17 أيلول 2019 م الموافق لـ 17 محرم 1441 هـ
En FR

:: فقه الصوم على المذاهب

الصيام على المذاهب



الصيام في رمضان ركن مِن أركان الدين، ووجوبه لا يحتاج إلى دليل بَعد أن خرج منكره عن الإسلام؛ لأنّه كالصلاة ثابت بالضرورة، وما ثبت بالضرورة يستوي في معرفته الجاهل والعالم والكبير والصغير.

وقد فُرض في شعبان السنة الثانية مِن الهجرة، وهو فرض عيّن على كل مكلّف، ولا يجوز الإفطار إلاّ لأحد الأسباب التالية:
1 ـ الحيض والنفاس، فلو حاضت المرأة أو نفست لا يصحّ منها الصوم بالاتفاق.

2 ـ المرض، وفيه تفصيل بين المذاهب:قال الإمامية: لا يجوز الصوم إذا أحدث مرضاً، أو زاد في شدته أو شدة ألمه، أو أخرّ البرء؛ لأنّ المرض ضرر والضرر محرّم، والنهي عن العبادة يقتضي الفساد، فلو صام والحال هذه لا يصحّ صومه، ويكفي أن يغلب على ظنه حدوث المرض، أو زيادته. أمّا الضعف المفرط فليس سبباً للإفطار ما دام يُتحمّل عادة، فالسبب الموجب هو المرض لا الضعف ولا الهزال ولا المشقة، كيف وكل تكليف فيه صعوبة وكلفة؟!
وقال الأربعة: إذا مرض الصائم، وخاف بالصوم زيادة المرض أو تأخر
البرء، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، ولا يتعين عليه الإفطار؛ لأنّه رخصة لا عزيمة في مثل هذه الحال. أمّا إذا غلب على ظنه الهلاك، أو تعطيل حاسة مِن حواسه فيتعين عليه أن يفطر، ولا يصحّ منه الصوم.

3 ـ الحامل المقرِب ـ التي أوشكت على الولادة ـ والمرضع، قال الأربعة: إذا خافت المرضع أو الحامل على نفسها أو ولدها يصحّ صيامها، ويجوز لها أن تفطر، فإن أفطرت فعليها القضاء بالاتفاق، واختلفوا في أمر الفدية أي الكفارة، فقال الحنفية: لا تجب مطلقاً. وقال المالكية: تجب على المرضع دون الحامل. وقال الحنابلة والشافعية: تجب الفدية على كل مِن الحامل والمرضع إن خافت على ولدها فقط، أمّا لو خافت على نفسها وعلى ولدها معاً فإنّها تقضي ولا تفدي. والفدية عن كل يوم مُد، والمد طعام مسكين.

وقال الإمامية: إذا تضررت الحامل التي قرب أوان وضعها، أو تضرر الولد المرتضع، فعليها أن تفطر ولا يجوز لها الصوم؛ لأنّ الضرر محرّم، واتفقوا على أنّ عليها القضاء والفدية بمُد إذا كان الضرر على الولد، أمّا إذا كان الضرر على نفسها، فبعضهم قال: تقضي ولا تفدي، وآخرون قالوا: تقضي وتفدي.

4 ـ السفر بالشروط المعتبرة في صلاة القصر حسبما قدّمنا عند كل مذهب. وأضاف الأربعة إلى تلك شرطاً آخر، وهو أن يشرع بالسفر قَبل طلوع الفجر، بحيث يصل إلى محل الترخيص الذي فيه قصر الصلاة قَبل طلوع الفجر، فإذا شرع بالسفر بَعد طلوع الفجر حرم عليه الفطر، ولو أفطر قضى بدون كفارة. وزاد الشافعية شرطاً آخر، وهو أن لا يكون المسافر مِن عادته دوام السفر كالمكاري، فإن اعتاده فلا يحق له الفطر، والفطر عندهم في السفر رخصة، وليس بعزيمة فالمسافر الذي تمت له جميع الشروط بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، هذا مع العلم بأنّ الحنفيةخاصة قالوا: قصر الصلاة في السفر عزيمة لا رخصة.

وقال الإمامية: إذا تمت للمسافر شروط قصر الصلاة لا يُقبل منه الصوم، ولو صام قضى دون أن يكفّر، هذا إذا شرع بالسفر قَبل الزوال، أمّا إذا شرع به وقت الزوال أو بعده فعليه أن يبقى على صيامه، وإن أفطر فعليه كفارة مَن أفطر عمداً. وإذا وصل المسافر إلى وطنه أو محل إقامته عشرة أيام قَبل الزوال، ولَم يكن قد تناول شيئاً مِن المفطرات وجب عليه البقاء على الصوم، فإن أفطر كان كمن أفطر عمداً.

5 ـ اتفقوا جميعاً على أنّ مَن به داء العطش الشديد يجوز له أن يفطر، وإذا استطاع القضاء فيما بَعد وجب عليه دون الكفارة عند الأربعة، ويجب عليه أن يكفّر عند الامامية بمُد. واختلفوا في الجوع الشديد هل هو مِن مسوّغات الإفطار كالعطش؟ قال الأربعة: هو والعطش سواء، كل منهما يبيح الإفطار. وقال الإمامية: لا يبيحه إلاّ إذا استلزم المرض.

6 ـ الشيخ والشيخة الهرمان الفانيان اللذان يجدان حرجاً ومشقة لا يقدران معها على الصوم يرخّص لهما بالإفطار مع الفدية عن كل يوم طعام مسكين، وكذلك المريض الذي لا يرجى برؤه في جميع أيام السنة، وهذا الحكم متفق عليه إلاّ الحنابلة قالوا: تستحب الفدية ولا تجب.

7 ـ قال الإمامية: لا يجب الصوم مع الإغماء ولو حصل في جزء مِن النهار، إلاّ إذا كان قد نوى الصوم قَبل الإغماء ثمّ أفاق، فعليه أن يبقى على الإمساك.

زوال العذر
إذا زال العذر المبيح للإفطار، كما لو برئ المريض، أو بلغ الصبي، أو قدم المسافر، أو طهرت الحائض، استحب الإمساك تأدباً عند الإمامية والشافعية، ووجب عند الحنفية والحنابلة، وقال المالكية: لا يجب ولا يستحب.

شروط الصوم
قدّمنا أنّ صوم رمضان واجب عيناً على كل مكلّف، والمكلّف هو: البالغ العاقل، فلا يجب على المجنون حال جنونه، ولا يصحّ منه لو صام، أمّا الصبي فلا يجب عليه الصوم، ولكن يصحّ صومه إذا كان مميزاً. ولا بدّ لصحة الصوم أيضاً مِن: الإسلام، والنية، كما هو الشأن في العبادات، فلا يُقبل الصوم مِن غير إسلام، ولا الإمساك عن المفطّر مِن غير نية باتفاق الجميع، هذا بالإضافة إلى الخلو مِن الحيض والنفاس والمرض والسفر على التفصيل المتقدم.

أمّا السكران والمغمى عليه، فقال الشافعية: لا يصحّ منهما الصوم إذا غاب شعورهما في جميع الوقت، أمّا إذا كان في بعض الوقت فيصحّ صومهما ولكن يجب القضاء على المغمى عليه مطلقاً، سواء أكان الإغماء بسببه أو قهراً عنه، ولا يجب على السكران إلاّ إذا كان السُّكر بسببه خاصة.

وقال المالكية: لا يصحّ منهما الصوم إذا كان السُّكر والإغماء مستغرقاً مِن طلوع الفجر إلى غروب الشمس أو معظم الوقت، أمّا إذا استغرق نصف اليوم أو أقلّه وكانا منتبهين وقت النية ونويا، ثمّ طرأ الإغماء أو السُّكر فلا يجب القضاء. ووقت النية ـ أي نية الصوم عندهم ـ مِن المغرب إلى الفجر.
وقال الحنفية: المغمى عليه كالمجنون تماماً، وحكم المجنون عندهم أنّه إذا استغرق الجنون كل شهر رمضان فلا يجب عليه القضاء، وإذا جُنّ نصف الشهر وأفاق في النصف الآخر يصوم ما بقي، ويقضي ما فات أيام جنونه.
وقال الحنابلة: يجب القضاء على السكران والمغمى عليه، سواء أكان ذلك بفعلهما أو قهراً عنهما.
وقال الإمامية: يجب القضاء على السكران فقط، سواء أكان السكر بفعله أو لم يكن، ولا يجب على المغمى عليه ولو كان الإغماء يسيراً 1.


1-الفقه على المذاهب الخمسة / العلامة محمد جواد مغنية

19-07-2012 عدد القراءات 3175



جديدنا