23 أيلول 2020 م الموافق لـ 05 صفر 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: العلاقة مع الله

الغاية من خلق الإنسان




الحكمة الإلهيّة وغاية الإنسان

إنّ البحث عن الغاية التي خلقنا الله لأجلها يُعتبر من أكثر الأبحاث والمعارف أهميةً وأعظمها تأثيراً في سلوك الإنسان، ونظرته للعالم. وتنبع أهميّته من جوانب عديدة، لعلّ أحدها أنّه سؤالٌ يبحث عن جوابه جميع الناس أينما كانو، ويندر أن نجد إنساناً يأمل بالحياة، ولم يجعل لنفسه هدفاً يسعى لبلوغه في جميع حركاته ومشاريعه. وغالباً ما تكون الأهداف التي يصبو إليها الناس دافعاً أساسياً لجميع أنشطتهم وأفعالهم. ولو فقد المخلوق روح الهدف والغائيّة، لانعدم فيه الأمل بالبقاء وخبت بهجة الحياة في عينيه، ولكان الموت عنده أفضل من العيش في هذه الدنيا.

وفي المقابل من آمن بحكمة الله وقدرته اللامتناهية، فإنّه يعلم يقيناً أنّ من شأن البارئ الحكيم إذا خلق شيئاً مهما كان أن يجعل له هدفاً: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ1.

﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى2. فالحكمة العظيمة في أفعال الربّ تعني ضرورة وجود هدف وغاية لوجود الإنسان في هذه الحياة.

وتُطرح في هذا المجال مسألةٌ مهمّة جديرة بالانتباه والتدقيق، وهي أنّ ما نبحث عنه في الأصل يتعلّق بالغاية التي يريدها الله لنا، الغاية التي خلقنا من أجل الوصول إليها، الغاية التي سنحاسب على أساسها، وليس بحثنا عن الغايات المختلفة التي يضعها الناس لأنفسهم.

إنّ جميع البشر لا يمكن أن يعيشوا بدون غايةٍ ما، مهما كانت وضيعةً أو سخيفة. فهذا يريد المنصب الفلانيّ، ولأجله يفعل أيّ شيء، وقد يبذل كلّ غالٍ ورخيصٍ ويضحّي في سبيله بآلاف الأشخاص. وآخر يرى غايته القصوى وسعادته النهائيّة في راحة البال والاستقرار أو في كثرة الأموال والأولاد، وهكذا... ونشوء الغايات المختلفة يرجع بالدرجة الأولى إلى تلك القيم السائدة التي يتبنّاها المجتمع، والتي قد تكون في مجتمعٍ ما عبارةً عن غلبة قيم الانحلال الأخلاقيّ والثقافة المادية وتمجيد اللذة، وفي مجتمعٍ آخر قيم الحياة الآخرة وثقافة الشهادة. إنّ جوهر القضية يكمن في معرفة الغاية التي خلقنا الله لأجل الوصول إليها، لأنّها سرّ وجودنا على الأرض.

الطريق لمعرفة الغاية

الغاية التي نتحدّث عنها هي غاية الإنسان التي خلق من أجل الوصول إليها، بمعنى آخر هي غاية النفس الإنسانيّة، وعليه إذا أردنا أن نتعرّف إلى هذه الغاية علينا أن ننطلق من معرفة هذه النفس الإنسانية، لأنّه كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"3. فالسير والتأمل العقليّ في حقيقة النفس الإنسانيّة وتركيبتها يهدينا إلى معرفة الغاية التي خلقنا الله لأجلها. فالله سبحانه قد كتب في أعماق كلّ مخلوقٍ كلمات الحقيقة، وليس على الإنسان إلَّا أن يفتح كتاب خلقته ويطالع صفحاته لكي يصل إلى مطلوبه.

وكتاب الخلقة هذا ليس سوى "الفطرة الإلهية" التي هي عبارة عن لمسات يد الخالق الحاكية عن أسرار الوجود الإنسانيّ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ4.

فالهدف النهائيّ للإنسان لا يمكن أن يكون مكتوباً إلَّا على الصفحات الصافية من كتاب النفس، هذه الصفحات التي كتبها الربّ الحكيم الذي ليس لحكمته حدٌّ محدود ولا يشوب ذاته أيّ عجزٍ أو جهل. وهذه الصفحات الصافية هي الفطرة الإنسانية التي أودعها الخالق عزّ وجلّ في جميع الناس ولا تبديل لخلق الله. ومثلما أن من يودّ مطالعة الكتب الورقية يحتاج إلى عينٍ باصرةٍ، فإنّ من أراد قراءة كتاب الخلقة الأبيض يحتاج إلى عقلٍ سليم. وهو أداة المعرفة الأولى، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يا علي، إذا تقرّب العباد إلى خالقهم بالبرّ فتقرّب إليه بالعقل تسبقهم"5.

فالتفكّر العقليّ بحقيقة النّفس وتوجّهاتها، وبالفطرة الإنسانيّة من المفترض أن يوصلنا إلى معرفة الهدف والغاية من وجودنا في هذا العالم.

الفطرة الإنسانيّة وميزاتها


الفطرة هي أصل الخلقة والهيئة التي خلق عليها الإنسان، والصبغة التي صبغه الله بها منذ أن أوجده في هذا العالم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ6. وللفطرة الإنسانية ميزاتٌ عديدةٌ ومتنوعة يمكن أن نلخّصها بالتالي:

أوّلاً: الفطرة مشتركة بين جميع الناس على مرّ العصور واختلاف الأمكنة، وهي لا تتأثّر ولا تتبدّل رغم كل الاختلافات والتناقضات في العادات والتقاليد والمناخات والجغرافيا، والأنظمة السياسية والفكرية، والتيارات الثقافية، والمذاهب الدينية.

ثانياً: أنّها ليست أموراً مكتسبة، بل هي ميولٌ ورغبات مغروسة في أعماق الإنسان، وموجودةٌ معه منذ أن وجد في هذا العالم.

ثالثاً: أنّ الفطرة لا تعرف حدّاً أبداً، فرغبات الفطرة الإنسانية لا تقف عند حدّ بل تطلب دائماً ما هو أفضل وأكمل، وهي في حالة طلبٍ دائم، وميولها لا تعرف الشبع أبداً.

ما هي الغاية من خلق الإنسان؟

إن التفكّر العقليّ، في أصل الخلقة، أي في الفطرة الإنسانيّة من المفترض أن يقودنا إلى الغاية الحقيقية، لأنّها كما ذكرنا رسالة الله إلى كلّ إنسان والنداء الإلهيّ الذي ينبعث من أعماقه، فعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: "يا هشام: إنّ لله على الناس حجّتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأمَّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمَة عليهم السلام، وأما البَّاطنة فالعقول"7.

فعندما نتبع وجهة هذه الميول بواسطة العقل سننتهي إلى الغاية، لأنّ الله تعالى لا يعقل أن يجعل فينا ميولاً وتوجهات نحو أشياء لا ينبغي أن نسعى نحوها، إنّ مثل هذا الظن تَوَهُّم فاسد، واتِّهامٌ للخالق سبحانه، لأنّ الحكيم المتعال لا يترك أيّ عمل فيه حكمة ومن ورائه حكمة، وحكمته المطلقة تعني لزوم صدور جميع الأفعال الحكيمة عنه، والحكمة تعني أن فعل الحكيم ينبغي أن يتَّصف بالغائيّة والهدفيّة، وأن يكون الهدف من فعله جليلاً وسامياً. إذن وجود الميول الفطرية فينا دليلٌ قويّ على وجوب تلبيتها، فإذا لحقنا هذه الميول في توجّهاتها ورغباتها سننتهي إلى الغاية التي خلقنا الله من أجلها.

إن التفكّر والتأمّل في أنفسنا سيقودنا إلى اكتشاف مجموعة من الميول النفسية والفطرية التي تتحرّك وتتفاعل بشكلٍ غريبٍ ومدهش، حتّى أنّ كل ّحركاتنا ونشاطاتنا تنطلق من هذه الميول، بل نفس هذا الجسم المادي يأتمر بإمرة هذه الميول الفطرية وهو منقادٌ لها أيضاً. وهذه التوجهات الفطرية هي:

1- طلب العلم (الذي يعبّر عنه بحبّ الاستطلاع).

2- طلب القدرة (الذي يشار إليه بحبّ السلطة).

3- طلب العاطفة (وهو الحبّ والعشق).

فكلّ إنسان ومنذ أن يفتح عينيه على هذا العالم، هو طالبٌ بالفطرة للعلم والقدرة والعاطفة. إلَّا أن بروز هذه الميول قد يحتاج إلى وقتٍ يتفاوت نسبياً بين شخصٍ وآخر. وإذا أمعنّا النظر في جميع تصرّفات وسلوك البشر فسوف نكتشف بشكلٍ لا يقبل الشكّ أنّ الدوافع الأساسية لكلّ فعلٍ مهما كان بسيطاً هي في الحقيقة تلبيةٌ لإحدى هذه الرغبات والميول المذكورة.

فالإنسان يريد دوماً أن يتعرّف ويكتشف المجهول أينما وجد. ويتمنّى لو أنّه يقدر على فعل ما يريد. وهو يسعى دائماً للارتباط بكلّ ما يشبع حاجته العاطفيّة. هذه هي رغبات كل واحدٍ منّا، مهما كان، وفي أي زمان أو مكان، وسواء أبرزها إلى العلن وعبَّر عنها بشكلٍ واضح ومباشر، أم أنّه أخفاها وألبسها ألف حجاب.

ولا ننسى أنّ الإنسان مخلوقٌ مختار، ووجود هذه الميول فيه لا يعني أنّه سيسعى دوماً وبالشكل الصحيح لتلبيتها. فإنّ هذه الميول قد تضعف شيئاً فشيئاً أمام ميولٍ أخرى غير فطرية. وقد تختفي وراء القيم المنحطّة السائدة في المجتمع، بحسب ما يختاره ذاك الشخص بإرادته. وإن كان القضاء على الميول الفطرية بالكامل أمراً مستحيلاً. والأصح أن يقال: إنّ الميّول الفطرية تفقد وجهتها الصحيحة وتتلوّن بالقيم السائدة في مثل هذه الحال لا أنّها تزول أو تختفي.

الله تعالى هو المنتهى

ومن جانبٍ آخر أيضاً فإنّ العقل أثناء بحثه وتفكّره سوف يكتشف أمراً في غاية الأهميّة، وهو أنّ لهذه الميول خاصيّة ملفتة، بالإضافة إلى وجودها عند الجميع، وهذه الخاصيّة تتعلّق بعدم محدوديّتها. فميل الإنسان للمعرفة والعلم ليس له حدّ، بل كلّما وصل الإنسان إلى مرتبةٍ من المعرفة تراه يطلب مرتبةً أخرى أعلى وأرقى. والكلام نفسه بالنسبة إلى سعي الإنسان لامتلاك القدرة والسيطرة، فإنّه لا يكتفي بما تصل إليه يداه بل هو في سعيٍ دائمٍ نحو قدرة أعلى وأكمل. وحب الإنسان وعشقه هو بدوره لا يعرف الشبع. فالعاطفة الجيّاشة التي تنبع من القلب الواله تتوجّه دائماً نحو المحبوب الذي ترى فيه الكمال والسعادة، وإذا ما وجد هذا القلب محبوباً أكمل فإنّه سينتقل إليه. فالقلب الإنسانيّ يحبّ ويعشق الكمال ويطلب على الدوام ما هو أكمل وأفضل، وسيبقى هذا القلب يتنقل من كاملٍ إلى ما هو أكمل منه، ومن جميلٍ إلى ما هو أجمل منه وهكذا... وهذه هي حقيقة وسرّ هذه الميول الفطريّة التي أودعها الله تعالى فينا، فهي ميولٌ ورغباتٌ مطلقة لا تقف عند حدّ ولا تعرف الشبع أبداً. والإنسان يجد في نفسه الرغبة بالمزيد دائماً رغم حصوله على الكثير.

في وصيته يقول الإمام الخميني قدس سره مخاطباً ابنه السيد أحمد:

"إعلم أنّ في الإنسان ـ إن لم نقل في كلّ موجود ـ حباً فطرياً للكمال المطلق وللوصول إلى الكمال المطلق. وهذا الحب مما يستحيل أن يفارق الإنسان كلياً. كما أنّ الكمال المطلق يستحيل أن يتكرّر أو يتثنّى. فالكمال المطلق هو الحق جلّ وعلا. والجميع يبحثون عنه، وإليه تهفو قلوبهم ولا يعلمون. فهم محجوبون بحجب الظلام والنور. لهذا فهم يتوهمون أنّهم يطلبون شيئاً آخر غيره. ولذا تراهم لا يقنعون بتحقيق أيّة مرتبة من الكمال، ولا بالحصول على أي جمال أو قدرة أو مكانة. فهم يشعرون أنّهم لا يجدون في كل ذلك ضالّتهم المنشودة.

فالمقتدرون ومن يمتلك القدرات الكبرى هم في سعيٍ دائم للحصول على القدرة الأعلى مهما بلغوا من القدرة. وطلاب العلم يطلبون الدرجة الأعلى من العلم مهما بلغوا منه، وهم يشعرون دوماً أنّهم لم يجدوا ضالتهم وفي الحقيقة هم غافلون عنها.

ولو أعطي الساعون إلى القدرة والسلطة التصرّف في كل العالم المادي من الأرضين والمنظومات الشمسية والمجرّات، بل وكل ما فوقها، ثّم قيل لهم: إنّ هناك قدرة فوق القدرة التي تملكونها أو أن هناك عالماً أو عوالم أخرى فوق هذا العالم، فهل تريدون الوصول إليها؟ فإنّهم من المستحيل أن لا يتمنّوا ذلك. بل إنّه من المحتم أن يقولوا بلسان الفطرة: ليتنا بلغنا ذلك أيضاً! وهكذا طالب العلم، فهو إن ظنّ أنّ هناك مرتبة أخرى - غير ما بلغه - فإنّ فطرته الباحثة عن المطلق ستقول: يا ليت لي هذه القدرة أو يا ليت لي سعة من العلم تشمل تلك المرتبة أيضاً!"8.

فإذا كان الله تعالى خلقنا طالبين وعاشقين للكمال الذي لا حد له فهل يعقل أن يحرمنا منه أو يمنعنا عنه؟! إنّ هذا المنع يناقض صفات الخالق الرحيم. وعليه، فإنّ وجود هذه الرغبات والميول نحو الكمال الذي لا حدّ له، لهو دليلٌ واضح على أن الكمال اللامتناهي هو الغاية التي ينبغي أن نسعى إليها، وقد خلقنا الله تعالى لذلك.

إذاً، في أعماق كلّ إنسان عشقٌ فطريّ للكمال الذي لا حدّ له، أودعه الله فينا لكي يكون لنا هادياً كلّما ظننّا أننا بلغنا مقصدنا. إن هذا الشوق إذا سيطر على الإنسان لن يرضى معه بجميع لذّات الدنيا وكمالاتها مهما بلغت! لأنّها محدودة، وهو طالبٌ للكمال اللامحدود، طالب لله عزّ وجلّ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى9.
* كتاب دروس في التربية الأخلاقية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- سورة آل عمران، الآية: 191.
2- سورة طه، الآية: 50.
3- العلّامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج2، ص32، الناشر مؤسسة الوفاء - بيروت لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1983م، الطبعة 2، باب استعمال العلم والإخلاص في طلبه، ح 22.
4- سورة الروم، الآية: 30.
5- علي الطبرسي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 440، تحقيق مهدي هوشمند، نشر وطباعة دار الحديث، 1418هـ، الطبعة 1، الفصل الثاني في صفة العقل، ح 1476.
6- سورة البقرة، الآية: 138.
7- الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 16، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، الناشر دار الكتب الإسلامية - طهران، مطبعة الحيدري، 1363ش، الطبعة 5، كتاب العقل والجهل، ح 12.
8- الإمام الخميني قدس سره، وصايا عرفانية، ص20 - 21.
9- سورة النجم، الآية: 42.

04-05-2015 عدد القراءات 5916



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا