20 أيلول 2019 م الموافق لـ 20 محرم 1441 هـ
En FR

المعارف العربية :: البلاغة

أسلوبُ الحكيمِ وتأكيد المدح بما يشبه الذم



أسلوبُ الحكيمِ:

هوَ أنْ تحدِّثَ المخاطَبَ أو السائل بغيرِ ما يتوقعُ، فقد يخاطبُكَ إنسانٌ أو يسألُك سائلٌ عَنْ أمرٍ مِنَ الأمورِ، فتجدُ مِنْ نفسِكَ مَيْلاً إلَى الإعراضِ عَنِ الخوضِ فِي موضوعِ الحديثِ أو الإجابةِ عنِ السُّؤالِ لأغراضٍ كثيرةٍ، منْها أنَّ السَّائِلَ أعجزُ مِنْ أنْ يَفهَمَ الجوابَ عَلَى الوجهِ الصحيحِ، وأنَّه يجْمُلُ به أنْ ينْصرفَ عنهُ إلَى النَّظرِ فيمَا هُوَ أنفعُ لَهُ وأجدَى عليهِ، ومنهَا أنَّك تُخالِف محدثَّكَ فِي الرَّأي ولا تريدُ أن تجبهَه برأيِك فيهِ، وفِي تلكَ الحالِ وأمثالِهَا تَصرفُه فِي شيءٍ من اللَّباقةِ عَنِ الموضوعِ الَّذي هوَ فيهِ إلَى ضربٍ مِنَ الحديثِ تَراه أجدرَ وأولَى1.

وقد عُبِّر عنه في بعض المصادر بأنّه "تلقّي" السائل بغير ما يتطلّب، والسامع بغير ما يترقّب.

وهوَ نوعَانِ:
الأولُ: إمَّا أنْ تتجاهلَ سؤالَ المخاطَبِ، فتجيبُه عنْ سؤالٍ آخرَ لم يسألْه، كقولِهِ - تَعَالَى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ2، فقدْ سألُوا عَن الهلالِ مَا بَالُهُ يبدُو صغيراً فيكبرُ ثمَّ يعودُ كمَا بَدَأَ، وهذِهِ مسألةٌ مِن مسائِلِ علمِ الفَلَكِ يُحتاجُ فِي فَهمِهَا إِلَى دراسةٍ دقيقةٍ طويلةٍ، فَصرَفَهم القرآنُ الكريمُ عَن هَذَا بِبَيَانِ أنَّ الأهلةَ وسائِلُ للتوْقيتِ فِي المعاملاتِ والعباداتِ، إِشارةً منهُ إلَى أنَّ الأَولَى بِهِم أنْ يَسألُوه عَن هَذَ، وإِلَى أَنَّ البحثَ فِي العلومِ يَجِبُ أنْ يُرْجأَ قليل، فَقَد كانَ سؤالُهُم عَنِ السببِ، وكانَ الجوابُ عن الحكمةِ من تغيُّرِ الأهلَّةِ وهِيَ مواقيتُ للناسِ والحجِّ.

الثاني: إمَّا أنْ تحملَ كلامَه على غيرِ ما كانَ يقصدُه ويريدُه، وفي هذا توجيهٌ للمخاطَبِ إلى مَا يَنبغِي عليهِ أنْ يسألَ عنه أو يقصدَه من كلامهِ، كقولِ الشَّاعِرِ:
ولمَّا نَعَى الناعِي سأَلناه خشْيةً وللعيْن خوفَ البيْن تَسكابُ أمطارِ
أَجابَ قضى! قلنا قَضَى حاجةَ العُلاَ فقالَ مضَى! قلنا بكلِّ فَخَارِ

فقد حملَ المخاطبُ كلمةَ "قضَى" على إنجازِ الحوائجِ وقضائِها، أمَّا المتكلِّمُ فقصدَ منه الموتَ، وكذلك قوله "مضَى" أرادَ المتكلِّم "ماتَ" وحملَها المخاطَبُ على أنَّه ذهبَ بالفضلِ، ولم يدعْ لأحدٍ شيئاً.3

تأكيدُ المدحِ بِمَا يُشبِهُ الذَّمَّ

ولَهُ عدَّةُ أساليبَ، نذكُرُ مِنْهَا:
الأسلوبَ الأولَ:
أنْ يستثنَى من صفةِ ذمٍّ منفيةٍ عن الشيءِ صفةَ مدحٍ بتقديرِ دخولِها فيهِ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامً4، وكقولِ الشَّاعِرِ5:
ليسَ به عيبٌ سِوَى أَنَّهُ لا تَقَعُ العَيْنُ على شِبْهِهِ

فقد صدَّر كلامَه بنفي العيبِ عامةً عَنْ ممدوحِهِ، ثمَّ أتَى بَعدَ ذَلكَ بأَداةِ استثناءٍ هِيَ "سوى" فَسَبَقَ إلَى وهمِ السَّامِعِ أَنَّ هناكَ عيباً فِي الممدُوحِ، وأَنَّه سيكونُ جريئاً فِي مصارحتِهِ بِهِ، ولكنَّ السَّامعَ لمْ يلبثْ أَنْ وجَدَ بَعدَ أَداةِ الاستثناءِ صفةَ مدحٍ، فراعَهُ هَذَا الأسلوبُ، وَوَجَدَ أنَّ الشَّاعرَ خدعَه، فلمْ يذكرْ عيباً، بلْ أكّدَ المدحَ الأوَّلَ فِي صورةٍ تَوَهُّمِ الذَّمَّ.

الأسلوبَ الثانِي: أنْ يُثبتَ للشيءِ صفةَ مدحٍ، ويأتيَ بعدها بأداةِ استثناءٍ تليها صفةُ مدحٍ أخرى كقولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: "... وأنَا أفصحُ العَرَبِ بيدَ أنَّي مِنْ قريش"6 فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَصَفَ نَفسَهُ بصفةٍ ممدوحةٍ، وهِيَ أنَّه أفصحُ العَرَبِ، ولكنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أَتَى بعدَهَا بأَداةِ استثناءٍ، فدُهِشَ السَّامعُ، وظنَّ أنَّه سيذكُرُ بعدَهَا صفةً غيرَ محبوبةٍ، ولكنْ سُرْعَانَ مَا هدأَتْ نفسُهُ حِينَ وَجَدَ صفةً ممدوحةً بَعدَ أَداةِ الاستثناءِ، وهِيَ أَنَّه مِنْ قريش، وقريشُ أَفصحُ العربِ غير منازَعين. فكانَ ذلكَ توكيدًا للمدحِ الأوَّل فِي أُسلوبٍ أَلفَ الناسُ سماعَه فِي الذَّمِّ.

تأكيدُ الذمِّ بما يشبهُ المدحَ

تأكيدُ الذّم بما يُشبهُ المدحَ ضربان:
الأولُ: أنْ يُستثنَى من صفةِ مدحٍ منفيةٍ عن الشيء، صفةَ ذمٍّ بتقدير دخولها فيه، كقولِ الشَّاعِرِ:
لا حُسْن في المنزل إلا أنه مظلمٌ ضيّق الحجرات

الثاني: أنْ يُثبَتَ لشيءٍ صفةَ ذمٍّ، ثمَّ يؤتَى بعدَهَا بأداة ِاستثناءٍ، تليها صفةُ ذمٍّ أخرَى، كقولِ الشَّاعِرِ:
لئيمُ الطِّبَاعِ سوى أنهُ جبانٌ يهونُ عليه الهوانُ

* كتاب البلاغة الميسّرة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 243.
2- سورة البقرة، الآية: 189، والمذكور في الشرح أحد وجوه تفسير الآية.
3- قضى: من معانيها مات، وأدى، ومضى: من معانيها مات، ومضى بكذا: ذهب به واختصّ.
4- سورة الواقعة، الآيتان: 25-26.
5- وهو الشاعر ابن الرومي.
6- الميرزا النوري، مستدرك سفينة البحار، ج 8، ص 203.

07-11-2015 عدد القراءات 1881



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا