15 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 18 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

الشيعَة في نظَر الدكتور طهَ حُسين



الشيعَة في نظَر الدكتور طهَ حُسين *

الطائفة الشيعية هي أهم الطوائف التي كثر حولها الجدال والنقاش، وتشعبت فيها أقوال الباحثين من شرقيين وغربيين قديماً وحديثاً، وقد صورها الكاتب الشهير الدكتور طه حسين بأنها حزب معارض لسياسة البغي والجور، لهذه الغاية انشئت، وعليها عملت، ولأجلها اضطهدت، وهذا ما دعاني إلى أن انقل للقراء رأي الدكتور في هذه الطائفة.

اخرج الدكتور المجلد الثاني من كتابه الكبير الفتنة الكبرى، وموضوع هذا المجلد "علي وبنوه" ابتدأه بخلافة الإمام علي، وختمه بمقتل ولده الحسين، ذكر ما قاله الرسول وأصحاب الرسول في مدح علي، وانه كان أهلاً لتلك الفضائل، ولأكثر منها، وانه على الرغم من الخطوب والمحن التي توالت عليه من كل جانب كان يمضي على الحق لا يلوي على شيء مهما تكن العاقبة. أما أخصام الإمام كعائشة ومعاوية وابن العاص وطلحة والزبير وغيرهم فقد عارضوه وخاصموه ليصرفوا الأمر عنه إلى أهوائهم وأغراضهم، وهذه الحقيقة اثبتها الدكتور بالوقائع والأرقام، وإليك هذا المثال على أسلوبه في اثبات الحقائق قال : "من الممكن أن يقال : أن معاوية اجتهد للناس فأخطأ أو أصاب، لكنه قاتل علياً على دم عثمان من جهة، وعلى أن يرد الخلافة شورى بين المسلمين من جهة أخرى، فلما استقام له السلطان نسي ما قاتل عليه، أو أعرض عما قاتل عليه" أي بعد أن أصبح معاوية دكتاتوراً لم يتتبع قتلة عثمان، وجعل الخلافة كسروية وقيصرية، فنقلها إلى ولده الطاغية يزيد بالقهر عن المسلمين.

بهذا المنطق السليم حاكم الدكتور جميع القضايا التي تعرض لها في كتابه، أما النتيجة التي انتهى إليها فهي أن الذين حاربوا علياً، وكادوا له، وعارضوه فيما كان يراه من حق، هم وحدهم السبب في محنة الإسلام من ذلك العهد حتى آخر يوم، وهم وحدهم الذين أورثوا المسلمين عناء وخلافاً لم ينقضيا، ولن ينقضيا إلى أن يشاء اللّه.

وليس من غرضي التعريف بالكتاب من جميع نواحيه، ولو أردت ذلك لم أكتف بمقال أو مقالين، لأن الكتاب كبير جداً كبير بحجمه، كبير بحقائقه، كبير بما يثيره من المشاعر والأحاسيس، كبير بقدرة كاتبه على التعبير، وبراعته في الأداء، وانما غرضي أن أعرف القارئ برأي الدكتور في الشيعة، وبخاصة الشيعة أنفسهم، ليعرفوا أنهم بعيدون كل البعد عن روح عقيدتهم ومبادئهم.

ولم يخصص الدكتور طه فصلاً من كتابه للبحث عن الشيعة، وليته فعل ولكنه أشار إليهم بكلمات متفرقة في صفحات عديدة، لمناسبة ساقه إليها البحث من حيث يريد أو لا يريد وهي بمجموعها تعطينا الصورة التالية :
إن لكلمة الشيعة معنيين الأول : المعنى اللغوي، وهو الفرقة من الاتباع والانصار الذين يوافقون على الرأي والمنهج، فشيعة الرجل في اللغة هم أصحابه الذين اتبعوا رأيه، وهذا المعنى هو المقصود من قوله سبحانه "وان من شيعته لابراهيم - فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته" والشيعة بهذا المعنى كانوا موجودين في عهد الإمام بلا ريب.

الثاني : المعنى الاصطلاحي، وهو هذه الفرقة المتميزة بعقائدها وعوائدها الخاصة، والمعروفة عند الفقهاء والمتكلمين ومؤرخي الفرق، ويقصدونها عندما يطلقون كلمة الشيعة، والشيعة بهذا المعنى لم يكن لهم في عهد الإمام عين ولا أثر "وإنما كان للإمام في حياته أنصار وأتباع، وكانت كثرة المسلمين كلها أنصاراً له وأتباعاً".

ويعتقد الدكتور أن فرقة الشيعة بالمعنى الاصطلاحي المعروف إنما نشأت وتكررت وأصبحت حزباً سياسياً منظماً لعلي وبنيه بعد أن وقع الصلح بين الحسن ومعاوية، وبعد أن نكث هذا بالعهد ولم يف بما اشترطه على نفسه، تألف وفد من أشراف الكوفة برئاسة سليمان بن صرد الخزاعي، وذهبوا إلى المدينة للقاء الحسن، وطلبوا إليه أن يعيد الحرب خدعة، وأن يأذن لهم في أن يسبقوا إلى الكوفة فيعلنوا فيها خلع معاوية، ويخرجوا منها عامله، فأمرهم الحسن بالكف والانتظار إلى حين، وبهذا الوفد تكونت أول بذرة لفرقة الشيعة "وكان برنامج الحزب في أول انشائه طاعة الإمام من بني علي، والانتظار في سلم ودعة حتى يؤمروا بالحرب فيثيروها، ومضى رجال الشيعة يسجلون على معاوية وولاته ما يتجاوزون به حدود الحق والعدل".

وكانت رئاسة الفرقة للحسن، ومن بعده لأخيه الحسين "وكان الحسين كأبيه صارماً في الحق، لا يرى الرفق، ولا الهوادة.. وأغرى حزبه بالاشتداد في الحق، والانكار على الأمراء الذين اسرفوا في أموال الشعب فأسرف معاوية وولاته في الشدة عليهم، حتى تجاوز كل حد، وعظم أمر الشيعة بسبب الاضطهاد، وانتشرت دعوتهم في شرق الدولة الإسلامية، وفي جنوب بلاد العرب، ومات معاوية حين مات، وكثير من الناس وعامة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية وحب أهل البيت ديناً" اذن كانت الشيعة في آخر عهد معاوية فرقة متميزة عن غيرها، لها عقيدتها وخصائصها.

وكان الشيعة منذ عهد معاوية إلى عهد العباسيين يثورون على الحكام الذين ساروا في حكمهم على سياسة الأرض ومن عليها ملك للسلطان، واكراه الناس على الخضوع والاعتراف بهذا الملك وتثبيته بالقتل والحبس والتشريد، ثار الشيعة وعارضوا الحاكم الذي حكم الناس بالغي واستبدل الجور بالعدل، والباطل بالحق، عارضوا الحاكم الجائر ولم يخضعوا لحكمه وجوره، فأمعن فيهم قتلاً وتعذيباً، فأمعنوا في محاربته غير مسالمين، ولا مهادنين ولا مكترثين بالموت والتعذيب في سبيل الحق، سخط الشيعة على سياسة الجور، فقتل من رجالهم من قتل كحجر بن عدي، والحسين ونسائه وأطفاله وأصحابه. ولم يكن نصيب الشيعة من الحكام بأقل من نصيبهم من المؤرخين والمحدثين، فقد أضاف هؤلاء إلى الشيعة أشياء وأشياء لا يعرفون شيئاً واحداً منها، أضافوا إليهم وافتروا عليهم إمعاناً في النيل، وغلواً في الخصومة والبغض، وارضاء للحكام، كما يفعل اليوم كثير من أرباب الصحف والمتأدبين مع الأحرار إِرضاء للمستعمر واذنابه الرجعيين والأقطاعيين.

والخلاصة أن الشيعة في نظر الدكتور طه هم فرقة انشئت وتكونت بعد الإمام علي بأعوام قليلة، وانها كانت حزباً معارضاً لسياسة الجور، والأوضاع الفاسدة، وأن هذه المعارضة كانت تظهر تارة في قالب الثورة، وحيناً باعلان السخط والتشنيع على الحاكم، وبسبب ذلك نسب إلى الشيعة ما ليس لهم به علم، وقتلوا وعذبوا، كما قتل علي والحسن والحسين.

وإذا كان مذهب التشيع يقوم على أساس الثورة على الظلم والاستبداد، فهل نحن شيعة حقاً! وهل نحب علياً وبنيه! ويا ليت اننا آثرنا العافية بالسكوت والانعزال، ولم نسر في ركاب الظالمين ننشد القصائد الطوال والخطب الرنانة في مديحهم والثناء عليهم.

وبعد فهل نحن شيعة! أجل، نحن من ذرية أولئك السلف الذين ذكرهم الدكتور طه حسين وأكثر منهم عداً.


* - نشر في العرفان تموز 1953 .

08-03-2016 عدد القراءات 1643



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا