23 أيلول 2020 م الموافق لـ 05 صفر 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: وصايا الأولياء

مؤاخاة الأتقياء



رُوي عن صادق آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّه قال في وصيةٍ له: "وَاطْلُبْ مُؤَاخَاةَ الأَتْقِيَاءِ وَلَوْ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَإِنْ أَفْنَيْتَ عُمُرَكَ فِي طَلَبِهِمْ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْلِ عَلَى َوجْهِ الأَرْضِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَمَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى العَبْدِ بِمِثْلِ مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنَ التَّوْفِيقِ بِصُحْبَتِهِم"1.

تمهيد:

لله درّ الأتقياء ماذا فعلوا حتّى صاروا قِبلةً يحجُّ إليها أصحاب الهمم العالية، والنفوس الشامخة؟

لله درّهم أيّ سرٍّ أُودع فيهم! أيُّ جمالٍ هذا الَّذِي قد غشيهم حتى صاروا محطَّ عشق الوالهين!

هل امتزجت نفوسهم بعَبَقِ أريجٍ إلهي، فعرف قدرهم مَنْ كان له ذوقٌ في شمِّ نسمات نسيم القرب؟! فضرب إِبْطَ مطايا الرّحال في سفرٍ ربما كلّفه صرفَ لئالئ عقد العمر، ليرتشف من أُنس صحبتهم.

إِنَّها النفس التوّاقة لعالم الطهر والقداسة حيث الكمال المنقطع النظير.

أخي في الله!

إِنَّ عمر الإنسان محدودٌ لن يتجاوز أحدٌ ما قدّر له: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ2.

وإنَّ الساعات تخترم الأعمار، وتقرّب من الفناء والبوار، قال سيّد الفصحاء والبلغاء أمير المؤمنين عليه السلام: "مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ وَأَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ وَأَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ وَأَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ‌"3.

وهناك حقيقةٌ مرّة نعلمها، لكن لا نريد أنْ نصدّق بها ونعمل على أساسها، هي: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ4، فنحسب أَنَّ الموت على غيرنا كُتب، أو كأنّه لا يتربّص بنا، ونعدّ تشييع الأموات حَدَثاً باقياً للذكرى، لا للتذكر والعبرة، وأنّ عمر الإنسان ينقضي ولا نشعر إِلَّا بعد فوات الأوان، ولات ساعة مندم.

مرغوبية البخل في موردين

لا يخفى أَنَّ البخل عادة سيّئة ومذمومة، فإنّ البخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيدٌ من الجنّة. لكنّ المسألة إذا تعلّقت بواحدٍ من أمرين: إمّا عمر الإنسان، وإمّا عِرضه، فقد ورد في بعض الروايات أَنَّه حينئذٍ يكون أمراً مرغوباً فيه ومطلوباً.

أمّا ما يرتبط بعمر الإنسان، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يَا أَبَا ذَرٍّ كُنْ عَلَى عُمُرِكَ أَشَحَّ مِنْكَ عَلَى دِرْهَمِكَ وَدِينَارِكَ"5، أي: ابخل بعمرك ولا تفرّط به، ولا تشتغل بما لا ينفع، فشرُّ ما شغل به المرء وقته: الفضول. فإنّ اشتغال النفس بما لا يصحبها بعد الموت، أو بما تصحبها حسرةُ التفريط دليلُ وهنِ العقل وعدم إدراكه ما ينبغي أن يعمل لأجله.

وأمّا ما يرتبط بعرضه وشرفه، فإنّه يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّه قال: "رَحِمَ اللهُ أَخِي سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ مَا كَانَ أَبْخَلَهُ"6، وورد في تفسيره: "مَا كَانَ أَبْخَلَهُ بِعِرْضِهِ وَسُوءِ الْقَوْلِ فِيهِ"، فنفسه لا تسمح له أنْ يسمع في عِرضه شيئاً، فضلاً عمّا هو أكبر من ذلك، لأنّ مَنْ جاد بماله جلّ، ومَنْ جاد بعرضه ذلّ. وورد أَنَّ "أَبْخَلَ النَّاسِ بِمَالِهِ أَجْوَدُهُمْ بِعِرْضِهِ"7، لأنّ حرصه على المال يجعله لا يتورّع عن سلوك أيّ طريق يؤمّن له المال ولو كان عِرضه، نعوذ بالله مِمَّن يصون ماله بعرضه، فالعرض لا يهدى ولا يباع ولا يشترى.

والعمر الذي ينبغي أن تكون شحيحاً فيه، عليك أن تستثمر بالأمور الإيجابية، ومن الأمور الإيجابية مؤاخاة الأتقياء فاطلب مؤاخاتهم ولو أفنيت عمرك.

بادر إِلَى طلب المؤاخاة

(وَاطْلُبْ مُؤَاخَاةَ الأَتْقِيَاءِ)...
لا تنتظر الفرصة حتّى تسنح، فربما تؤخذ على حين غرّة، والوصية المذكورة تطلب بصراحة من المؤمن أنْ يسعى في طلب الأتقياء والبحث عنهم، وأنْ يجدّ في ذلك، فإنّ الغرض نبيل، وهو العمل على إيجاد رابطة معنوية وعلاقة روحية بينه وبين الأتقياء.

أيُّها الأحبة!

لقد وصف الله العلاقة بين المؤمنين عامّة بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ8، إِنَّها علاقةٌ يجب أن تكون عند توفّر الإيمان ولو بحدّه الأدنى.

وهذه العلاقة المذكورة لقربِ تحقّق حصولها، وسهولة الوصول إليها، فكأنّ الله أخذها أمراً مفروغاً عنه في الأوساط المتديّنة، فأخبر عنها بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.

وأمّا المؤاخاة مع الأتقياء

فإنّها درجة رفيعة، لا ينالها الشخص بمجرّد أنْ يدخل في رِبقة الإيمان، فإنّ المؤاخاة المقصودة: أشبهُ بعقدٍ يلتزم به طرفان، كلّ واحدٍ يؤاخي الآخر، فيسعى التقيّ ليكون قدوةً في العمل، ومناراً في الفكر، وناراً يقتبسُ منها الأخُ جذوةً تنير له درب الحياة الشائكة، والمتلوِّنة حالاً بعد حال.

ويسعى الأخُ الطالب للمؤاخاة: أنْ يضبط إيقاع دقّات قلبه على حبّ الله، ونظرات عينه على ما حلّله الله، وحركات جوارحه على طاعة الله، وطرز فكره على ما يحقّق له الفوز بالجنّة، والنجاة من النار، قال تعالى ذكره: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ9.

فالناس أجناسٌ... ومعادن كمعادن الذهب والفضّة والحديد... فمنهم من يطلب الدنيا ببيع الآخرة، ومنهم من يطلب الآخرة ببيع الدنيا، ومنهم من يرى أَنَّ الدنيا بُلغةُ الآخرة، وقنطرةٌ موصلةٌ للسعادة الأبدية، وأنّ محلّه ينبغي أن يكون مع الأتقياء والأولياء.

فَلْنَسْعَ لنكونَ مع هؤلاء لأجل مؤاخاتهم.

لماذا الأتقياء دون غيرهم

بصراحةٍ لأنّ الأتقياء دون غيرهم مشاعِل عالم الأنس، وقادةُ قافلة الوجود، وحلقة الربط بين المادة وما وراءها.

هم العلماءُ الَّذِين تذكّرك رؤيتهم بالله، فما دُمتَ بينهم... معهم... فأنت مع النُّور السرمدي الأبدي، في حياةٍ لا غفلة فيها عن المعبود: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ10.

وبكلمةٍ جامعةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام في بيان وصف المتقين: "لِلْمُتَّقِي هُدًى فِي رَشَادٍ وَتَحَرُّجٌ عَنْ فَسَادٍ وَحِرْصٌ فِي إِصْلَاحِ مَعَاد"11.

فالمتقي:
1- له هدى ممزوج برشاد وحكمة ومعرفة.
2- يتحرّز ويتجنّبُ الفساد.
3- كما أَنَّه حريصٌ على إصلاح معاده، وإصلاح يومٍ تُرْجَعُ فيه النفوس إِلَى بارئها.

المشاق في سبيل الهدف الأسمى

(وَلَوْ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ)...
ما أعظم هذه المؤاخاة للأتقياء، حتى صرتَ مأموراً بطلبها على كلّ حال،
- حتى لو كان الأتقياء في ظلمات الأرض ومتوارين عن الأنظار.
- أو كان طلبك لهم يستلزم منك أن تقطع ظلمات الأرض.

فإنّك إذا قمتَ بهذا الطلب عن نيّةٍ سليمةٍ وقلب سليم، وعن إرادة منك للوصول إِلَى الحقيقة المطلقة، فإنّ كلّ هذه المشاق لمّا كانت واقعة في صراط الطاعة، فإنّ كلّ نَفَسٍ وخطوةٍ وعمل يقوم به سيكون مكتوباً عنده تعالى في سجلّ الحسنات.

والسبب في ذلك يُعزى لأحد أمرين:

الأوّل: أَنَّ الشروع في المقدمات التي يتوقّف عليها المستحب، يعدُّ في الحقيقة شروعاً في المستحب نفسه عند العرف. لأجل هذا سيؤجر على البحث عن الأتقياء وطَلَبِهم الَّذِي هو مقدمة للمؤاخاة.

الثاني: أَنَّ العمل الواحد، تارةً: يقع في الخارج من البعض دون مشقات، كمن يحجّ وهو من أهل مكة. وأخرى: لا بدّ من تحمّل مشقاتٍ كالحج من مكانٍ بعيد.

