5 نيسان 2020 م الموافق لـ 11 شعبان 1441 هـ
En FR

 

تساؤلات وردود :: حول المعاد

الموت إبطال للشخصية



كلّ مَن يتصوّر أنّ الإنسان مجموعة من خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود لا بُدّ له أن يقول: إنّ الموت إبطال للشخصية، فإذا مات الإنسان وصار تراباً بطلت شخصيته، فكيف يمكن أن يكون المعاد هو رجوع نفس الإنسان الأوّل؟

ولو أُعيد الإنسان بعد صيرورته تراباً وصار ذا مجموعة من الخلايا والعروق والأعصاب والعظام والجلود، فليس هو نفس الشخص الأوّل، لأن الأوّل قد انعدم بموته فإعادته ثانيةً إنّما هو بنفخ حياة جديدة يكون بها غير الإنسان الأوّل. بل مماثلاً له، وبعبارة أُخرى: إنّ الإعادة إيجاد بعد إيجاد، وتعدّد الفعل يدلّ على تعدّد المفعول.

وإن شئت قلت: تعدّد الإيجاد يدلّ على تعدّد الموجود، فإذن الشخصية الثانية غير الشخصية الأُولى وإن كانت المواد فيها واحدة.

وعلى هذا فخلق العروق والأعصاب والأرجل والأيدي وغيرها من الأعضاء من نفس المادة الترابية والمائية خلق جديد وإيجاد طارئ، فلو أُصيب أو أوقب يكونان في غير محلّهما، لأنّ الشخصية الأُولى انعدمت وحدثت شخصية أُخرى.

وبعبارة مختصرة: الصلة بين الشخصيتين مفقودة، فكيف يمكن أن يقال: إنّ عقاب الشخص الثاني نفس عقاب الشخص الأوّل، فإنّ وحدة المواد لا تضفي على الوجودين وحدة حقيقية؟

ولعلّ هذه الشبهة هي المعروفة بأنّ المعدوم لا يعاد فيمتنع حشر الموتى والظاهر من بعض الآيات أنّ المُعاد ـ بالضمّ ـ نفس الشخص الأوّل لا مثله، يقول سبحانه: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ).

الجواب: إنّ هذه الشبهة أيضاً ـ ليست جديدة ـ بل كان يطرحها العرب في الجاهلية فقد قالوا ـ كما يحكي عنهم القرآن الكريم ـ : (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد).

فإنّ مرادهم من الضلال في الأرض بطلان الهوية بطلاناً كاملاً لا يمكن أن يتّسم بالإعادة، بل يكونون خلقاً جديداً مماثلاً للخلق الأوّل، لا نفسه. ثم إنّه سبحانه يردّ على هذه الشبهة بوجهين:
1. قوله تعالى: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ).
2. قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ).

فالآية الأُولى تشير إلى أنّ الباعث لإثارة هذه الشبهة هو تبنِّيهم موقفاً سلبياً في مجال لقاء الله تعالى، فبما أنّهم يكفرون بذلك اللقاء يثيرون هذه الشبهة، وهي قولهم: (وَ قَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)، فلو كانوا مؤمنين باللقاء لما تمسّكوا بهذه الشبهة.

وأمّا الآية الثانية فهي بصدد قلع الشبهة من أساسها، وذلك من خلال تفسير التوفّي وأنّه ليس بمعنى الإماتة في الآية، بل بمعنى الأخذ، ففرق بين التوفّي وبين الموت، فالأوّل أعمّ من الثاني بشهادة قوله سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).

ترى أنّ لفظة (الّتي) معطوفة على (الأَنْفُسَ)وتقدير الآية: الله يتوفّى الّتي لم تمت في منامها، فقد جمع بين التوفّي وعدم الموت، وهذا أفضل شاهد على أنّ التوفّي إنّما هو بمعنى الأخذ لا الإماتة.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى توضيح مفاد الآية جواباً عن الشبهة:

يقول سبحانه: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ): أي يأخذكم ملك الموت الّذي وكلّ بكم ثم إنّكم إلى الله ترجعون، ومعناه أنّ شخصيتكم الحقيقية يأخذها ملك الموت ولا تبقى في الأرض حتّى تضل، وما يأخذه ملك الموت هو عندنا محفوظ لا يضل، وإنّما الضال ـ عندكم ـ هو البدن الّذي يكون بمنزلة اللباس لهذه الشخصية، وعلى هذا فالبدن الضال (على فرض ضلاله) لا يمت لشخصية الإنسان بصلة، وأمّا ما يمت إلى شخصية الإنسان بصلة فهو غير ضالّ، فلو تعلّق بالبدن العنصري تتحقّق الشخصية الإنسانية الّتي كانت تعيش في عالم المادة، وإلى هذا يرجع قول العلماء: شخصية الإنسان بنفسه وروحه.

فلو أُريد منه أنّ المعاد هو النفس والروح فهو مخالف لصريح القرآن، وإن أُريد به أنّ النفس هي الّتي تحفظ بها شخصية الإنسان، لا العروق والأعصاب والجلود المتبدّلة إلى التراب فهو صحيح، وعلى هذا لو تعلّق ما هو المحفوظ عند الله سبحانه بالبدن الدنيوي في الحشر يكون المُعاد نفس الأوّل .

وحاصل الكلام: أنّ الشبهة مبنية على أنّ الإنسان هو نفس البدن بما فيه من أعضاء وأعصاب وغير ذلك ، فإذا صار تراباً بطلت روحياته ونفسانياته من خير وشر، فلو أُعيد يكون مثلاً لا عين الأوّل، ويقع الثواب والعقاب في غير محلّه.
وأمّا لو قلنا بأنّ للإنسان ـ وراء البدن ـ حقيقة متعالية لا تندثر بمرّ الزمان وكرّ الجديدان وهي الّتي تحمل روحيات الإنسان من خير وشر، وهي الصلة الوثيقة بين المبتدأ والمُعاد، فلا يلزم الإشكال.

وذلك لأنّ ما هو المحفوظ عند الله يجعل البدن الثاني إعادة للشخص الأوّل، والبدن الثاني وإن لم يكن عين البدن الأوّل بل مثله.

لكن الروح المصونة عن كلّ تغيّر، إذا تعلّقت بالبدن الثاني يكون المُعاد هو المبتدأ ; لأنّ المناط في تحديد الشخصية الإنسانية هو روحه ونفسه والبدن غير مهتم به، والسبب الداعي لحشره ببدنه هو عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعمها إلاّ عن طريق البدن، فإذا كانت الشخصية محفوظة فلا تنقطع الصلة بين المبتدأ والمعاد، خصوصاً أنّ أجزاء البدن المبعثرة معلومة لله سبحانه، فهو يركّب تلك الأجزاء المبعثرة وتصير بواسطة الحركة الجوهرية في داخلها إلى حدٍّ تكون قابلة لأن تتعلّق بها الروح السابقة.


* العلامة المحقق ابة الله جعفر السبحاني / شبهات وردود.

14-03-2016 عدد القراءات 1610



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا