22 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أدلة ولاية الفقيه

الدليل النقلي على ولاية الفقيه



تمهيد

تقدّم الدليل العقلي على ولاية الفقيه، ويمكن الاستدلال على الولاية بالدليل النقلي، وقد ذكرت عدة أدلّة نقلية على ولاية الفقيه نذكر منها:

1-الدليل الأول: ضرورة وجود نظام إسلامي

يمكن إقامة الدليل التالي على ضرورة قيام النظام الإسلامي, وذلك بملاحظة أحكام الإسلام, وهذا الدليل يتألف من مقدمات ثلاث:

الأولى: إنَّ الشريعة الإسلامية تتضمن أحكاماً ترتبط بالفرد، كالوظائف العبادية من صلاة وصيام وغيرها من العبادات، كما تتضمن أحكاماً ترتبط بالجماعة وبالنظام العام كالحدود والديات والقضاء والجهاد ونحوها.

الثانية: إنَّ هذه الأحكام الاجتماعية – التي تتعلق بالجماعة – تدل أنَّ الشريعة المقدسة قد بنت وجود هذه الأحكام على وجود ولاية الأمر كأمر مفروغ عنه مفروض وجوده شرعاً, حيث عمدت إلى تنظيمها وتقنينها ووضع أهدافها وأحكامها الشرعية الخاصة, وبالتالي فالإسلام دين نظام.

الثالثة: هذه الأحكام العامة ثابتة في كل زمان وعلى مرّ العصور، ولو لم يكن الأمر دائماً، كان من اللازم تقييد تلك الأحكام بزمان معين، وهو زمان حضور وحكومة المعصوم، مما يعني تعطيل هذه الأحكام الاجتماعية في زمان غيبته، بينما المتسالم بين الفقهاء، والمعروف عند المتشرّعة أنّه لا يمكن تعطيل هذه الأحكام الإلهية، بل هي باقية في كل عصر إلى يوم القيامة، فوجود هذه الأحكام الاجتماعية يستلزم وجود حكومة إسلامية تسير على هداها وتطبقها.

ومما لا شك فيه أن ولاية الحكام الجائرين والطغاة الفاسقين ليست هي التي يناط بها ذلك الغرض، ولا المأمول منها القيام به، للنهي عن توليهم والركون إليهم، وهذا يكفي في إثبات ولاية الفقيه.

2- الدليل الثاني: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إنَّ أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعتبر من الأدلة الواضحة على الحكومة الإسلامية, حيث إنَّ الحكومة الإسلامية بكامل سلطاتها تعتبر المصداق الأكمل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فبمقتضى أدلة الأمر بالمعروف يجب علينا تحقيق مصاديق وأفراد الأمر بالمعروف، ومن أوضح هذه المصاديق إقامة أحكام هذا الدين وحدوده وحفظ الحقوق والدماء والأعراض، ورفع راية الإسلام خفّاقةً عزيزة، كذلك بمقتضى أدلة النهي عن المنكر، يجب علينا منع تحقيق مصاديق وأفراد المنكر، من الجور والظلم والفساد في الأرض والخوض في الدماء وتضييع الحقوق وطمس معالم الدين وسلطة الظالمين، وهذا يستلزم بشكل واضح وبيّن إقامة حكومة إسلامية، يكون على رأسها الفقيه الجامع للشرائط، لأنّه الأعرف بتحقيق الأهداف، من إقامة لأحكام الدين، وتحقيق العدل، ومنع الظلم والفساد بما يوافق الشريعة الإسلامية.

الدليل الثالث: الروايات الخاصّة

هناك العديد من الروايات والنصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام، والتي الاستدلالَّ بها على ولاية الفقيه في عصر الغيبة، ونبحث بها هنا من جهة دلالتها على المطلوب، ومنها:

أولاً: مقبولة عمر بن حنظلة

أ- نصها

قال عمر بن حنظلة: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلُّ ذلك؟
قال عليه السلام: "من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنَّما تحاكم إلى الجبت والطاغوت المنهي عنه، وما حكم له به فإنّما يأخذ سحتا، وإن كان حقه ثابتا له، لأنَّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله عزوجل أن يكفر به، قال الله عزو جل "يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به".

قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا وعرف حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه فإنَّما بحكم الله إستخفَّ، وعلينا ردَّ، والرادُّ علينا كالرادِّ على الله، وهو على حدِّ الشرك بالله"1.
 
ب- السند:

هذه الرواية تلقاها الفقهاء قديماً، وحديثاً بالقبول،لذلك عبّروا عنها بالمقبولة، وهذا يعني اعتمادهم عليها بعد تماميّة الدلالة.

ج - دلالتها

إنًّ عبارة (قد جعلته عليكم حاكماًً) تدل على أنَّ من اجتمعت فيه الصفات الواردة في النص (روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا) قد نصّبه الإمام عليه السلام بالنصب العام لمختلف شؤون الحكومة وتولي الأمر.

ومن تلك الأمور التي تندرج تحت الحكومة وتولي الأمر هو القضاء والفصل في النزاعات والخصومات، وصلاحية تنفيذ الحكم القضائي الذي يصدره، وذلك لأنَّ الإمام عليه السلام حرّم رد حكم من نصبه (فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه فانما بحكم الله استخف، وعلينا ردّ، والرادَّ علينا كالرادِّ على الله، وهو على حدِّ الشرك بالله)، فيَـلْزم القبول بحكم الحاكم المنصوب من قِبله عليه السلام وبالتالي لهذا الحاكم الفقيه الولاية لتنفيذ الحكم القضائي الذي أصدره.

أسئلة وردود حول هذه الرواية

السؤال الأول: إنَّ الاستفهام الوارد في الرواية كان عن الحالات التي يحصل فيها النـزاع والتخاصم، فالرواية خاصة بمثل هذه الموارد، فهذا النص أخص مما نريد إثباته، وهي الولاية العامة للفقيه.

والجواب: إنَّ المورد وإن كان مورد تنازع، وهو يستدعي نصب القاضي، إلا أنَّه في صدر الرواية كان موضوع كلام الإمام عليه السلام حول الحكام الظالمين والجائرين الذين كانت بيدهم أمور الناس، وليس فقط خصوص القضاء وفصل النزاعات، فنهى الإمام عليه السلام عن الرجوع إلى هؤلاء الحكام الظالمين والتحاكم اليهم.

وفي المقابل نصّب الإمام عليه السلام من يحوز صفات محددة وجعله منصوباً للحكومة والحاكمية (فإنِّي قد جعلته حاكماًَ)، ومن جملة صلاحياته -كحاكم- القضاء، وفصل الخصومات، وتنفيذ الأحكام القضائية، فيظهر بوضوح أنّ الإمام عليه السلام أعطى للفقيه الجامع للشرائط الولاية، بنحو أعم من خصوص منصب القضاء.
السؤال الثاني: إنّّ الرواية صادرة عن الإمام الصادق عليه السلام، وهذا يعني أنّها ناظرة إلى زمان حضور الإمام عليه السلام، فلا يمكن الاعتماد عليها في زمان الغيبة لإثبات الرجوع إلى الفقيه الحاكم.

وجوابه: إنَّ الذي دعا الإمام الصادق عليه السلام إلى نصب الفقهاء في عصر حضوره هو عدم تمكن جميع الشيعة من أقطار الأرض من الوصول إليه والسؤال منه، وهذا الأمر نفسه – عدم التمكن من الوصول إلى الإمام عليه السلام - يدعو للرجوع إلى الفقهاء في زمن الغيبة، بل يثبت الرجوع إلى الفقهاء بشكل أولى في زمن الغيبة.
السؤال الثالث: إنَّ النصب في هذه الرواية كان من قِبل الإمام الصادق عليه السلام، وبعد وفاته عليه السلام ينعزل المنصوب من قِبله، ولكي يبقى من نُصّـب في منصبه نحتاج إلى قيام دليل جديد على نصبه من قِبل الإمام اللاحق.

ويُجاب عليه: بأنّ النصب يستمر حتى لو توفي الإمام عليه السلام ما لم يسقطه الإمام اللاحق، فما لم يُعلم إسقاط النصب وإلغاء الصلاحية من قِبل الإمام اللاحق فالنصب باقٍ ومستمر، لا سيما وأنَّ النصب من قِبل الإمام الصادق عليه السلام لم يكن لشخص باسمه بل كان لعنوان الفقهاء الذين اجتمعت فيهم شرائط وصفات محددة.
ثانياً: مكاتبة إسحاق بن يعقوب:

أ-نصها

قال إسحاق بن يعقوب: سألت محمد بن عثمان العمري رحمه الله (سفير الإمام الحجة عجل الله فرجه) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: "... وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله..."2.

ب-السند

هذه الرواية عبّر عنها بالمكاتبة، وهي كالاستفتاء الخطي في هذا الزمن، حيث كان الفقهاء يبعثون برسائلهم إلى الإمام عجل الله فرجه عبر أحد سفرائه، ويأتي الجواب وعليه ختم الإمام عجل الله فرجه وقد أورد هذه المكاتبة أجلّة الفقهاء، واعتمدوا عليها في الاستدلال.

ج- دلالتها

وهذه الرواية أوضح من سابقتها في الدلالة على ولاية الفقيه، لأنَّ الحوادث الواقعة المراد بها هنا: الأمور المستجدة التي يرجع فيها الناس عادة إلى أئمتهم ورؤسائهم، وليس الرجوع من أجل معرفة الأحكام فقط، فالرجوع من أجل معرفة الأحكام كان جارياً ومعروفاً وليس بحاجة إلى استفهام وسؤال، فمن المستبعد جداً أن يكون السؤال عن شيء واضح، إنَّما السؤال إلى من يُرْجَع في الأمور المستجدة والحادثة.

وليس المراد من رواة الحديث مجرد نقل الرواية والتحديث، وإنّما المراد "بالرواة" هم الفقهاء الذين يروون الحديث ويطبقونه ويستنبطون منه الأحكام, لأنّهم القادرون على إعطاء الأحكام في الحوادث الواقعة والمستجدة والتعاطي معها.

وقوله عليه السلام: "فإنَّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" يستفاد منه أنَّ معنى الحجة واحد، وذلك لورودها ضمن سياق واحد, فكما أنّ الأئمة عليهم السلام حجة في أوامرهم ونواهيهم وأحكامهم، فكذلك الفقهاء هم حجة في أوامرهم ونواهيهم وأحكامهم باعتبارهم رواةً للأحاديث بالمعنى الذي ذكرناه.
 
للمطالعة
ولاية الفقيه ولاية الله وحاكميته

القرآن يصطلح على كل ولاية غير ولاية الله بالطاغوت. فهو يؤكِّد أنَّ من لا يخضع لولاية الله وحاكميته فهو خاضع لولاية الطاغوت وحاكميته، فما هو الطاغوت؟ الطاغوت مشتق من مادة الطغيان والطغيان هو التعدي والخروج عن الحدود الطبيعية والفطرية للإنسان فلو أنَّ الإنسان الذي خلق ليصل إلى كماله الممكن خرج عن هذا الهدف فهو طاغوت. وعلى الناس أن يعيشوا وفقاً لرسالة الله ودينه. وهذا أمر طبيعي وفطري ومطابق لخلقة الناس، والطاغوت هو ذلك الشخص الذي يستخدم مختلف الوسائل من أجل أن يجعل الناس يسيرون على خلاف نهج الله ورسالته ودينه. وعلى الإنسان أن يسعى بكل ما أوتي من قوة من أجل أن يجعل وجوده مثمراً منتجاً، وكل دافع يتنافى مع جدية الإنسان وجهاده وكدحه ويدعوه إلى الكسل والتواني والخمول وطلب العافية فهو الطاغوت، وعلى الناس أن يخضعوا لشريعة الله ورسالته ومنهجه وكل من يمنع الإنسان عن طاعة أمر الله ويدعوه إلى المعصية فهو طاغوت. إذاً، فليس الطاغوت اسماً خاصاً, وليس صحيحاً ما يتخيله البعض من أنَّ الطاغوت اسم لصنم معين. نعم، يطلق على الصنم ويسمى الصنم به لكنه ليس صنماً معيناً، وقد يكون الإنسان نفسه صنماً، وكذلك ثروته وحياته العاطلة المتراخية المترفة، وكذلك أمانيه وآماله، وقد يضع الإنسان يده بيد إنسان هو صنم يغمض عينيه ويضع كل ما لديه بيده، وقد يكون الصنم هو الذهب والفضة أو النظام الاجتماعي أو القانون. فليس الطاغوت اسماً لشي‏ء محدد خاص. والذي يستنبط من القرآن الكريم أنَّ الطاغوت مقامٌ فوق مقام الملأ وأشراف القوم والمترفين والجبارين والرهبان. وهذا بحث غير بحثنا ولسنا بصدد الحديث عنه، وعلى هذا فكل من يخرج عن ولاية الله وحاكميته فلا بدَّ أن يدخل في ولاية الطاغوت والشيطان3.

*ولاية الفقيه في عصر الغيبة، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط8، نيسان 2009، ص31-42. 


1- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء,الطبعة الثانية المصححة -  ج 101- ص 261.
2- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء,الطبعة الثانية المصححة -  ج 35-ص 180.
3- الخامنئي - علي- الإمامة والولاية - 93 - 92.

01-09-2009 عدد القراءات 14324



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات

محمد الظالمي | المسلم المؤمن

30-07-2013 | 21-41د

كل مسلم مؤمن يجب ان يكون منى غاية روحه ان تدفع بقيام دولة العدل الالهي وقيام دوله اسلامية يعز بها الاسلام واهله



جديدنا