19 آب 2019 م الموافق لـ 17 ذو الحجة 1440 هـ
En FR

:: فقه الصوم على المذاهب

ثبوت الهلال والمذاهب



أجمع المسلمون كافة على أنّ مَن انفرد برؤية الهلال يلزمه العمل بعلمه مِن غير فرق بين هلال رمضان وهلال شوال، فمن رأى الأوّل وجب عليه الصوم ولو أفطر جميع الناس ، ومَن رأى الثاني وجب عليه الإفطار ولو صام كل مَن في الأرض، مِن غير فرق بين أن يكون الرائي عدلاً أو غير عدل، ذكراً أو أنثى. واختلفت المذاهب في المسائل التالية:
1 ـ قال الحنفية والمالكية والحنابلة: متى ثبتت رؤية الهلال بقُطر يجب على أهل سائر الأقطار مِن غير فرق بين القريب والبعيد، ولا عبرة باختلاف مطلع الهلال.
وقال الإمامية والشافعية: إذا رأى الهلال أهل البلد ولَم يره أهل بلد آخر، فإن تقارب البلدان في المطلع كان حكمهما واحداً، وإن اختلف المطلع فلكل بلد حكمه الخاص.

2 ـ إذا رؤي الهلال نهاراً قَبل الزوال أو بعده في اليوم الثلاثين مِن شعبان فهل يكون هذا النهار مِن آخر شعبان لا يجب صومه، أو مِن أوّل رمضان يجب فيه الصيام؟ وكذا إذا رؤي نهاراً في اليوم الثلاثين مِن رمضان، فهل يكون مِن رمضان أو مِن شوال؟ وبكلمة هل اليوم الذي رؤي فيه الهلال يُحسب مِن الشهر الماضي أو الآتي؟
قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنفية: هو مِن الشهر الماضي لا الآتي، وعليه يجب الصوم في اليوم التالي للرؤية إذا كانت الرؤية في آخر شعبان، ويجب الإفطار في اليوم التالي إذا كانت في آخر رمضان.

3 ـ اتفقوا على أنّ الهلال يثبت بالرؤية لقوله صلّى الله عليه وسلّم : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته "، واختلفوا في غير الرؤية.
قال الإمامية: يثبت كل مِن رمضان وشوال بالتواتر، وبشهادة رجلين عدلين مِن غير فرق بين الصحو والغيم، ولا بين أن يكون الشاهدان مِن بلد واحد أو مِن بلدين متقاربين، على شريطة أن لا تتناقض شهادتهما في وصف الهلال. ولا تُقبل شهادة النساء، ولا الصبيان، ولا الفاسق، ولا مجهول الحال.
وفرّق الحنفية بين هلال رمضان وهلال شوال، حيث قالوا: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد، وامرأة واحدة بشرط الإسلام والعقل والعدالة، أمّا هلال شوال فلا يثبت إلاّ بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، هذا إذا كان في السماء مانع يمنع مِن الرؤية، أمّا إذا كانت السماء صحواً فلا يثبت إلاّ بشهادة جماعة كثيرين يحصل العلم بخبرهم مِن غير فرق بين هلال رمضان وهلال شوال.

وقال الشافعية: يثبت كل مِن هلال رمضان وشوال بشهادة عدل واحد بشرط أن يكون مسلماً عاقلاً عادلاً، ولا فرق في ذلك بين أن تكون السماء غائمة أو صحواً.
وقال المالكية: لا يثبت الهلال إلاّ بشهادة عدلين، مِن غير فرق بين هلال رمضان وشوال، ولا بين الصحوة والغيم.
وقال الحنابلة: يثبت هلال رمضان بشهادة العدل رجلاً كان أو إمرأة، أمّا شوال فلا يثبت إلاّ بشهادة عدلين.

4 ـ إذا لَم يدع أحد رؤية هلال رمضان أكمل شعبان ثلاثين يوماً ووجب الصوم في اليوم التالي للثلاثين بالاتفاق، ما عدا الحنفية فإنّهم قالوا: يجب الصوم بَعد التاسع والعشرين مِن شعبان لا بَعد الثلاثين.
هذا بالنسبة إلى هلال رمضان، أمّا بالنسبة إلى هلال شوال فقال الحنفية والمالكية: إن كانت السماء غائمة أكمل رمضان ثلاثين يوماً، ووجب بعدها الإفطار، وإن كانت السماء صحواً وجب الصوم في اليوم التالي للثلاثين، وأكذب الشهود الذين يهدوا ثبوت أوّل رمضان مهما كان عددهم.
وقال الشافعية: يجب الإفطار بَعد الثلاثين حتى ولو كان ثبوت رمضان بشاهد واحد مِن غير فرق بين الصحو والغيم.
وقال الحنابلة: إذا كان رمضان ثابتاً بشهادة عدلين يجب الإفطار بَعد الثلاثين، وإذا كان ثابتاً بشهادة عدل واحد فيجب صوم الحادي والثلاثين.
وقال الإمامية: يثبت كل مِن شهر رمضان وشوال بإكمال ثلاثين، مِن غير فرق بين الصحو والغيم، ما دام أوّله ثبت بالطريق الشرعي الصحيح.

الهلال وعلماء الفلك
في هذه السنة 1960 قرّر كل مِن حكومة باكستان وتونس أن يكون المعوّل في ثبوت الهلال على أقوال الفلكيين، دفعاً للفوضى، ولما يلاقيه الناس
مِن الكلفة والمشقة لعدم معرفتهم يوم العيد مسبقاً، فقد يفاجئهم على غير استعداد، وقد يستعدّون له ثمّ يأتي متأخراً.
وقد ثار في الأندية والمجالس الدينية نقاش حادّ حول قرار الحكومتين بين مؤيد ومفنّد.

قال مَن يناصر القرار: ليس في الدين ما ينافي الاعتماد على قول الفلكيين، بل إنّ الآية 16 مِن سورة النحل: ﴿وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ تسنده وتؤيده.
وقال المعارضون: إنّ القرار يتنافي مع الحديث الشريف:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، حيث إنّ المفهوم مِن الرؤية هي الرؤية البصرية التي ألفها الناس في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، أمّا الرؤية بالمكبّر والتعويل على الحساب والمنازل فبعيدة عن لفظ الحديث.

والحقيقة أنّ كلاً مِن الطرفين لَم يأتِ بالحجة. أمّا الاهتداء بالنجم فالمراد به معرفة الطرق ومسالك البلاد، لا معرفة الأيام والأهلة. وأمّا حديث الرؤية فإنّه لا يتنافى مع العلم السليم؛ لأنّ الرؤية وسيلة للعلم وليست غاية في نفسها، كما هي الحال في جميع الطرق الموصلة إلى الواقع، ولكننا نقول: إنّ أقوال الفلكيين لا تفيد العلم القاطع لكل شبهة كما تفيد الرؤية البصرية؛ لأنّ كلامهم مبني على التقريب لا على التحقيق بدليل اختلافهم وتضارب أقوالهم في الليلة التي يتولد فيها الهلال، وفي ساعة ميلاده، وفي مدة بقائه.

ومتى جاء الزمن الذي تتوفر فيه لعلماء الفلك المعرفة الدقيقة الكافية الوافية، بحيث تتفق كلمتهم، ويتكرر صدقهم المرة تلو المرة حتى يصبح قولهم مِن القطعيات، تماماً كأيام الأسبوع، وأنّ غداً السبت أو الأحد، يمكن والحال هذه الاعتماد عليهم، بل يتعين على مَن يحصل له مِن أقوالهم، ويجب أن يُطرح كل ما يخالفهم راجع هذا البحث في الجزء الأوّل مِن كتابنا: فقه الإمام جعفر الصادق ، فصل ثبوت الهلال، آخر باب الصوم 1.


1-الفقه على المذاهب الخمسة / العلامة محمد جواد مغنية.

19-07-2012 عدد القراءات 3462



جديدنا