لا شكّ أَنَّ الحاج من مكان بعيد يؤجر أكثر من الآخر عادة، لقاعدة: (أَنَّ أفضل الأعمال أحمزها)، وهكذا من يطلب مؤاخاة الأتقياء، وكلّفه ذلك صَرْف الجهد، وبذل المال، وتحمّل المشاق، فإنّ كلّ ذلك يؤجر عليه، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ12.

طلبٌ أغلى من العمر

(وَإِنْ أَفْنَيْتَ عُمُرَكَ فِي طَلَبِهِمْ)...
أيُّها العزيز! اطلب مؤاخاة الأتقياء وإنْ أفنيت عمرك في طلبهم، فإنّ عمر الإنسان هو رأس ماله الَّذِي لا يعادله شيء، ويحرص على البقاء في الدنيا عمراً طويلاً لو استطاع لذلك سبيلاً، وينفق لأجل ذلك كلّ غالٍ ونفيس.

وهذا الحديث يشير بصراحةٍ إِلَى أَنَّ البحث عن الأتقياء ومؤاخاتهم يستحقّ أنْ يَصْرِف المرءُ عليه تمامَ رأس ماله، وأغلى ما عنده، وهو العمر.

إِنَّها تجارةٌ رابحة أرشدهم إليها ربّهم، إنّه الربح الوفير، والخير العميم.

والسبب في هذا الجود بالعمر ما ورد في هذا الحديث: "فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُخْلِ عَلَى َوجْهِ الأَرْضِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ"13.

كما ورد فيه تعليلٌ آخر: "وَمَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى العَبْدِ بِمِثْلِ مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنَ التَّوْفِيقِ بِصُحْبَتِهِم"14.

وباختصار، إِنَّ الأتقياء:
1- زبدة أَهل الأرض بعد النبيين.
2- صحبتهم سببٌ ضروريّ ومهمّ للتوفيق والنعمة الكبرى.

ولأجل هذين السببين، لو صرف عمره في طلبهم لأجل مؤاخاتهم لم يكن خاسراً، بل كان هو الرابح في هذه الصفقة.

تبصرةٌ وذكرى

في هذه الوصية معانٍ أُخر يمكن أن تستفاد بالتأمّل والتدبّر فيها، كالحثّ على السعي لمعرفة تالي المعصوم مصداقاً، ولو كانت النسبة بينه وبين المعصوم لا تقاس علماً ومعرفة وتقى، فإنّ فعلية التوفيق متوقفة على صحبتهم.

والذي يظهر من (الصحبة) معنى أَكبر من مجرّد التعرُّف على اسمه ورسمه، أو قراءة بعض ما ألّف من كتب، لأنّ الصحبة قد أُخذ فيها نوعٌ من التعايش والمخالطة عن قُربٍ وما أشبه ذلك.

ويمكن أن تكون هذه الوصية ناظرة إِلَى بيان لزوم معرفة الإِمام في كلّ زمان، فإنّه مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية. فعندئذ يستحِقُّ من المرء أنْ يقدّم أغلى ما عنده في طلب معرفته ومؤاخاته والاستفادة منه.

*  كتاب وصايا الأولياء، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق عليه السلام، ص150، الطبعة الأُولى 1980، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
2- سورة الأعراف، الآية: 34.
3- الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص282، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
4- سورة القصص، الآية: 88.
5- شيخ الطَّائفة، مُحَمَّد بن الحسن الطُّوسي، الأمالي، ص527، المجلس التاسع عشر، تحقيق: قسم الدَّراسات الإسلاميَّة في مؤسسة البعثة، الطَّبعة الأُولى 1414، نشر: دار الثقافة للطَّباعة والنَّشر والتَّوزيع، قم.
6- الشَّيْخ الصَّدوق، مُحَمَّد بن علي، علل الشّرائع، ج1، ص71، تقديم: السَّيِّد مُحَمَّد صادق بحر العلوم، منشورات مكتبة الحيدرية 1385ه. ق، النّجف الأشرف.
7- ابن أبي الحديد المعتزلي الشّافعي، شرح نهج البلاغة، ج20، ص328، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، مصوّرة عن الطَّبعة الثَّانية 1385لدار إحياء الكتب العربيّة، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النَّجفي 1404.
8- سورة الحجرات، الآية: 10.
9- سورة آل عمران، الآية: 185.
10- سورة آل عمران، الآية: 191.
11- اللَّيثي الواسطي، علي بن مُحَمَّد، عيون الحكم والمواعظ، ص 403، تحقيق الشَّيْخ حسين الحسني، الطَّبعة الأُولى 1376ش، دار الحديث، قم.
12- سورة التوبة، الآية: 120.
13- مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، (المنسوب للإمام الصادق)، ص150، ط.أولى، الأعلمي، بيروت 1980.
14- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71،ص282.

09-09-2014 عدد القراءات 3798



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا