ في التاريخ، ولكنّها مع ذلك لا تحكمها سنّةٌ تاريخية. إذ، سنن التاريخ لا تتحكّم بكلّ الساحة التاريخيّة، لا تتحكّم بكلّ القضايا التي يدرجها الطبريّ في تاريخه، بل بميدان معيّن من هذه الساحات.

*حقائق المجتمع, سلسلة دروس في فكر الشهيد الصدر , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الأحزاب: من الآية :62.
 2- الإسراء: من الآية : 77.
3-  الأنعام: من الآية : 34.
 4-البقرة:214.
5-  آل عمران:124 و 125 و 126.
 6- وسوف يأتي منه { في محاضرتين، يعرض فيهما الصيغ التي يمكن أن تُبرز بها السنن التاريخيّة دفعٌ لهذا الوهم أيضاً.
7- الرعد: من الآية : 11.
 8- الجـنّ :16.
 9- الكهف :59.

04-04-2016 عدد القراءات 1926



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا