26 أيلول 2020 م الموافق لـ 08 صفر 1442 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: كلمات وحقوق

حق النفقة



التحديد الشرعي للنفقة
لم يقدِّر الشرع الحنيف حدوداً دقيقة للنفقة الواجبة على الزوج تجاه زوجته, بل جعل مرجعية تحديد ذلك إلى ما تحتاجه المرأة من طعام وشراب ولباس وفراش وسكن وتجهيزات بيتية, وقد لاحظ الفقهاء في حق النفقة الإلزامي ما هو متناسب مع أمثال الزوجة في بلدها وبيئتها من نوعية السكن والثياب والفراش, بل اللافت قول الإمام الخميني{ في تحرير الوسيلة: "وأما الإخدام, فإنما يجب إن كانت ذات حشمة وشأن من ذوي الإخدام, وإلا خدمت نفسها, وإذا وجبت الخدمة, فإن كانت من ذوات الحشمة, بحيث يتعارف من مثلها أن يكون لها خادم مخصوص لا بد من اختصاصها به".
وعلى كل حال فالعرف هو مرجعية تحديد النفقة.

لماذا وجبت النفقة على الرجل؟
حتى يسعد الزوجان في حياتهما في أجواء أسرة متماسكة مطمئنة لا بدَّ من توزيع المهامّ الزوجية بينهما بشكل يتلاءم مع طبيعة كلٍّ منهما على الصعيدين الجسدي والنفسي, لذا لا بُدَّ من ملاحظة أنَّ الزوجة تمتاز من زوجها بعدة نقاط أهمها:

1- البنية الجسدية: فقد منح الله تعالى المرأة خصوصيات في بنيتها الجسدية تختلف بها عن بنية الرجل لأسباب عديدة منها: أنّها هي المؤهَّلة للحمل أشهراً عديدة, وهذا ما قد يعيق حركتها, ويبعدها عن الأعمال الشاقَّة, بخلاف الرجل في ذلك.

2- العاطفة: فقد غرس الله تعالى فيها عاطفة غير موجودة في نوع الرجال, ولعل الغاية الأساسية من الغرس الرباني هذا هي استمرار الجنس البشري؛ إذ لولا عاطفة المرأة لما سعت للحمل والتربية في عذاب لا تقرأ فيه الألف المتوسطة بين الذال والباء, فتراه عذباً بمنظار عاطفتها التي هي بحاجة ضرورية للأولاد, لا تقل عن الحاجة إلى الطعام والشراب, وبدونها قد يتعرض الولد لنكسات تظهر في مستقبل حياته.

إنَّ ملاحظة هذين الأمرين ترجِّح الأم على الأب في موقع الاهتمام بالعناية بالأولاد، وتُحمِّل الأب مسؤولية العمل خارج المنزل عند الحاجة لتأمين أمور المعيشة.
وفي هذا السياق ورد عن الإمام الباقر عليه السلام بأنّ رسول الله صلى الله عليه واله وزَّع الأدوار بين الإمام علي عليه السلام والسيدة الزهراء عليها السلام فـ"قضى على فاطمة عليه السلام بخدمة ما دون الباب, وقضى على علي عليه السلام بما خلفه".

إضافة إلى ذلك, فإنّ تربية الأولاد بحاجة إلى تركيز الاتجاه من قبل المعني بالتربية, إذ هي متعلقة بصناعة الإنسان, وعليه فإنّ تفرَّق اللبّ والتركيز في المسؤولية المهمة, يؤثِّر بشكل سلبي على موضوع التربية.
من هنا قد يُقال من باب الأصل والمبدأ: إنَّ كل عمل, أو نشاط أو علاقة يؤثِّر في موضوع تربية المرأة لأولادها ينبغي أن يُترك لصالح مهمة التربية.

إلا أنّ هذا لا يعني أنّ أمر التربية محصور بالأم, ويقتصر الأب على كونه "بنكاً" اقتصادياً, إذ المطلوب من الأب أن يشارك الأم هذه التربية سواء:
1 - بالإمداد العاطفي كما حثّ الإسلام على ذلك مخبراً عن ثواب قبلة العاطفة للولد, فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله "من قبّل ولده كتب الله له حسنة".
2 - أو باللعب معه في السنِّ التي يحتاج فيها الطفل إلى اللعب, فـعن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله "من كان عنده صبي, فليتصاب له".
3- أو بتأديبه, فـ "لئن يؤدِّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كل يوم بنصف صاع".
4- أو بتعليمه المدرسي, فـ "من حق الولد على والده ثلاثة, يحسِّن اسمه, ويعلِّمه الكتابة ويزوِّجه إذا بلغ".
5- أو بتحصينه العقائدي, تلبية لدعوة الإمام الصادق عليه السلام: "بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليه المرجئة".
6- أو بتغذيته الفقهية, حتى لا يصيبه الويل الذي حذَّر منه رسول الله صلى الله عليه واله الآباء الذين لا يعلِّمون أولادهم شيئاً من الفرائض, فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه واله أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: "ويل لأطفال آخر الزمان من آبائهم! فقيل: يا رسول الله مِنْ آبائهم المشركين؟ فقال صلى الله عليه واله: لا من آبائهم المؤمنين, لا يعلِّمونهم شيئاً من الفرائض, وإذا تعلموا منعوهم, ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا, فأنا منهم بريء وهم مني براء".
7 - أو بتعليمه الصلاة, تلبية لأمر أمير المؤمنين عليه السلام: "علموا صبيانكم الصلاة, وخذوهم بها إذا بلغوا ثماني سنين"
8 - أو بتدريبه على السباحة والرماية عملاً, بتوصية الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "علموا أولادكم السباحة والرماية" أو غير ذلك من مواكبة الأب لأولاده.
ولكن مع ذلك كله يبقى الدور الأبرز في التنشئة السلمية هو للأم, من هنا أراد الله تعالى أن يكون اتجاهها مركِّزاً على البيت والأولاد أكثر من الأب.

كرم الزوج
إنَّ ما تقدم من كلام عن النفقة كان في الإطار الحقوقي الذي ينبغي أن لا يكون القاعدة والأصل في تعامل الزوج مع زوجته, بحيث يُخرجه ذلك عن قيمة مهمة من قيم الإسلام الإنسانية وهي قيمة الكرم التي أحبَّها الله تعالى بما تمثِّل من تجلٍّ للكرم الإلهي, ففي الحديث, "إنّ الله كريم يحب الكرم", بل إن في بعض المرويَّات عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "كرم الرجل دينه", وعن الإمام علي عليه السلام:" نعم الخلق التكرّم".

والكرم الحقيقي ليس عطاء السائل, بل العطاء قبل السؤال, فقد ورد أنه سئل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: ما الكرم؟ فأجاب عليه السلام: "الابتداء بالعطية قبل المسألة...", وفي رواية أخرى: "أمَّا الكرم فالتبرع بالمعروف والإعطاء قبل السؤال".

وقد ورد في بعض الأحاديث الحثُّ على تفعيل الكرم في دائرة العائلة, مبيّنة أنّ ذلك مستنزل للأجر والثواب, فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله:"إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة, فإنك تؤجر فيها".

بل ورد أنه قيل للنبي الأعظم صلى الله عليه واله:"يا رسول الله, النفقة على العيال أحبّ إليك أم النفقة في سبيل الله ؟ فأجاب صلى الله عليه واله: "درهم ينفقه الرجل على العيال أحبّ إليَّ من ألف دينار ينفقه في سبيل الله".

وفي المقابل فإنّ من صفات الزوج المبغوضة عند الله البخل الذي يصل إلى حد إلجاء الزوجة إلى غير زوجها طالبة المساعدة منه, ففي حديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ألا أخبركم بخير رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله, قال صلى الله عليه واله: "إنّ خير رجالكم التقيُّ النقيُّ, السمحُ الكفين, النقيُّ الطرفين, البرُّ بوالديه, ولا يلجئ عياله إلى غيره". وفي هذا الإطار ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله:"ملعون ملعون من ضيَّع من يعول"

التقدير في المعيشة
ومما يساعد على سعادة الزوجين لا سيَّما في حال الضيق المادي هو حسن التدبير والتقدير في المعيشة والذي ينبغي للمرأة أن تكون المساهم الأول فيه, فلو استقام أمر المعيشة, فإنّ كثيراً من الصعاب التي تواجهها الكثير من الأسَر الفقيرة إنما هي بسبب سوء التدبير أكثر مما هي بسبب قلة المدخول المادي, وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: "...الرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال ".

وبما أنّ هدف الإسلام من توجيهاته هو سعادة الإنسان, وبما أنّ حسن التدبير جالب لهذه السعادة, ربطت روايات أهل العصمة عليهم السلام الإيمان بحسن تقدير المعيشة, فعن الإمام الباقر عليه السلام: "من علامات المؤمن ثلاث: حسن التقدير في المعيشة, والصبر على النائبة, والتفقه في الدين ".

ومن أجمل ما قيل في تقدير المعيشة ما ورد في وصية الإمام زين العابدين لولده الإمام الباقر عليه السلام: "اعلم يا بني: أن صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين: إصلاح شأن المعايش ملء مكيال, ثلثاه فطنة, وثلثه تغافل...".

مبادئ تقدير المعيشة
حتى يستقيم أمر المعيشة ينبغي مراعاة المبادئ التالية:
1- مبدأ عقائدي: الإيمان بحقيقة الرزق
أكَّد الإسلام قرآناً ونصوصاً عن أهل العصمة عليهم السلام أن تقدير الرزق هو بيد الله تعالى فقال عزّ وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا.(الاسراء:30)
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون. (سبأ:36)
﴿وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ. (النحل:71)

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "وقدّر الأرزاق فكثَّرها وقلَّلها, وقسَّمها على الضيق والسّعة, فعدل فيها؛ ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها, وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيِّها وفقيرها".
وعنه عليه السلام: "عياله الخلق, ضَمِن أرزاقهم, وقدَّر أقواتهم ".

قصة نملة سليمان
ومن لطيف ما ورد في قصص نبي الله سليمان عليه السلام أنه رأى ذات يوم نملة أتت إلى شاطئ البحر, فإذا بسلحفاة بحرية خرجت من البحر وفتحت فمها, فدخلت فيه النملة, فأطبقته السلحفاة, ودخلت البحر, ونبيُّ الله سليمان عليه السلام ينظر متعحباً مما رأى. بعد مدة رجعت السلحفاة لتخرج النملة إلى الشاطئ, فإذا بنبي الله عليه السلام يسأل النملة عن تفسير ما رأى, فأخبرته بأنّ الله تعالى خلق دودة عمياء تحت صخرة صمَّاء في اللجة الظلماء, وأمرني أن آخذ لها رزقها.

شروط ضمان الرزق
إلا أنّ ضمان الرزق هذا ليس مطلقاً, بل هو للساعي والطالب, فعن الإمام علي عليه السلام: "اطلبوا الرزق؛ فإنه مضمون لطالبه"
وهذا ما يُفسّر الدعوة إلى طلب الرزق مع ضمانه بدون تناف بينهما, فعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا تدع طلب الرزق من حله؛ فإنه عون لك على دينك, وأعقل راحلتك, وتوكَّل".

من هو المرزوق؟
يُفهم من التتبع والتأمل في النصوص الدينية المباركة أنّ المرزوق لا يعني كثير المال بل هو الذي يستفيد مما منحه الله تعالى, فبمقدار ما يستفيد منه يكون مرزوقاً, فقد يكون إنسان قليلُ المال مرزوقاً أكثر من إنسان بالغ الثراء.

وعليه إذا سعى الزوج سعيه وجدَّ فيه, لكنه لم يكن كثير الرزق, فعلى زوجته أن تصبر, وتكون خير معينة له, وإن شَظُف العيش وخَشِنَ.
ومن لطيف القصص المعبِّرة عن هذا المعنى ما حكاه البعض عن قصة رجل إيراني كان قد اعتاد على سرقة أصدقائه فقط, بحيث لم يكن يتجرأ على دخول منزل لم يعهده سابقاً.

وذات مرة دخل هذا الرجل ليسرق منزل صديقه, فتفاجأ في صرخةٍ زوجته التي كانت حاملاً في شهرها الأخير, فاستيقظ زوجها وجاء جيرانهما, مما دفع السارق إلى الاختباء في مكان دافئ أدَّى إلى نومه فيه حيث شاهد مناماً يتعلق بزوجة صديقه التي رآها في ذلك المنام على وشك الولادة, فإذا بملك يخاطب جنينها قبل أن ينزل من رحمها, حيث كان يقول له: انزل, فيرفض الجنين ذلك, فسأله الملك: لماذا ترفض النزول؟ فأجاب الجنين: لا أنزل إلا بعد أن أعرف كم قدَّر الله لي من الرزق كل يوم, فأجابه الملك: ربع تومان, فقال الجنين: لا أنزل, فقال له الملك: نصف تومان, فردَّ الجنين: لا أنزل, فقال الملك: تومان كامل, فردَّ الجنين: لا أنزل, فأخذ الملك يزيد من القيمة إلى أن وصل إلى خمسة تومانات, فرفض الجنين, فإذا بالملك ينزله قهراً عنه.

وإذا - وبعد ولادة الطفل- في رحم تلك المرأة جنين آخر تكرَّر معه الحوار, حينما رفض النزول من رحم أمه
الملك: انزل أيها الجنين.
الجنين: لا أنزل.
الملك: لماذا ؟
الجنين: أريد أن أعرف كم قدَّر الله لي من الرزق في كل يوم كما عرف أخي ذلك.
الملك: ربع تومان.
الجنين: لا أنزل.
الملك: نصف تومان.
الجنين: لا أنزل. فإذا بالملك ينزله قهراً عنه.

استيقظ الرجل, واستطاع أن يخرج من منزل صديقه, دون أن يراه أحد.
تأثر الرجل بما جرى معه في تلك الليلة, فقرَّر أن يغادر تلك المدينة نهائياً تائباً من السرقة.
وبعد مضي سنوات طويلة على هجرته من تلك المدينة, قرّر الرجوع إليها. وعند مدخل باب صديقه العتيد رأى تلك المرأة التي أفزعته صرختها في تلك الليلة. سألها عن زوجها, فأخبرته بوفاته وأنه ترك ولدين ذكرين توأمَيْن.

عندها تذكر ذلك المنام الغريب, فسألها عنهما. فأجابته أنّ أحدهما رجل أعمال كبير في المدينة, والآخر بائع خضار, حالته المادية محدودة.
استفزَّه كلامها الذي قرَنَه بالمنام رابطاً بينه وبين التومانات الخمسة وربع التومان, فلعلِّ الأولى كناية عن الغنى, والثانية كناية عن الفقر. وقرَّر التأكد من الأمر بنفسه.

زار أولاً بائع الخضار الذي رحّب به كثيراً عندما عرف أنه صديق والده, ودعاه إلى مأدبة عشاء في منزله. وبعد العشاء سمع الرجل صاحب الدار يتحدَّث مع امرأته في مقدار رزقه اليومي, فتبيَّن أنه خمسة تومانات !!!

ثم زار ثانياً رجل الأعمال الذي فعل كأخيه في دعوته إلى مأدبة عشاء لبَّاها الرجل ليجدها تختلف عن مأدبة أخيه. فهي مأدبة واسعة فيها ما تشتهي النفس من ملذَّات. لكن الغريب أنّ صاحب الدار لم يجلس مع صديق والده على المأدبة, فظنَّ الرجل أنَّه يتكبَّر عليه, فرفض أن يأكل وحده, إلا أنّ صاحب الدار أصرّ على عدم المشاركة داعياً صديق والده أن يتفهّم موقفه بشكل غير سلبي, إلا أنَّ ذلك لم يُقنع الرجل الذي اعتبر موقف صاحب الدار إهانة له.

عندها قال له ابن صديقه: "سأطلعك على سرّ ذلك", فدعا خادمه طالباً منه أن يأتي إليه بطعامه الخاص, فإذا بالخادم يأتي بماء ساخن فيه عدد من سلاطعين البحر معلِّقاً على هذا المشهد المؤثِّر: "إني مريض بمرضٍ منعني الطبيب بسببه من تناول كل هذه الأطعمة سوى ماء السلاطعين".

هنا استعاد الرجل منامه ليعرف أنّ صاحب ربع التومان هو هذا, وأخوه بائع الخضار هو صاحب التومانات الخمسة؛ لأنّ الرزق هو بمقدار الاستفادة من المال, لا بمقدار كثرته.

2-مبدأ فقهي: المكسب الحلال والإنفاق غير المحرّم
أكد الإسلام على ضرورة التفات الإنسان إلى كسبه, وأنه من حلال, وإلى مصرفه, وأنه ليس في دائرة العصيان الإلهي, حتى جعل الله تعالى هذين الأمرين من الأسئلة التي يتعرض لها كل إنسان يوم القيامة, فقد ورد عن النبي صلى الله عليه واله: "لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره في ما أفناه, وشبابه في ما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه, وفي ما أنفقه, وعن حبِّنا أهل البيت عليهم السلام.

وقد اعتبر النبي صلى الله عليه واله طلب الحلال جهاداً في سبيل الله كما ورد في بعض الأحاديث بأنّ "الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله", وأنّ "من أكل من كدِّ يده حلالاً, فُتِح له أبواب الجنة يدخل من أيها يشاء".

وعطفاً على الحديث السابق عن تقدير الأرزاق, فقد ورد في الروايات ما يؤكِّد أنّ المقدَّر من الرزق هو الحلال منه, فعن الإمام الباقر عليه السلام: "ليس من نفسٍ إلا وقد فرض الله لها رزقها حلالاً يأتيها في عافيةٍ, وعرض لها بالحرام من وجهٍ آخر, فإن هي تناولت من الحرام شيئاً قاصَّها به من الحلال الذي فرض الله لها, وعند الله سِواهما فضلٌ كبيرٌ".

ومن لطيف ما ورد في حياة أمير المؤمنين عليه السلام أنه دخل ذات مرة المسجد, وقال لرجلٍ: "امسك عليَّ بغلتي". فخلع لِجامها وذهب به, فخرج علي عليه السلام بعدما قضى صلاته, وبيده درهمان؛ ليدفعهما إليه مكافأةً له, فوجد البغلة عُطُلاً, فدفع إلى أحد غِلمانه الدِّرهمين ليشتري بهما لجاماً, فصادف الغلام اللجام المسروق في السوقِ, قد باعه الرَّجل بدرهمين, فأخذه بالدرهمين, وعاد إلى مولاه, فقال عليٌّ عليه السلام: "إنّ العبد ليَحرِمُ نفسه الرزق الحلال بترك الصبر, ولا يُزاد على ما قُدِّر له".

3- مبدأ أخلاقي: القناعة وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس
أكَّد أمير المؤمنين عليه السلام في أحاديث كثيرة وردت عنه أنّ جالب السعادة ليس كثرة المال, بل القناعة بما قسم الله تعالى لعباده من الرزق، فعنه عليه السلام :
"أنعم الناس عيشاً من منحه الله سبحانه القناعة"
"القناعة أهنأ عيش"
"أطيب العيش القناعة"
"إنّ أهنأ الناس عيشاً, من كان بما قسم الله له راضياً".

ولعل أجمل ما ورد حول القناعة كلام أمير المؤمنين عليه السلام:"ابن آدم, إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك, فإنّ أيسر ما فيها يكفيك, وإن كنت تريد ما لا يكفيك, فإنّ كل ما فيها لا يكفيك".

ومقابل كون القناعة جالبة للسعادة, فإنّ الطمع والتطلع إلى ما في أيدي الناس, قد يجلب تعاسة للزوجين في حياتهما, من هنا حذَّر الإمام أبو جعفر عليه السلام من ذلك قائلاً: "إياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك, فكفى بما قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ. (التوبة:85)
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى  (طه:131). فإن دخلك شيء, فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه واله فإنما كان قوته الشعير وحلوه التمر ووقوده السعف إذا وجده".

في ضوء هذه القاعدة حذّرت بعض الروايات المرأة من الضغط النفسي على زوجها غير القادر على تنفيذ كل متطلّباتها, ومن تحميله ما لا يقدر عليه, ففي الحديث: "من كانت له امرأة ولم توافقه, ولم تصبر على ما رزقه الله وشقّت عليه, وحمَّلته ما لم يقدر عليه لم يقبل لها الله حسنة تتقي بها النار، وغضب الله عليها ما دامت كذلك".
إنّ هذا النوع من الضغط قد يؤدِّي إلى دخول الزوج في بعض المحرَّمات من أجل تأمين متطلبات الزوجة, فيكون فيه هلاكه, بل قد يؤدي ذلك إلى تدمير الأسرة.

4- مبدأ ثقافي: تمييز الاحتياجات الحقيقية في الوهمية
لم يمانع الإسلام أن يتمتَّع الإنسان بكمالات الدنيا في دائرة الحلال, فـ: "ليس الزهد أن لا تملك شيئاً, بل الزهد أن لا يملكك شيء". لكن عليه أن يكون واقعياً في نوعية مصاريفه حينما يكون قليل الموارد المالية, حتى لا يستهلك مصروفه في أوائل أيَّام الشهر في أمور كان يمكن الاستغناء عنها, ثم يبقى بعد ذلك بلا مال.

والإنسان الواعي في هذه الحالة هو الذي لا يقع فريسة الوهم في أمور يتفاعل معها بعض الناس على أنها حاجات, وهي ليست كذلك, وأَلفت هنا إلى بعض التكلّفات التي ترهق معيشة بعض الناس محدودي الموارد المالية:

من قبيل ثقافة التسوّق لأجل التسوّق, ولعلها من العادات الدخيلة على مجتمعنا, والتي أصبحت من العادات عند بعض الأُسر, فلا يقوم التسوّق على أساس الحاجات والمتطلبات, بل أضحى التسوّق كأن فيه حسناً ذاتياً.

ومن قبيل التكلُّف المحرج بقيمة الهدايا الاجتماعية, فالتهادي مستحب, ففي الحديث: "تهادوا تحابّوا", إلا أنَّه يمكن أن يُعتمد في تبادل الهدايا الاجتماعية على أمرين:
الأول: تغليب البعد المعنوي على المادي في تقديم الهدايا.
الثاني: أن يرتكز تبادل الهدايا على حاجات الآخر, وبالتالي فإن ردّ الهدايا يكون على أساس هذه الحاجات مما يوازن في أمور المعيشة.

نصائح في تقدير المعيشة
سألني أحد روَّاد المسجد الناشئة في أواخر شهر رمضان عن وجوب زكاة الفطرة على والده. سألته ماذا يعمل أبوه؟, فأجابني: موظّف, سألته: كم هو معاشه الشهري؟, فأجاب: خمسمائة ألف ليرة لبنانية. وعند سؤالي عن عدد أفراد العائلة, تبيَّن أنَّهم ستة أفراد(الوالدان وأربعة أولاد).

لا أُخفي أني تعجَّبت كثيراً من السؤال حول وجوب زكاة الفطرة على ربِّ هذه الأسرة, مع ما هو عليه من الحالة الاقتصادية المتدنِّية. لذا سألت الشاب الصغير:
هل هذا المدخول الشهري يكفي لسدِّ حاجات العائلة؟ أم أن والدك يكمل مصروفه من مصدر آخر؟ أو أنه يقترض ليُلبِّي حاجات العائلة؟
فإذا بالجواب يزيد من تعجُّبي, لا, ولا ديون علينا, والحمد لله.

حينها علَّقت على الموضوع محلِّلاً السبب في هذا الاكتفاء: الظاهر أنّ والدتك تمتاز بحسن إدارة المنزل والمصروف وتدبير أمور المعشية, فإذا به يؤكد ذلك.
قد يشعر السامع لهذه القصة العارف بطبيعة الوضع الاقتصادي في لبنان بأنّ فيها مبالغة, إلا أنّ الاطلاع على الحياة المعيشية لكثير من الناس الذين تحسبهم أغنياء من التعفف يُقرِّب واقعية هكذا معيشة, لا سيَّما حينما يكون الوالدان قد انطلقا من المبادئ السابقة وأخذا معها بالنصائح التالية:
1- مقارنة المصروف بالمدخول, ليحاولا الصرف بما يناسب المدخول.
2- مراعاة الأولويات في المصاريف, لا سيَّما بعد التمييز بين الضروريات والعاديّات والكماليات.
3- مراعاة الجامع بين الجودة والرخص في عملية الشراء, فلا يشتري عديم الجودة ليتلف, فيشتري غيره ليتلف, فيشتري غيره ليتلف, فيكلِّفه عديم الجودة أكثر مما يكلِّفه ذو الجودة العالية, ولا يشتري الجيِّد كيفما كانت قيمته, لا سيَّما مع تباين الأسعار تبعاً لتقديرات البائعين أو لموقع المحل الذي يترتب عليه تكاليف خاصة من الأُجرة والديكور و..., فيكون الشيء ذاته عنده بقيمة عالية, بينما هو بنفسه بقيمة أرخص بكثير من محلٍّ يقع في موقع آخر.
من المفيد لمن يعيش نوعاً من التخبُّط في أمور معيشته دون توازن, أن يخالط ذلك النوع المتعفِّف صاحب التقدير في معيشته عسى أن يستفيد منه في حياته.


* كتاب ثلاثة حقوق لحياة زوجية ناجحة, للشيخ أكرم بركات.

20-02-2013 عدد القراءات 7603



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا