23 أيلول 2020 م الموافق لـ 05 صفر 1442 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: وصايا الأولياء

قسوة القلب



نصُّ الوصية:

روى الشَّيْخ الطوسي قدس سره في أماليه بإسناده إِلَى سَعْدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام، قَالَ: "فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ:... يَا ابْنَ آدَمَ، أَصْبَحَ قَلْبُكَ قَاسِياً وَأَنْتَ لِعَظَمَةِ الله نَاسِياً، فَلَوْ كُنْتَ بِالله عَالِماً، وَبِعَظَمَتِهِ عَارِفاً، لَمْ تَزَلْ مِنْهُ خَائِفاً..."1.

تمهيد:

إِنَّ الكلام عن قسوة القلب وما توجبه من نتائج وما ترتكز عليه من أسباب ودواعي هو كلامٌ مهمٌّ للغاية, لما لهذه الحالة التي تصيب الإنسان من أثر سلبيّ في التعامل مع الله تعالى.

والمراد بقسوة القلب: صلابته وعدم رقّته وخشوعه أمام الله تعالى، قال المرحوم العلامة الطباطبائي: "القسيّ من القلوب ما لا يخشع لحقٍّ ولا يتأثّر برحمة"2.

ولا شكّ أنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين قسوة القلب وبين البُعد عن الله والغفلة وعدم الالتفات إلى عظمته تعالى, لذا فقد وصف الله تعالى بني إسرائيل في كتابه بأنّهم ابتلوا بقسوة القلب نتيجة كفرهم ومعاصيهم وقيامهم بأعمال غير مرضية عنده تبارك تعالى, حيث يقول: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ3.

لذا لا بدّ من الإشارة إلى الأسباب التي توجب هذا المرض الخطير، الَّذِي إذا ابتلي به العبد حصل على نتائج سلبية أقلّها الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى، إِلَّا أَنَّ الكلام في هذه الموعظة فعلاً عن الأسباب التي تقود إِلَى هذه الخصلة المهلكة.

أسباب قسوة القلب

تكشف الآيات القرآنية والروايات الواردة عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم عن عدد من الأسباب المؤدية لحصول هذه القسوة لدى الإنسان، يمكن أن نلخّص أهمّها فيما يلي:

1- نقد العهد والميثاق:
فقد ورد في الآية المتقدّمة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً, حيث جعلت سبب لعنهم وجعل قلوبهم قاسية هو نقض الميثاق وتخلّفهم عما وعدوا الله تعالى به.

وهذا حكاية عن بني إسرائيل كما تقدمت الإشارة إليه، ومن الواضح أَنَّ القرآن وصف في كثير من الآيات بني إسرائيل وكفرهم وقتلهم الأنبياء وإفسادهم في الأرض وغيرها من الأمور التي اشتهروا بها، ولا يزالون.

وهذا الأمر لا يختصُّ ببني إسرائيل، بل هو شاملٌ لجميع النّاس ومنهم الَّذِين آمنوا، فإنّ المؤمن له عهودٌ ومواثيق مع ربّه تبارك وتعالى، ينبغي أنْ يحافظ عليها ولا ينقضها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ4.

2- طول الأمل والاطمئنان بالحياة الدنيا:
يعتبر طول الأمل والاطمئنان بالحياة الدنيا من الأسباب الرئيسة في قسوة القلب، حيث ورد في الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ5.

كما ورد أيضاً في رواية الكافي عن علي بن عيسى رفعه قال: "فِيمَا نَاجَى الله عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مُوسَى عليه السلام يَا مُوسَى لَا تُطَوِّلْ فِي الدُّنْيَا أَمَلَكَ فَيَقْسُوَ قَلْبُكَ وَالْقَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ"6.

وعن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوا قُلُوبُكُم"7.

ومن الطبيعي أَنَّ الإنسان عندما يطول أمله في هذه الدنيا ويطمئن بها وبالحياة فيها، فسوف ينسى شيئاً فشيئاً مرحلة انتقاله عنها وتركه لها، وبالتالي لن يعمل لتلك المرحلة ولن يتفاعل مع أيّ شيء يمكن أن ينقل قلبه إليها, وذلك لأنّه تمسّك بهذا العالم وعمل له وجعل أمله منحصراً فيه دون سواه. لذا نرى أَنَّ كلّ الأسباب المؤدية إلى قسوة القلب والتي سنذكرها لاحقاً تشترك فيما بينها بهذه المسألة، وهي التوجّه إلى الدنيا وترك الآخرة, فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "مَنْ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ غَداً فَإِنَّهُ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ أَبَداً وَمَنْ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ أَبَداً يَقْسُو قَلْبُهُ وَيَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا وَيَزْهَدُ فِي الَّذِي وَعَدَهُ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى"8.

والعكس صحيح, فإنَّ كلّ ما يمكن أن يقلّل من توجّه الإنسان إلى الدنيا ويذكّره بالآخرة فهو يليّن القلب، كما ورد في وصية الإمام أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام: "أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ وَذَلّلْـه بِذِكْرِ الْمَوْتِ"9.

ولهذه الآية المتقدمة قصة جميلة حصلت مع الفضيل بن عياض، لا بأس بنقلها في المقام, حيث ينقل صاحب سفينة البحار كيف أَنَّ هذه الآية القرآنيّة التي ذكرناها قد استقرّت في أعماق وجوده فأثّرت في روحه، ومحت برنامج سنين طويلة من القتل والنهب والإغارة، فتاب وصار في صفّ أولياء الله والمقرّبين في فناء حضرته، وله حالات ومقامات وكرامات صارت سبب عبرة أهل زمانه، وقد جعله كشف الحجب الظلمانيّة ثمّ النورانيّة في زمرة العرفاء السامين الأجلّاء.

يقول: كان في أوّل أمره يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرَخْس، وكانت القوافل تعاني منه الأمرَّين. عشق جاريةً، فبينما كان يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ10.

فقال والدموع تنحدر من مآقيه: آنَ، آنَ، آن والله.

فرجع وأوى إلى خربة، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل. وقال بعضهم: حتى نُصبح, فإنّ فضيلًا على الطريق يقطع علينا، فأخبرهم الفضيل بتوبته وآمنهم، وقال: اذهبوا في أمان الله لا بأس عليكم.

ثمّ التحق الفضيل من هناك بصحبة الإمام الصادق عليه‏ السلام، وصار من أصحابه وخواصّه المحدِّثين عنه، يذكره جميع الكبار بالوثاقة والعدالة ويعدّون رواياته معتبرة11.

وهذه القصة تعطي الإنسان أملاً في أنّه مهما قسا قلبه، فإنّ الله تعالى يمكن أن يمنحه أموراً في بعض الأحيان تليّن له هذا القلب القاسي، فإن استجاب لها نجا، وإلا عاد إلى ما كان عليه من القسوة والبعد عن الله، وهذا ما تشير إليه الرواية النبوية: "إِنَّ لِله فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَرَصَّدُوا لَهَا‌"12.

3- كثرة الذنوب:
من أسباب قسوة القلب كثرة الذنوب، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: "ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب"13.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان"14.

والمراد باستماع اللهو هو استماع الغناء والموسيقى، والتي صارت شائعة وسهلة المنال في عصرنا هذا، حتى أنت ترى الكثير من الناس المتشرعين يتساهلون بهذه الأمور، ولا يرون لها أي أثر على حياتهم الدينية والسلوكية. لكن الأثر يظهر في قلب هذا المسكين، وينعكس على سلوكه وعبادته، فيشكو من عدم التوجّه في العبادة ومن قلّة التفاعل مع الدعاء، ومن جفاف الدمعة من خشية الله، فهذه كلها نتائج طبيعية لتلك المعاصي التي يبتلى بها الإنسان دون أن يشعر أو يدري.

وأيضاً ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ترك العبادة يقسّي القلب، ترك الذكر يميت النفس"15.

ومن الواضح أن ترك العبادة واستماع اللهو وطلب الصيد وإتيان باب السلطان التي وردت في الروايتين الأخيرتين تشترك جميعاً في أنها معاصي، إذ كل ترك للواجب حرام ويعد معصية، وكذا ينبغي أن يكون الحال في سائر المعاصي والمحرمات الأخرى.

4- كثرة الكلام بغير ذكر الله:
فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، إن أبعد الناس من الله القلب القاسي"16.

وعن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان المسيح عليه السلام يقول: "لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن الذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون"17.

والحديث عن كثرة الكلام ذو فصول، لكن نقصر النظر فيه على هذه الخصوصية التي يُقسي فيها قلبَ الإنسان ويبعده عن الله تعالى، فإن الكلام في أي شيء كان وحول أي أمر, فإما أن يكون باطلاً فهذا بنفسه مبعد عن الله ومقسٍ للقلب. وإما أن يكون لغواً لا فائدة فيه ولا طائل منه، فيكون شاغلاً للإنسان عن الله وعن ذكره عز وجل. وإما أن يكون حقاً وفي محلّه فهذا هو الذي يكون ذكراً، ولا يتنافى مع رقة القلب، لذا فقد استثناه النبي في الرواية بقوله "بغير ذكر الله".

5- أكل المال الحرام:
فقد ورد أن الإمام الحسين عليه السلام قام يوم عاشوراء لمخاطبة أهل الكوفة، فلم ينصتوا له، فكلّمهم وفيما قال لهم: "... كلّكم عاصٍ لأمري غير مستمع قولي، فقد مُلئتْ بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟"18.

إذ أكل المال الحرام له الكثير من الآثار والكثير من التبعات التي لا تحمد عقباها، وتبقي الإنسان رهناً بها إلى يوم القيامة. ولعل الكلام عن تأثيره على قسوة القلب بسيط بالقياس إلى تلك الآثار الأخروية التي قد لا يطيق الإنسان سماعها فضلاً عن تحملها, كالآية التي تتحدث عن أكل مال الأيتام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا19.

ولعل أكثر ما نبتلى به في مجتمعنا من أكل المال الحرام هو الربا والتعامل مع البنوك والشركات المساهمة التي تعطي ربا تسميه (أرباحاً)، فإن هذا المال إذا نبت عليه لحمي ودمي فسوف يترك آثاراً كبيرة في سلوكي وروحيتي لا تمحى بسهولة.

كما أن الكثير من الناس يُبتلون بعدم دفع حقوق الناس التي عليهم، وحقوق الله تعالى التي في ذمتهم، فيصير مالهم مختلطاً بمال غيرهم وهو ما يعطي الأثر ذاته.

* كتاب وصايا الأولياء، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- شيخ الطَّائفة، مُحَمَّد بن الحسن الطُّوسي، الأمالي، ص203، المجلس السابع، تحقيق: قسم الدَّراسات الإسلاميَّة في مؤسسة البعثة، الطَّبعة الأُولى 1414، نشر: دار الثقافة للطَّباعة والنَّشر والتَّوزيع، قم.
2- الطباطبائي، مُحَمَّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص240، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم.
3- سورة المائدة، الآية: 13.
4- سورة الأنفال، الآية: 27.
5- سورة الحديد، الآية: 16.
6- الشيخ الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج2، ص329، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
7- الشَّيْخ الصَّدوق، مُحَمَّد بن عليّ بن بابويه، الخصال، ص622، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفّاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلميّة 1403، قم.
8- المحدّث النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج2، ص106، نشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأُولى 1408، بيروت.
9- الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة, ص336، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
10- سورة الحديد، الآية: 16.
11- نقلاً عن كتاب ملكوت القرآن، ج3، ص219.
12- ابن أبي جمهور الإحسائي، محمد بن علي، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج1، ص296، تحقيق: مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء، قم، الطبعة الأُولى 1403هـ.
13- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص25، باب تحريم قسوة القلب.
14- السيد البروجردي، ج17، ص206، باب تحريم استماع الغناء والملاهي.
15- الري شهري، ميزان الحكمة، ج3، ص2612.
16- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص536، باب وجوب حفظ اللسان.
17- م. ن، ج12، ص196، باب كراهة كثرة الكلام.
18- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج54، ص8.
19- سورة النساء، الآية: 10.

10-06-2014 عدد القراءات 16313



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا