5 آب 2020 م الموافق لـ 15 ذو الحجة1441 هـ
En FR

معارف الناشئة :: مفاهيم عامة

الجهاد وآثاره



أهميـّة الجهاد

لا شكّ ولا ريب أنّ التعريف الأوضح للجهاد، مُفصّل في خطبة الجهاد المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: "إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائهِ وهو درع الله الحصينة وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذّل وشمله البلاء" .

لا شكّ أنّ الجهاد يستلزم الكثير من العناء والتعب على المستوى الدنيويّ وفي المدى القريب، فهو قد يتسبّب بخسارة الأموال وتهديم الدور وبفقد الأحبّة ... لذلك قد يتصوّر بعض الناس أنّ القتال لا يتسبّب إلّا بالضرر والخراب، ولذلك يتعاملون معه من منطلق الكراهيّة، هذه النظرة للجهاد هي في الواقع نظرة ساذجة وسطحيّة، ولكن في العلم الإلهيّ تختلف الأمور، يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . فما هو وجه الخير في الجهاد؟

آثار الجهاد

أوّلاً: على مستوى الآخرة: هو باب مفتوح لخاصّة الأولياء، كما عبّر عنه قول أمير المؤمنين عليه السلام ‏، ففي الحياة الدنيا يعاني الإنسان الكثير في مواجهة زينتها وزخارفها، ويقاوم هوى النفس ووساوس الشيطان، يواجه كلّ ذلك ليفتح ثغرة في حائط الظلمات

حوله، لعلّه ينفذ منها نور الرّحمة الإلهيّة، فالجهاد بابٌ مفتوحٌ يستطيع الإنسان أن يدخله لا ليصبح مجرّد إنسان عاديّ شملته الرحمة الإلهيّة بمستوىً معيّن، بل ليكون أحد أولياء الله، بل خاصّة أوليائه!، وأيّ فائدة أهمّ وأسمى من هذه الفائدة؟!.

ثانياً: على مستوى الدنيا: النظرة القاصرة هي الّتي تعطي انطباعاً عن الجهاد كونه سبباً للمشاكل الاقتصاديّة وانعدام الأمن... ولكن بالمدى البعيد، فإنّه يعطي نتائج إيجابيّة تتمثّل في تحقيق الأمن وحماية الاقتصاد، ولولاه لكان الإنسان دائماً تحت رحمة الأعداء يستجدي عاطفتهم لعلّهم يرحمون ضعفه، ويحقّقون مصالحه!

يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ حيث إنّ الله جعل حصول الفلاح متوقّفاً على الجهاد.

من هنا، نفهم الروايات الّتي تتحدّث عن فضل المجاهد وتميّزه عن غيره في كلّ شي‏ء.

فضل المجاهد

يقول تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمً . وقد ظهرت ميزة المجاهد على غيره في عدّة أمور منها:

1- خير النـّاس: عن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "خيرُ النّاس رجلٌ حبسَ نفسَه في سبيل اللهِ يجاهدُ أعداءَه يلتمسُ الموتَ أو القتلَ في مصافِّه" .

2- صلاته أفضل: ورد في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "صلاةُ الرّجلِ متقلِّداً بسيفِهِ تَفْضُلُ على صلاتهِ غيرَ مُتَقَلِّدٍ بسبعمائةِ ضعفٍ" .

3- دعاؤه مستجاب: ومن الكرامة الإلهيّة الّتي أسبغها الله تعالى على المجاهدين أن جعل دعوتهم مستجابة؛ فعن الإمام الصادق عليه السلام: "ثلاثةٌ دعوتُهم مستجابةٌ: (أحدهم) الغازي في سبيلِ الله فانظروا كيف تخلفونه" .

صفات المجاهد

من الطبيعيّ، أن لا يثبت مجرّد الكلام والدعاوى كون الإنسان مجاهداً؛ لأنّ الجهاد يكون بالعمل لا بالكلام، ولكي يكون الإنسان مجاهداً حقيقيّاً لا بدّ من توفّر صفات أساسيّة فيه، أوّلها الإخلاص في العمل، والإخلاص هو أساس ومعيار قبول كلّ الأعمال العباديّة عند الله عزّ وجلّ. وهناك أمور أساسيّة أخرى، لا بدّ من توفّرها في المجاهد، وسنستعرض بعضاً منها:

1- الشجاعة:
الشجاعة هي قوّة القلب عند احتدام المعركة، وقدرة النفس على الصبر عند اقتراب المجاهد من مواطن القتل والشهادة. عن الإمام الحسن‏ عليه السلام وقد سُئِل عن الشجاعة فقال: "موافقةُ الأقرانِ والصبرُ عند الطعان" .

وهي من الصفات الّتي يحبّها الله تعالى في عباده، ففي الحديث عن الرسول الأكرم لى الله عليه وآله وسلم: "... ويحبَّ الشجاعةَ ولَوْ على قتلِ حيَّةٍ" .

وأصل الشجاعة قوّة القلب والصبر، فمن لا صبر له لا يكون شجاعاً؛ ففي الحديث الشريف عن الإمام عليّ عليه السلام: "الشجاعةُ صبرُ ساعةٍ" .

2- الإيثار:
جعل الله تعالى الإيثار صفة من صفات الأبرار الّتي ذكرها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حيث قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

والإيثار صفة نفسيّة تدلّ على عُمق الأخلاق وترسُّخها في قلب الإنسان، لأنّها نكران للذات وذوبان للأنانيّة. يروى عن الإمام عليّ عليه السلام: الإيثارُ أعلى المكارمِ. وعنه عليه السلام: "الإيثارُ سجيّةُ الأبرارِ وشيمةُ الأخيار ِ" .

ولذا نرى الإيثار صفة في أعظم الرجال في التاريخ كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وقد تجلّى الإيثار بأسمى معانيه في أبي الفضل العبّاس عليه السلام حيث يقول الإمام السجّاد عليه السلام: "رحِمَ اللهُ العبّاسَ، فلقدْ آثرَ وأبلى، وفدى أخاهُ بنفسهِ، حتّى قُطِعَت يداه، فأبدَلْهُ اللهُ بجناحينِ، يطيرُ بِهِما مع الملائكةِ في الجنّة، كما جعل لجعفرِ بنِ أبي طالب، وإنّ للعبّاسِ عند الله تباركَ وتعالى منزلةً يغبُطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة" .

3- كتمان السرّ:
أكّدت الروايات الكثيرة على أهميّة الكتمان وأنّ الكلام في غير موضعه سبب للفشل، ففي الحديث عن أمير المؤمنين ‏ عليه السلام: "أنجحُ الأمورِ ما أحاط بهِ الكتمانُ" .

وعنه عليه السلام: "الظفرُ بالحزمِ، والحزمُ بإجالةِ الرأيِ، والرأي بتحصينِ الأسرارِ" .

هذا الكتمان يجب أن يُحافظ عليه المؤمن على الدوام، ولا يتكلّم إلّا عند وجود ثمار عمليّة وفائدة للكلام، لا يزيد عن ذلك كلمة حتّى للأصدقاء والمقرّبين، ففي الحديث

عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا تُطْلِعَ صديقَك من سرِّك إلَّا على ما لو اطلع عليهِ عدوُّك لم يضرَّك، فإنّ الصديق قد يكون عدوَّك يوماً ما" .


* ملخص عن كتاب معارف الأسلام / إعداد مركز نون للترجمة والتأليف .

14-03-2016 عدد القراءات 1779



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا