8 كانون الأول 2019 م الموافق لـ 11 ربيع الثاني 1441 هـ
En FR

المغترب :: زاد المغترب

معنى العقيدة



العقيدة في الأصل مأخوذة من "عَقْد" الذي يعني الإحكام والشد والربط، تقول: "عقدت الحبل" إذا أحكمته أو شددته أو ربطته.

ونصطلح عليها هنا: بالمعلومات التي تربط بالعقل ويتقبّلها ويعتقد بها بنحو قطعي يقيني، فتصبح محكمة ومشدودة ومربوطة بعقله، ونقصد بها أصول الدين، وهي: التوحيد، العدل، النبوة، الامامة والمعاد.

دور العقيدة في حياة الإنسان‏

إنّ‏َ عقيدة الإنسان هي الأساس لجميع توجهاته وسلوكه في الحياة، فهي التي تحفزه للعمل وتحدد اتجاهه وتدفعه للانتاج، ومن المؤكد أنه ليس هناك فكر يفوق الإسلام في تقديره للعقيدة، فالعقيدة في الإسلام هي الميزان لتقويم الأعمال، حتى الصحيحة منها فإنها تعتبر فاقدة لقيمتها ما لم تنبعث عن عقيدة صحيحة.

عن الإمام الباقر عليه السلام : "لا ينفع مع الشك والجحود عمل" 1 ، فصحة العمل وفائدته ودوره في تكامل الإنسان أمور مرتبطة بصحة عقيدة العامل، فإذا لم تتوفر سلامة عقيدته وكان منكراً لما هو حق، أو سيطر عليه الشك، فإنّ‏َ هذا الإنسان لا يملك دافعاً للعمل الصحيح، فالعقيدة السويّة هي التي توجّه نحو العمل وتحدد ارتباطه وبالتالي قيمته.

لذلك، فإنّ من وجهة النظر الإسلامية أول ما يُطرح على الإنسان أي إنسان بعد مماته ولدى دخوله عالم الاخرة من استجوابات مبدئية للتسجيل في ملف أعماله هو السؤال عن العقائد، لا عن العمل، من هو ربّك وإلهك الذي تؤمن به؟ وما هو دينك الذي تعتقد به؟ ومن هو نبيّك وأسوتك التي أتّبعتها في حياتك؟.

لذا على الإنسان أن يتعرّف على ربّه ويعتقد به، ويعرف دينه ويسير على نهجه وصراطه، ويعرف نبيه وأسوته فيتبعه.

طرق المعرفة

سهّل الله عز وجل للإنسان الطريق والسبيل لمعرفة العقائد الصحيحة، وذلك حبّاً بهذا الإنسان ورحمة به، وجعل الطرق اليه سبحانه وتعالى بعدد أنفاس الخلائق، حيث جعلها سهلة العبور، يسيرة التناول، واضحة المعالم، منسجمة مع طبيعته وفطرته، يهتدي إليها عند التنبّه والإلتفات، كما أودع في الإنسان قدرات وإمكانات يستطيع من خلالها تحصيل العقائد الصحيحة، فما هي هذه القدرات والإمكانات؟

يمتلك الإنسان قدرات وامكانات لتحصيل ما يجهل، واكتساب المعرفة، منها:

الحواس: وهي السمع والبصر والشمّ والذوق واللمس، فيعرف ما يجهله عن طريق إحدى الحواس، فيدرك بعقله معاني الكلمات بعد سماعها، وجمال الطبيعة عند رؤيتها، وزكاوة الرائحة عند شمّها وحلاوة العسل عند تذوقه، وحرارة النار عند لمسها.

وتسمى هذه النعم الإلهية التي رزقنا الله إياها بالقدرة الحسية، ويمكن من خلالها إدراك كل ما يقع تحتها وضمن حيازتها.

العقل: وهو ما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات التي لا تعقل، وبه شرفه الله عز وجل على سائر الموجودات، فيدرك وجود الأشياء التي لا يطالها سمعه أو بصره أو باقي حواسه، فيدرك أنّ‏َ هذا السلك يحمل الكهرباء مع أنه لم يرها ببصره، لكن رأى أثرها وهو النور المنبعث من ذلك المصباح المضي‏ء.

وتسمى هذه القدرة بالعقل أو القدرة العقلية.

ويستطيع الإنسان بما يمتلك من قدرات وامكانات الوصول الى العقائد الحقّة بطريق سهل ويسير، لأنها كما أشرنا تنسجم مع فطرته الصافية وعقله السليم.

معرفة الله عز وجل‏

يمكن للإنسان أن يسخّر ما وهبه الله عز وجل من قدرات وامكانات ويجعلها سبلاً للوصول الى معرفة الله سبحانه وتعالى، وقد أرشد الله سبحانه وتعالى اليها في كتابه الكريم فقال عز من قائل "سَنُرِيهِمْ ايَاتِنَا فِي الْافَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق" 2 .

السبيل الأول:
لو توجهت بحواسك لافاق العالم من حولك، وما فيه من المخلوقات التي تحيط بنا من شمس وقمر وكواكب وحركتها وتعاقب الليل والنهار وجريان الرياح وفوائدها، كلّ‏ُ ذلك في نظام دقيق خال من أي تناقض أو تضارب، لأدركنا بشكل واضح وجلي، أنه يستحيل أن تُوجد من دون خالق مبدع أخرجها من ظلمة العدم الى نور الوجود، وجعلها ضمن هذا النظام المتناهي في الدقة، وهذا الخالق هو الله جل وعلا.

وإلى هذا يرشد القران الكريم: ﴿إِنّ‏َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ‏َ فِيهَا مِن كُلّ‏ِ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون3 .

تبرز هذه الاية القرانية المباركة الايات العلامات الدالة على الخالق المتعالي جل اسمه:

ــ من سماوات تحوي مليارات الشموس والأجرام التي يُرى بعضها بالعين المجردة وبعضها الاخر بالتلسكوبات،والتي تنتظم مع بعضها ضمن نظام مترابط.

ــ والأرض بما عليها من حياة تتجلى بمظاهر مختلفة بالاف الانواع من الحيوان والنبات.

ــ وتعاقب الليل والنهار، والظلمة والنور بنظام خاص، فينقص أحدهما بالتدريج ليزيد الاخر، وما يتبع من تعاقب الفصول الأربعة، وتكامل النبات وسائر الأحياء، فلو انعدم هذا التعاقب لانمحت الحياة عن وجه هذه الأرض.

ــ وطفو السفن في البحار والمحيطات وجريانها بواسطة الرياح التي تهب ضمن نظام خاص من القطبين الشمالي والجنوبي نحو خط الاستواء وبالعكس، وتعتبر هذه الرياح قوة طبيعية لتحريك السفن العملاقة التي تشبه المدن العائمة، ولم يقلل من أهميتها استعمال المحركات الوقودية في وقتنا الحاضر.

ــ والمطر النازل الذي يحيي الارض فتدبّ فيها الحياة وتهتز ببركته وتنمو النباتات وتحيا الدواب بحياة هذه النباتات.

ــ وتصريف الرياح من جهة الى جهة لا على سطح البحار والمحيطات لحركة السفن فحسب، بل على اليابسة أيضاً لتلقيح النباتات وتلطيف المناخ، ولمنع تراكم السموم في الفضاء.

ــ والسحب المتراكمة في أعالي الجو، الحاملة لالاف الاطنان من المياه المسخر والمخلوق لمصلحة هذا الانسان.

كل هذه العلامات والمظاهر البيّنة التي ندركها بحواسنا، دليل واضح وجلي على عظمة هذا الخالق المبدع بما لا يقبل شكاً ولا ريباً، وكأنّ هذه الكائنات تقول: هل يمكن اجتماع كل هذه العوامل والمخلوقات بمحض الصدفة، ودون وجود خالق أوجدها ورتّبها ونظّمها.

السبيل الثاني:
لو تدبر الانسان في هذا الوجود لأدرك بشكل واضح وجلي أنه لا بد من موجد وخالق لهذا الكون فيستحيل أن يوجد شي‏ء من دون موجد، وهذا معلوم بالبداهة ويدرك هذا المعنى حتى الطفل، فلو وضعت يدك على كتفه دون أن يراك لتنبه إليك والتفت نحوك، كل هذا لأنه يدرك بشكل بديهي أنه لا بد من شخص سبّب وفعل هذا اللمس على كتفه.

وقد أرشد الله عز وجل الى هذا المعنى بقوله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ 4 .

فهاتان الايتان القرانيتان المباركتان تطرح تساؤلات واحتمالات حول مبدأ ومُوجِد هذا العالم:

ــ الاحتمال الأول: أن تكون الكائنات البشرية قد وجدت لوحدها من دون خالق، وبطلانه واضح، كمن يدّعي أن هذا البناء الذي نقيم فيه، قد وجِد من تلقاء نفسه فتجمعت حجارته وحديده واسمنته فكان هذا البناء المشيّد.

ــ الاحتمال الثاني: أن تكون هذه الكائنات خالقة لنفسها، وهو باطل أيضاً لأن معنى أن يوجد الشي‏ء نفسه أن يكون موجوداً قبل وجوده حتى يُوجد نفسه، فإذا أفترضنا أن الإنسان هو الموجد لنفسه فهذا يعني أنه كان موجوداً قبل وجوده حتى يستطيع إيجاد نفسه، وهذا مستحيل.

ــ الاحتمال الثالث: أن تكون هذه الكائنات هي الموجدة للسماوات والارض، وهو واضح البطلان أيضاً، فالانسان العاجز عن خلق نفسه وعن خلق مثله، كيف يستطيع أن يُوجد ما هو أعظم منه خلقاً.

إذن هناك عالم حي غني عن العالمين قادر على كل شي‏ء، هو الخالق الموجد المبدع وهو الله عز اسمه.

وقد أرشد إلى هذه الحقيقة ودل عليها أمير المؤمنين عليه السلام حينما سُئل عن إثبات الصانع، فقال: البعرة تدل على البعير، والروثة تدل على الحمير، واثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة كيف لا يدلان على اللطيف الخبير5؟

*زاد المغترب, سلسلة المعارف الإسلامية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الكافي الكليني ج‏2 ص 400.
2- سورة فصلت الآية: 53.
3- سورة البقرة، الاية: 164.
4- سورة الطور، الايتان: 35 36.
5- بحار الأنوار العلامة المجلسي ج‏3 ص‏55.

06-02-2013 عدد القراءات 7966



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا