16 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 19 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: تعرّف على الشيعة

مِن اجتهَادات الإماميَّة



مِن اجتهَادات الإماميَّة *

منذ سنوات، وأنا أنشر بين حين وحين مقالات رجوت فيها شيوخ المسلمين من سنيين وشيعيين أن لا يحصر كل فريق دراسته الفقهية في مذهب آبائه وأجداده.

ولم يكن الباعث لي على تأكيد هذا الرجاء الرغبة في التقريب بين المذاهب الإسلامية فحسب، وان كنت من المتطوعين في هذي السبيل، وإنما غرضي الأول أن يرتكز درس الشريعة الإسلامية على أساس إسلامي صرف، لا مذهبي، كي لا تلون الشريعة بلون يخفي جمالها وحقيقتها، ويجنس بجنسية تقيم الحدود والسدود بين بني الإنسان، بل بين ابناء الدين الواحد.

لقد نشأت المذاهب، وتعددت بعد الإسلام ونبي الإسلام، نشأت في ظروف سياسية، لغاية دنيوية، تهدف إلى التفريق والشتات، ونشأ الإسلام في ظرفه الطبيعي، لغاية إنسانية تهدف إلى الاخاء والمساواة، فالتعصب لفقه مذهب خاص تعصب للسياسة المحترفة التي تمخضت عن ذلك المذهب.

إن الشريعة الإسلامية لم تستخرج من الوهم والخيال، بل لها أصول مقررة لا يختلف عليها مسلمان، مهما كان مذهبهما، وإنما الخلاف والجدال بين المذاهب حصل فيما يتفرع عن تلك الأصول، وما يستخرج منها، فالعلاقة بين أقوال المذاهب الإسلامية هي العلاقة بين الفرعين المنبثقين عن أصل واحد.

ونحن إذا أردنا معرفة أن هذا المذهب على حق في أسلوبه واستخراج الحكم من مصدره دون سائر المذاهب، فعلينا أن نلاحظ جميع الأقوال المتضاربة حول الحكم، وندرسها بطريقة حيادية، بصرف النظر عن كل قائل وعن منزلته العلمية والدينية، ثم نحكم بما يؤدي إليه الأصل والمنطق على نحو لو اطلع عليه أجنبي لاقتنع بأنه نتيجة حتمية للأصل المقرر. وبهذا نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.

أما من يطلع على قول مذهب من المذاهب، يؤمن به ويتعصب له، لا لشيء إلا لأنه مذهب آبائه، ويحكم على سائر المذاهب بانها بدعة وضلالة فهو مصداق الآية الكريمة : "وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل اللّه قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أوَلو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون".

وأي فرق بين رجل أفنى العمر في حفظ معتقدات أبيه ودرسها، لا يتجاوزها قيد أنملة، ورجل لم يقرأ، ولم يكتب، ولم يدرس شيئاً، ولكن تكونت له من بيته وبيئته عادات ومعتقدات؟ أي فرق بين الرجلين حتى يقال : ذاك عالم، وهذا جاهل؟!.

ليس العالم من وثق برأيه ومعتقد آبائه، وكانت له المقدرة التامة على المحاورة والمداورة، وإنما العالم من فصل الواقع عن ذاته وعاطفته، وفكر تفكيراً حراً مطلقاً، لم يتعصب لرأي على رأي، بل يقف من كل قول موقف الشك والتساؤل، وان كثر به القائلون، وآمن به الأقدمون.

إن احترام العالم يقاس باحترامه للحقيقة، فهي ضالته أينما وجدت. لقد اثبتت التجارب ان الاختصاص بعلم من العلوم يحتاج إلى ثقافة عامة، ومعرفة نظريات ومبادئ علوم شتى، فكيف يكون الإنسان متخصصاً بعلم، وهو لا يعرف عنه إلا قول عالم يخالفه فيه كثير من العلماء؟ واستطيع التأكيد أن من الاجانب من يعرف عن الإسلام وتاريخه وشريعته ورجاله وعقائدهم ما لم يعرفه كثير من متخرجي الأزهر والنجف، وانه لغريب أن تقوم جامعتان، لهما تاريخهما وعظمتهما، احداهما في العراق، والثانية في مصر، يبحثان في موضوع واحد، ويهدفان إلى شيء احد : إلى نشر الشريعة الإسلامية، ثم لا يكون بينهما أي نوع من أنواع التعارف والتعاون.

إن في كتب الشيعة الإمامية اجتهادات لا يعرفها الخواص من علماء السنة، ولو اطلعوا عليها لقويت ثقتهم بالشيعة وتفكيرهم، وكذا الشأن بالقياس إلى كتب السنة وعلماء الشيعة، ان اطلاع كل فريق على ما عند الآخر من أقوى البواعث على تمهيد السبيل للتقريب بين الإخوة، من حيث يريدون أو لا يريدون.

وبعد هذا التمهيد الطويل الممل انتقل بالقارئ الصبور المحتسب إلى بعض الأمثلة من اجتهادات الشيعة الإمامية.

شهادة أهل المذاهب والملل

قال الشهيد الثاني في كتاب المسالك باب الشهادات1: "اتفق أصحابنا على أنه لا تقبل شهادة غير الشيعي الاثني عشري، وإن اتصف بالإسلام، وفيه نظر، لأن الشرط في قبول الشهادة أن لا يكو الشاهد فاسقاً، والفسق إنما يتحقق بفعل المعصية، مع العلم بكونها معصية، أما مع اعتقاد أنها طاعة، بل من أهم الطاعات، فلا يكون عاصياً، ومن خالف الحق في الاعتقاد لا يعتقد المعصية، بل يزعم أن اعتقاده من أهم الطاعات، سواء أكان اعتقاده صادراً عن نظر أم تقليد، وبهذا لا يكون ظالماً، وإنما الظالم من يعاند الحق مع علمه به، وهذا لا يتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم".

وهذا القول يتفق مع أصول الشيعة، حيث يثبتون أحكام الشريعة بحديث من خالفهم في الاعتقاد، إذا اجتنب الكذب، ففي كتاب نهج المقال للبهبهاني (ص 5) وغيره من كتب الرجال "إِن مشايخ الإمامية يوثقون المخطئين في الاعتقاد، كما يوثقون المصيبين من غير فرق، فيقبلون حديثهم، ويسمونه الموثق".

ان هذا الاجتهاد الذي خالف فيه الشهيد الثاني علماء مذهبه اجمعين مع علمه واعترافه بوجود هذا الاجماع لهو خير شاهد على انه باستطاعة الإنسان أن يتحرر من قيود البيت والمدرسة، وتقاليد الآباء والاجداد، وعلى ان سلطان العقل النير اقوى من كل سلطان.

بهذا الروح الكريم وهذا العقل الخصب، يجب أن تفسر الشريعة السهلة السمحة.

والعدالة التي يشترطها الشيعة في الشاهد القاضي ومرجع التقليد وامام الجماعة في الصلاة هي العدالة في الظاهر، لا في الواقع. قال الإمام الصادق : "لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء والأوصياء، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، ولم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وان كان في نفسه مذنباً"2.

شهادة أرباب الصنائع

قال بعض الفقهاء من غير الشيعة3: ان أرباب الصنائع الدنيئة لا تقبل شهادتهم، وجاء في كتاب الجواهر والمسالك وغيرهما من كتب الفقه للشيعة : ان أرباب الصنائع تقبل شهادتهم : مهما كان نوع الصنعة، لقوله تعالى : "ان أكرمكم عند اللّه أتقاكم" والصنعة لا تتنافى مع التقوى، ولا مع المروءة، خاصة لمن يتخذها مهنة دائمة، وان المجتمع في حاجة إلى الصنائع، ولو تركت لاختل النظام، وعم الضرر. أجل ان الشيعة لا يقبلون شهادة من يسأل الناس، لأن السؤال يتنافى مع المروءة وعزة النفس التي أمر بها الدين، وقال الشهيد الثاني في المسلك : الطفيلي بحكم السائل لا تقبل شهادته.

شركة الأبدان

إذا اتفق اثنان على أن يقتسما بينهما ما يكتسبانه في أيديهما - وتسمى هذه الشركة شركة الأبدان - قال الإمامية : لا يصح ذلك بحال، من غير فرق بين أن يتفق عملهما بأن يكون كل منهما طبيباً - مثلاً - أو محامياً، وبين أن يختلف العمل بأن يكون أحدهما طبيباً، والآخر محامياً، واستدلوا على عدم الصحة بان كل واحد مستقل بنفسه، ومنافعه تابعة لعمله، فيختص بها دون سواه، ولو اشتركا لحق الغبن باحدهما، وأخذ ما لا يستحق4 وهذا يتفق مع مبدأ الاشتراكية القائل "من كل حسب مقدرته، ولكل حسب عمله" وبناء على قول الإمامية لا يجوز أن يعمل طبيبان في عيادة واحدة، أو محاميان في مكتب واحد، أو خياطان، أو نجاران في محل واحد، على أن تكون ايديهما جميعاً في العمل، ثم يقتسمان الأجرة بينهما خوفاً من الغبن والاستغلال.

وفي كتاب المغني لابن قدامة ج 5 الطبعة الثالثة ص 3 "لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة : يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش وقال الشافعي : شركة الأبدان كلها فاسدة، لأنها شركة على غير مال".

التكافل والتضامن

إذا كان لخليل مبلغ من المال في ذمة سليم، وقد ضمن هذا المبلغ جميل، وتعهد بأدائه لخليل صاحب الحق قال الإمامية : لا يحق لخليل المضمون له أن يطالب بماله من شاء منهما، بل ينحصر حقه بجميل الضامن فحسب، أما سليم المضمون عنه فلا سبيل له عليه، لأن الحق الواحد لا يتعدد ولا يثبت بتمامه في ذمتين، ومتى دفع جميل المال لخليل رجع على سليم، وطالبه بما أداه5 وبناء على هذا القول لا يجوز أيضاً أن يستدين اثنان مالاً من آخر على أن يرجع صاحب المال بكامل ماله على أي شاء منهما. إذن التكافل والتضامن على هذا النحو فاسد عند الإمامية من أصله.

وفي كتاب المغني ج 4 ص 546 و548 "الحق ثابت في ذمتهما، أي الضامن والمضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، أي الحنفية والحنابلة أيضاً لأن الكتاب المذكور على فقههم، وعليه فالتكافل والتضامن عند السنة جائز.


* - نشر في رسالة الإسلام عدد تشرين الأول سنة 1952.
1- هذا الكتاب مجلدان كبيران جمع أبواب الفقه بكاملها، وطبع مرات عديدة في إيران بالطبع الحجري، وهو للشهيد الثاني زين الدين العاملي، استشهد سنة 966 هجري، وله مؤلفات كثيرة، يرجع الشيعة إليها ويعتمدون عليها.
2- كتاب آيات الأحكام للشيخ أحمد الجزائري ص 309 طبع سنة 1337 هجري.
3-  كتاب المغني لابن قدامة ج 9 ص 169، الطبعة الثالثة.
4- الجواهر والمسالك باب الشركة.
5- الجواهر والمسالك وجميع كتب الفقه للإمامية، لأن هذه المسألة مجمع عليها عندهم.

08-03-2016 عدد القراءات 1424



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا