17 حزيران 2019 م الموافق لـ 13 شوال 1440 هـ
En FR

المعارف العربية :: البلاغة

القصْرُ



القصْرُ لغةً: الحبسُ، كقولِ اللهِ - تَعَالَى -: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ1.

واصطلاحاً: هو تخصيصُ شيءٍ بشيءٍ بطريقٍ مخصوصٍ.

والشيءُ الأولُ: هو المقصورُ، والشيءُ الثاني هو المقصورُ عليه.

والطريقُ المخصوصُ يكونُ بالطرقِ والأدواتِ الآتية، نحوُ: مَا "شوقي" إلَّا شاعرٌ، فمعناهُ تخصيصُ شوقي بالشِّعرِ وقصرُهُ عليه، ونفيُ صِفةِ الكتابةِ عنه - ردًّا على من ظنَّ أنَّهُ شاعرٌ وكاتبٌ - والَّذي دلَّ على هَذَا التخصيصِ هوَ النفيُ "ما" المتقدمةِ، والاستثناءُ بكلمةِ "إلا" الَّتي قبلَ الخبرِ.

فما قبلَ "إلا" وهُوَ "شوقي" يُسمَى مقصوراً عليهِ، ومَا بعدَهَا وهوَ "شاعرٌ" يسمَّى مقصوراً و "ما" و"إلاّ" طريقُ القصرِ وأدواتُه.

ولو قلنَا: "شوقي شاعرٌ"، بدونِ نفيٍ واستثناءٍ ما فُهِمَ هذا التخصيصُ، ولهَذَا يكونُ لكلِّ قصرٍ طرفانِ "مقصورٌ، ومقصورٌ عليه"، ويُؤلّف "المقصورُ" معَ "المقصورِ عليه" الجملةَ الأصليةَ في الكلام ِ

وممّا تقدّم نعلمُ أنَّ القصرَ: هو تخصيصُ الحكمِ بالمذكورِ في الكلام ِونفيُهُ عن سواهُ بطريقٍ من الطرقِ الآتيةِ:

طرقِ القصرِ:

للقصرِ طُرُقٌ كثيرةٌ، وأشهرُها في الاستعمالِ أربعٌ وهي:
1- النفيُ والاستثناءُ، كقولِهِ - تَعَالَى-: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ2، فالمقصورُ عليهِ "في النفي والاستثناء" هوَ المذكورُ بَعدَ أداةِ الاستثناءِ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ3.

2- "إنَّما"، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء4.

وكقولِ أبِي نوَاس:
إِنَّما يَشتَري المَحامِدَ حُرٌّ طابَ نَفساً لَهُنَّ بِالأَثمانِ

3- العطفُ بـ "لا وبلْ ولكنْ" كقولِهِم: "الأرضُ متحركةٌ لا ثابتةٌ"، وكقولِ الشَّاعرِ5:
عُمرُ الفَتى ذِكرُهُ لا طُولُ مُدَّتِهِ وَمَوتُهُ خِزيه لا يومُهُ الداني

وكقولِ الشَّاعِرِ6:
ما نالَ في دُنياهُ وإنْ بُغيةً لكنْ أخو حزمٍ يَجِدُّ ويَعمَلُ

4- تقديمِ ما حقّهُ التأخيرُ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ7 أيْ:

نخصُّك بالعبادةِ والاستعانةِ.

- فالمقصورُ عليه في "النفي والاستثناءِ" هو المذكورُ بعد أداة ِالاستثناءِ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ8.

- والمقصورُ عليهِ مَعْ "إنَّما" هُوَ المِذكورُ بَعدَهَا، ويكون ُمؤخَّراً في الجملةِ وجوباً، كقولِ الشَّاعِرِ9:
إِنَّمَا الدُّنْيَا غُرُورٌ لَمْ تَدَعْ طِفْلاً وَكَهْلا

- والمقصورُ عليهِ مَعْ "لا العاطفةِ" هُوَ المذكورُ قبلَهَ، والمُقابلُ لما بعدها، نَحْوُ: "الفخرُ بالعلمِ لا بالمالِ".

- والمقصورُ عليهِ مَعْ "بَلْ ولكنْ"، العاطفتين، هوَ المذكورُ بعدَهُمَ، نَحْوُ: "مَا الفخرُ بالمالِ بلْ بالعلمِ"، ونَحْوُ: "ما الفخرُ بالنَّسَبِ لكنْ بالتقوَى".

- والمقصورُ عليه في "تقديمِ ما حقُّهَ التأخيرُ" هوَ المذكورُ المتقدِّمُ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَ10، وكقولِ المتنبِّي:
وَمَنَ البَلِيّة عَذلُ مَنْ لا يَرْعوِي عن جَهلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهمُ

القصر باعتبار طَرَفيه:

ينقسمُ القصرُ باعتبارِ طرفيهِ (المقصُورُ والمقصورُ عليه) إلى نوعينِ:

أ- قصرُ صفةٍ على موصوفٍ11: هو أن تُحبسَ الصفةُ على موصوفِها وتَختصَّ به، فلا يتَّصفُ بها غيرُه، وقد يتَّصفُ هذا الموصوفُ بغيرها من الصفات، نحو: "لا رازقَ إلا اللهُ"، و"لا فتى إلا عليّ".

ب- قصرُ موصوفٍ على صفةٍ: هو أن يُحبسَ الموصوفُ على الصفةِ ويَختصَّ بها، دون غيرها، وقدْ يشاركُه غيرُهُ فيها، نحو: "ما اللهُ إلا خالقُ كلِّ شيءٍ"، وكقولِهِ - تَعَالَى-: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ12.

أمورٌ ترتبطُ بالقصرِ:

هناك أمورٌ ترتبط بالقصر أهمُّهَا:
1- القصرُ يحدّدُ المعاني تحديداً كامل، ولذا كثيراً ما يستفادُ منه في التعريفاتِ العلميةِ وغيرها.

2- القصرُ من ضروبِ الإيجازِ، وهوَ مِنْ أهمِّ أركانِ البلاغةِ، فجملةُ القصرِ تقومُ مقامَ جملتين: مُثَبَتَةٌ ومنفيةٌ.

3- يُفهمُ من "إنما" حكمانِ: إثباتٌ للشيءِ والنفيُ عن غيرهِ دفعةً واحدةً، بينما يُفهم من العطفِ الإثباتُ أوّلاً والنفيُ ثانياً، أو بالعكسِ، ففي المثال السابقِ: الخشيةُ للعلماءِ دونَ غيرِهِم، والفخرُ للتقوى لا للنَّسبِ، مع وضوحِ الدفعةِ في الأولِ، والترتّبِ في الثاني.

4- في "النفي والاستثناءِ" يكونُ النفي بغيرِ "ما" - أيضاً -، كقولِهِ -

تَعَالَى -: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ13.

ويكونُ الاستثناءُ بغير "إلَّا" أيضاً، كقولِ الإمَامِ عليّ بنِ الحسينِ عليهما السلام: "ليسَ لحاجَتِي مطلبٌ سِوَاكَ، ولَا لذنبِي غافرٌ غيرُك، حاشاكَ ولَا أخافُ عَلَى نفسِي إلَّا إيَّاك، إنَّك أهلُ التَّقوَى وأهلُ المغفرةِ"14.

5- يشترطُ في كلٍّ منْ "بل" و "لكنْ" أنْ تُسبَقَ بنفيٍ أو نَهْيٍ، وأنْ يكونَ المعطوفُ بهما مفرداً، وأنْ لا تقترنَ "لكنْ" بالواو، وفي "لا" أنْ تُسبقَ بإثباتٍ، وأن يكونَ معطوفُها مفرداً وغيرَ داخلٍ في عمومِ ما قَبلَها.

6- يدلُّ التقديمُ على القصرِ بالذوقِ، بَينَمَا الثلاثةُ الباقيةُ تدلُّ عَلَى القصرِ بالوضعِ، يعني بـ "الأدوات".

7- إنَّ الأصلَ هو أن يتأخّرَ المعمولُ عن عاملهِ إلاّ لضرورةٍ، أهمُّها إفادةُ القصرِ، فإنَّ منْ تتبعَ كلامَ البلغاءِ في تقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، وجدهُم يريدونَ بهِ القصرَ والتخصيصَ عادةً.

* كتاب البلاغة الميسّرة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة الرحمن، الآية: 72.
2- سورة آل عمران، الآية: 144.
3- سورة هود، الآية: 88.
4- سورة فاطر، الآية: 28.
5- عُبَيْدُ الله بن أحمد بن علي الميكالي أبو الفضل. 436 هـ / 1045 م أمير من الكُتَّاب الشعراء، من أهل خراسان، صَنَّفَ الثعالبي (ثمار القلوب) لخزانته، وأورد في يتيمة الدهر محاسن ما نثره ونظمه.وكذلك مختارات من كتابه المخزون المستخرج من رسائله. وسماه صاحب فوات الوفيات "عبد الرحمن بن أحمد" وأورد من شعره ما يوافق بعض ما في اليتيمة، ممّا يؤكد أنهما شخص واحد. وذكر له من المؤلفات مخزون البلاغة، (المنتحل -) و(ديوان شعره) وغيره. وفي كشف الظنون أسماء بعضها منسوبة إلى مؤلفها عبيد الله بن أحمد.
6- لم يُعرف قائله.
7- سورة الفاتحة، الآية: 5.
8- سورة هود، الآية: 88.
9- محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري. 1255 - 1322 هـ / 1839 - 1904 م،
أول من نهض بالشعر العربي من كبوته. في العصر الحديث، وأحد القادة الشجعان، جركسي الأصل من سلالة المقام السيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي). نسبته إلى ( إيتاي البارود)، بمصر، مولده ووفاته بمصر، تعلّم بها في المدرسة الحربيّة. ورحل إلى الآستانة فأتقن الفارسيّة والتركيّة، وله فيها قصائد دعاء إلى مصر فكان من قُواد الحملتين المصريّتين لمساعدة تركيّا. الأولى في ثورة كريد سنة1868م، والثانية في الحرب الروسية سنة 1877م، وتقلّب في مناصب انتهت به إلى رئاسة النُّظّار، واستقال. ولما حدثت الثورة العُرَابيّة كان في صفوف الثائرين، ودخل الإنجليز القاهرة، فقُبِضَ عليه وسجن وحُكم بإعدامه، ثم أبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سِيلان. وكُفَّ بصره وعُفي عنه سنة 1317ه‍، فعاد إلى مصر. أما شعره، فيصح اتخاذه فاتحة للأسلوب العصريّ الراقي بعد إسفاف النظم زمناً. له (ديوان شعر مطبوع)، جزآن، (ومختارات البارودي مطبوع) أربعة أجزاء.
10- سورة الأعراف، الآية: 89.
11- اعلمْ أنَّ المرادَ بالصفةِ هنا الصِّفةُ المعنويةُ، الّتي تدلُّ على معنًى قائمٍ بشيءٍ، سواءٌ أكانَ اللفظُ الدالُّ عليه جامداً أم مشتقاً، فعلاً أم غيرَ فعلٍ، فالمرادُ بالصِّفةِ:ما يحتاج ُإلى غيرهِ ليقومَ به،كالفعلِ و نحوهِ، وليس المرادُ بها الصفةَ النحويةَ، المسماةَ بالنَّعتِ.
12- سورة آل عمران، الآية: 144.
13- سورة يوسف، الآية:31.
14- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، ص 79 دعاؤه عليه السلام في الاعتراف وطلب التوبة الى الله تعالى.

07-11-2015 عدد القراءات 1372



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا