18 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 19 صفر 1441 هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أبحاث في الولاية

طريق اختيار الحاكم في عصر الغيبة



بعد أن أوضحنا ما يرتبط بضرورة تشكيل الحكومة الإسلاميّة في عصر الغيبة، يقع البحث الآن في الطريق الذي يتمّ به اختيار الحاكم الإسلامي، وكيفيّة تحقّق القيادة والولاية له، فهل مقام الولاية كمقام النبوّة والإمامة اختيار الهيّ ومنصب ربَّاني؟ أو إنّ للمسلمين اختيار أيّ شخص جامع للشرائط لمقام القيادة والولاية؟

وبعبارة أخرى: هل مقام القيادة والولاية تنصيبيّ أو انتخابي؟ وهنا نظريّتان لا بدّ من تحليلهما وبيان أدلّتهما.

نظريّة الانتخاب

بالنسبة للإمامة مع وجود إمام معصوم منصوب - كما هو الحال بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام والأئمَّة المعصومين عليهم السلام من أبنائه - لا تصل النوبة إلى الانتخاب، ولو فرض أنّه تمّ انتخاب غيرهم، فلا تكون طاعتهم واجبة، بل تكون الطاعة لمن نصَّبه الله عزّ وجلّ. أمّا في زمن الغيبة، حيث لا ينبغي تعطيل الإمامة بمعناها العام، وحيث كان من الواجب إقامة الحكومة الإسلاميّة في كل عصر ومصر، فإن قلنا بأنّ التنصيب قد صدر من الأئمّة عليهم السلام للفقهاء العدول الجامعين للشرائط فلا تصل النوبة للانتخاب، وإن قلنا بعد قيام الدليل على ثبوت التنصيب العام للفقهاء فإنّ النوبة تصل إلى عملية الانتخاب من قِبل الأمّة، وهي لا بدَّ أن تنتخب الفقيه الجامع للشرائط، ويجب على الناس التعرُّف إليه قبل انتخابه.

وعلى أيّ حال، فالمتيقَّن في عصر الغيبة هو حكومة الفقيه الجامع للشرائط، سواءٌ أكان بالتنصيب من قِبل الأئمّة عليهم السلام، أم بالانتخاب من قِبل الناس، وعليه فالروايات الواردة حيث لم تتمَّ دلالتها على تعيين الفقيه للحكم والولاية، واقتصرت دلالتها على تقدّم الفقيه على غيره، وأنّه هو الصالح أو الأصلح من غيره لإدارة أمور المجتمع، فإنّ النوبة تصل إلى الانتخاب، فإنْ عمِل الناس بوظيفتهم كانت شؤون الولاية من باب الحسبة للفقيه1.

أدلّة نظريّة الانتخاب

نذكر هنا بعض الأدّلة التي ذُكرت لإثبات صحّة انعقاد الإمامة بالانتخاب:

1- السيرة العقلائيّة:
لقد قامت سيرة العقلاء في كلّ زمان ومكان على إيكال بعض الأمور والأعمال التي لا يمكن للإنسان مباشرتها بنفسه إلى آخرين، ومن جملة هذه الموارد: الأمور التي يحتاجها المجتمع بكلّ أفراده وطبقاته، فالوالي هو موكَّل من قِبل الناس ونائب عنهم في إجراء الأمور العامّة، إذاً وجود الوكيل والنائب هو أمر عقلائيّ موجود في كلّ عصر، وقد أمضاه الشارع المقدَّس2.

مناقشة دليل السيرة العقلانية:
وفقاً لما تقدّم في الدروس السابقة، فإنّ حقَّ الولاية والحكومة على الناس هو في الأصل لله عزَّ وجلَّ، وهو الذي له الولاية على كافّة الموجودات، ومن جملتها الإنسان، ومن له الولاية في طول ولاية الله إنّما هو من جعله الله والياً، وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام . وطبقاً للأدلّة الواردة في تعيين الولاية للفقهاء - والتي ستأتي في الدرس القادم - الواجدين للشرائط، لا يبقى للكلام عن نظريّة الانتخاب أيّ محل، لأنّ انتخاب الوكيل أو النائب وإيكال الأمر إليه إنّما يصحّ في المورد الذي يكون للموكِّل الحقّ في مباشرة العمل بنفسه، أمّا إن كان العمل الكذائي لا يقع تحت سلطة الشخص فأيّ معنى لإيكاله إلى الغير؟! لذا من يريد أن يجعل الآخر وليّاً على نفسه لا بدّ وأن تكون الولاية حقّاً ثابتاً له، والأمور التي يتدخّل بها الوليّ الفقيه هي من الأمور الاجتماعيّة التي لا يحقّ لآحاد الناس التدخُّل بها والتصرّف فيها، بل هي خارجة عن اختيار الناس وسلطتهم، والحكم موكول لمقام الولاية، وعليه فمن له حقُّ التصدِّي هو من كان منصّباً من قِبَل الأئمّة عليهم السلام، فولاية الفقهاء كولاية النبي والأئمّة إنّما تكون بالتعيين لا بالانتخاب.

2- الآيات والروايات التي تتحدّث عن الشورى3:
قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ4. والاستدلال بها من جهة أنّ كلمة (أمر) إمّا أنّ المراد منها خصوص الحكومة بالانصراف، أو أنّ الحكومة هي القدر المتيقّن منها وعن الإمام علي عليه السلام: "وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجلٍ وسمَّوه إماماً، كان ذلك لله رضا"5.

مناقشة دليل الشورى:
إنّ موضوع الشورى في الآية إنّما هو عبارة عن الأمور التي أُوكِل أمر البتّ فيها إلى المؤمنين، بقرينة إضافة الضمير (هم) إلى كلمة (أمر)، وليس معلوماً كون مسألة القيادة قد أوكل أمرها إلى انتخاب الناس.

أمّا كلام الإمام علي عليه السلام، فهو قسم من رسالة له إلى معاوية، يريد فيها الإمام إثبات أحقّيّته بالخلافة، من خلال التمسّك بما يعتقد به معاوية نفسه، وهو كون أمر الخلافة أمراً انتخابياً، ومن الطبيعي أن يعتمد الإنسان في مقام الاحتجاج على المخالف له بما يقبله ويعتقد به الطرف الآخر، وإلا فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول في نهج البلاغة، في الخطبة الشقشقيّة: "أمَا والله، لقد تقمّصها فلان، وهو يعلم أنّ محلّي منها محلَّ القطب من الرحى"6.

وعليه، فكلام الإمام عليه السلام إنّما هو في مورد المحاججة على من كان يعتقد بنظرية الاختيار وعدم وجود نصّ إلهي على الولي.

نعم، في فرض عدم ثبوت نصٍّ يدلّ على ثبوت الولاية لشخص من الأشخاص، يمكن الاستفادة من هذه الرواية لإثبات صحّة انتخاب الحاكم الإسلامي.

3- آيات وروايات البيعة:
ورد العديد من الآيات التي تتحدَّث عن قيام الناس بالبيعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبيّة7، وما بعد فتح مكّة8، وقد ورد في الروايات أيضاً قصّة البيعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم9، وكذلك وردت روايات تتحدَّث عن مبايعة الناس لأمير المؤمنين عليه السلام 10، وللحسن والحسين عليهما السلام11، ومبايعة الناس لصاحب العصر والزمانعجل الله تعالى فرجه الشريف بعد ظهوره12، فهذه الروايات تدلُّنا على اهتمام الشريعة الخاصّ بأمر البيعة وتأثيرها ودورها في تحقُّق الولاية.

إنّ البيعة هي معاملة بين طرفين، هما أفراد المجتمع والقائد، وبموجب هذه المعاملة تصبح أموال الأفراد وإمكاناتهم تحت اختيار القائد، ويتعهّد القائد بالعمل بمصالحهم في الأمور الاجتماعيّة، فالبيعة بعد المحاورة ورضا الطرفين تكون وسيلة لإنشاء وإيجاد الحكومة. وعليه، فكما أنّ القيادة والولاية تكون بالتنصيب الإلهيّ، كذلك تكون بانتخاب الأمّة وبيعتها، أي إنّ الولاية تتحقّق بالبيعة إجمال13.

مناقشة دليل البيعة:
إنّ الجواب على هذا الدليل يظهر أيضاً من خلال ما تقدّم في الجواب عن الدليل الأوّل من أدلّة هذه النظريّة، لأنّ شأن الولاية والحكومة ليس من الأمور التي تقبل الإنشاء والإيجاد، وليست الولاية على الأموال والأنفس من الأمور التي تحصل بتوسّط البيعة، وما حصل في التاريخ من البيعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام إنّما هو تأكيد للولاية الإلهيّة التي يمتلكونها (صلوات الله عليهم).

مضافاً إلى ذلك، إذا كانت البيعة عبارة عن اتّفاق بين طرفين، فقد تكون ضمن دائرة محدّدة من الصلاحيّات التي يحصل عليها التوافق بين الطرفين، وهي عبارة عن (الوكالة)، ولا تثبت بها (الولاية المطلقة) للفقيه والحاكم الإسلامي.

نظريّة التعيين

تبنى هذه النظريّة على النصّ العام للمعصومين عليهم السلام على الفقهاء جامعي الشرائط في زمان غيبة المعصوم، ويمكن لأيّ فقيه جامع للشرائط أن يتصدّى لشؤون الحكومة الإسلاميّة، وتجب على الناس طاعته، حتى لمن لا يقلدّه منهم، وعلى أساس هذه النظريّة يكون التنصيب العام للفقهاء كالتنصيب من قِبل الله عزّ وجلّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام، فهي ولاية من قِبل الله، لأنّ كلّ ولاية لابدّ وأن تنتهي إلى الله عزّ وجلّ. وعليه، فمتى قام أحد الفقهاء الجامع للشرائط بالتصدّي لأمر الحكومة، فأدلّة الولاية تصبح منجّزة في حقّه، ويتعيّن لمقام الولاية، ولا يحقُّ لأحدٍ مزاحمته أو التخلّف عن حكمه. وهذه النظريّة كانت رائجة، ولا سيّما في زمان الشيخ كاشف الغطاء وتلامذته، وكذلك لدى أعلام آخرين، كالملا أحمد النراقي والسيّد بحر العلوم وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري، وقد ذكروها في كتبهم14.

ويوضِّح الإمام الخميني قدس سره مسألة تعيين الفقهاء من قِبل الإمام المعصوم بقوله: "عن الإمام الصادق عليه السلام: إنّ من كان جامعاً لهذه الشرائط فهو معيّن من قبلي لأمور الحكومة والقضاء ولا يصحُّ لمسلم الرجوع إلى غيره... إنّ هذا الأمر الصادر من الإمام هو أمرٌ كلّي وعام"15.

إنّ ما تفيده الروايات الواردة نحو: "فللعوام أن يقلّدوه"16، "فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً"17، "فإنّهم حجّتي عليكم"18، أنّ الفقهاء منصَّبون من قِبل الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في أمور ثلاثة: الفتوى، القضاء، والولاية والقيادة، وليس الأمر موكلاً إلى الناس كي ينتخبوا قائداً وحاكماً، بل يرجع أمر مثل هذا التعيين لله عزّ وجلّ ولنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي في الدروس القادمة بيان الأدلّة على ثبوت الولاية للفقهاء في هذه المناصب الثلاثة.

حكومة القانون الإلهي

الحكومة الإسلاميّة ليست كأيّ نوع من أنماط الحكومات الموجودة، فهي - مثلاً- ليست استبداديّة19، بحيث يكون رئيس الدولة مستبدّاً ومتفرّداً برأيه، ليجعل أرواح الشعب وأمواله ألعوبة يتصرّف فيها بحسب هواه، فيقتل من يشاء، ويُنعِم على من يشاء، ويَهب من يشاء من أموال الشعب وأملاكه... فالحكومة الإسلاميّة ليست استبدادية ولا مطلقة، إنّما هي مشروطة20. وبالطبع، ليست مشروطة بالمعنى المتعارف عليه هذه الأيام، حيث يكون وضع القوانين تابعاً لآراء الأشخاص والأكثريّة، إنّما مشروطة من ناحية أنّ الحكّام يكونون مقيّدين في التنفيذ والإدارة بمجموعة من الشروط التي حدّدها القرآن الكريم والسنَّة الشريفة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ومجموعة الشروط هي تلك الأحكام والقوانين الإسلاميّة نفسها التي يجب أن تُراعى وتنفّذ. ومن هنا فالحكومة الإسلاميّة هي "حكومة القانون الإلهي على الناس".

الفرق الأساسي بين الحكومة الإسلاميّة وبين حكومات الملكيّة المشروطة21 والجمهورية يكمن في كون ممثّلي الشعب أو الملك هم الذين يقومون بعملية التشريع في مثل هذه الأنظمة، بينما في الحكومة الإسلاميّة يختصّ التشريع بالله تعالى فقط. فالشارع المقدّس في الإسلام هو السلطة التشريعيّة الوحيدة، ولا يحقُّ لأحدٍ وضع القوانين، ولا يمكن وضع أيّ قانون موضع التنفيذ غير حكم الشارع، لذا في الحكومة الإسلاميّة وبدلاً من "مجلس التشريع" الذي يشكّل إحدى السلطات الثلاث في الحكم يكون هناك "مجلس تخطيط" يضع الخطط لمختلف الوزارات من خلال أحكام الإسلام، وتحدّد كيفيّة أداء الخدمات العامّة في جميع أنحاء البلاد من خلال هذه المخطّطات.

* كتاب في رحاب الولاية، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- المباني الفقهيّة للحكومة الإسلاميّة (فارسي)، ج2، ص190، نشر تفكر.
2- م. ن، ج2، ص284.
3- المباني الفقهية للحكومة الإسلاميّة، م. س، ج2، ص287.
4- الشورى، 38.
5- نهج البلاغة، الكتاب 6.
6- نهج البلاغة، خطبة 3.
7- يراجع سورة الفتح، الآيات 15 - 18.
8- الممتحنة، 12.
9- مجمع البيان، الطبرسي، ج5، ص117.
10- الاحتجاج، الطبرسي، ج1، ص34-41.
11- الإرشاد، المفيد، ص170-186.
12- الغيبة، النعماني، ص175-176-181.
13- المباني الفقهيّة للحكومة الإسلاميّة، ج2، ص305-324.
14- الفقه السياسي، عباس علي عميد زنجاني، ج2، ص 108 (فارسي).
15- الحكومة الإسلاميّة، الإمام الخميني قدس سره، ص105.
16- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج18، ص95، 99، 101.
17- م. ن.
18- م. ن.
19- الحكم الاستبدادي هو الذي لا يكون للشعب فيه ممثل أو حقّ التصويت، ويكون فيه محروماً من أيّ سهم من إدارة أمور البلاد. ومن علامات هذا النظام: عدم محدوديّة سلطة الحاكم من الناحية القانونيّة، ووجود سلطة مركزيّة تقضي على نحو من المعارضة.
20- المشروطة هي نوع من نظام الحكم، تكون فيه سلطة الحكومة ناشئة من اعتراف الشعب، وتكون مشروطة ومحدودة وفقاً لأصول معيّنة وقابلة للتطبيق، ويكون الدستور المرجع والمستند الأعلى للإدارة، حيث يعترف فيه باحترام الحقوق الأصليّة والأساسيّة لجميع الأفراد والمجموعات. والحكومة المشروطة تكون بشكلين أساسيين، هما: الملكي والجمهوري. وصلاحيّات رئيس الجمهوريّة في نظام المشروطة أقل من صلاحيّات الملك.
21- الملكيّة شكل من أشكال الحكم، يحمل فيه رئيس البلاد اسم الملك أو الملكة، وخصوصيّة هذا النظام وراثة الحكم، وإن كان يتمّ أحياناً على شكل انتخابٍ من قِبل الملك أو آخرين. والحكومة الملكيّة تارةً تكون غير محدودة، وتكون فيها جميع سلطات الدولة بيد الملك، وتصدر السلطات الثلاث عنه، فتسمى حكومة مطلقة، وأخرى تحدّد صلاحيّات الملك بواسطة مجلس تشريعي، ويفوّض وضع القوانين لممثّلي الشعب، وهذا النوع من الحكومة يسمى بالسلطة المشروطة.

19-12-2013 عدد القراءات 4868



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا