19 أيلول 2019 م الموافق لـ 19 محرم 1441 هـ
En FR

صدى الولاية :: محرم

صدى الولاية - العدد 201 - محرم 1441 هـ



كربلاء مثال وقدوة لنا في أنّه لا ينبغي للإنسان أن يشكّ أو يتردّد في الوقوف مهما كان العدوّ شديداً أو كبيراً.

لولا قيامه (عليه السلام) بهذا العمل العظيم، لم يبق الحقّ حيّاً في الدنيا، لقد ضحّى (عليه السلام) ليبقى الدّين.

«ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟!».

إنّ الثورات كلّها التي حدثت بعد واقعة عاشوراء على مدى قرون عديدة، كانت مستندة إلى واقعة عاشوراء، ومنها استلهمت، وإليها استندت.

 
 

خطاب القائد

 

بسم الله الرحمن الرحيم

عاشوراء: مشهد متكامل عن الحياة
تُقدّم عاشوراء مشهداً مكتملاً عن الحياة الإسلاميّة التي يعيشها إنسان ما. فـفي عاشوراء تتجلّى كافّة الأركان الإسلاميّة الّلازمة لحياة إنسان، كما تتجلّى فيها الأبعاد المعنويّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة. في عاشوراء: الدفاع والهجوم والغضب والعشق والمحبّة؛ في عاشوراء: الموعظة والتبليغ والنصيحة، الترهيب والتهديد، التعاضد والإيثار والجهاد والشهادة والرسالة والتوحيد؛ في عاشوراء كلُّ شيء؛ الدعاء والمناجاة مع الله أيضاً.

كربلاء: النموذج الدائم والمجرّب
كربلاء هي النموذج الدائم لنا، كربلاء مثال وقدوة لنا في أنّه لا ينبغي للإنسان أن يشكّ أو يتردّد في الوقوف مهما كان العدوّ شديداً أو كبيراً. هي نموذج قد تمّ اختباره وتجربته. صحيح أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد مضى واستشهد مع 72 من أصحابه في صدر الإسلام، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ من يسير على درب أبي عبد الله (عليه السلام) وكلّ الذين يسيرون على درب المواجهة ينبغي أن يستشهدوا.

الإمام الحسين (عليه السلام) و«التكليف الأهمّ»
في ذلك الوقت الذي تحرّك فيه أبو عبد الله (عليه السلام)، جرى الحديث مع أشخاص حول هذه القضيّة، وقيل لهم: «الآن وقت النهوض»، ولكنّهم أدركوا أنّ هذا الأمر سيجلب لهم المشاكل والمتاعب، ومن هنا اتّجهوا نحو التكاليف من الدرجة الثانية، وقد رأينا بعضهم قام بهذا العمل فعلاً.

لقد أوضح الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) في خطابه للجميع، أنّ أوجب واجبات ووظائف العالم الإسلاميّ في تلك الظروف هو مواجهة رأس السلطة الطاغوتيّة والقيام من أجل إنقاذ النّاس من سلطتها الشيطانيّة.

لقد ضحّى (عليه السلام) بحجّ بيت الله في سبيل ذلك التكليف الأعلى؛ أي مواجهة الجهاز الحاكم الذي هو منشأ الفساد: «أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي»، «أيّها النّاس، إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله... فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله».

مواجهة الظلم: الركن الإسلاميّ المهمّ
للظلم ثلاثة أبعاد:
الأوّل: الظالم، وهو ذلك الشخص الذي يمارس الظلم.
الثاني: المظلوم الراضخ للظلم، وهو ذلك الشخص الذي يقع عليه الظلم، لكنّه يتحمّل الظلم ويقبل به.
الثالث: الشاهد غير المبالي، الذي يرى ممارسة الظلم، لكنّه لا يتحرّك ولا ينطق بكلمة. هؤلاء الثلاثة هم شركاء في الظلم. فلو لم يكن هناك ظالم، ولو لم يكن هناك من يرضخ للظلم، لولا وجود الـ «المتفرّجين» اللّامبالين لن يبقى هناك ظلم في هذا العالم.
هذا هو الدرس الذي علّمنا إيّاه الإمام الحسين (عليه السلام). فعندما أراد الوليد بن عتبة- حاكم المدينة- أن يأخذ البيعة من الإمام. كان سلام الله عليه جالساً في المسجد يتحدّث مع عبد الله الزبير. عندما وصل الخبر، أنّ الوليد قد أرسل في طلبه، قال له عبد الله: ليس الآن وقت لقاء الوليد، ماذا ترون؟ لماذا استدعانا الوليد؟ أجابه الإمام: أظنّ أنّ معاوية قد مات، وأنَّهم يدعوننا لأخذ البيعة. نهض الإمام مع مجموعة من شباب بني هاشم وبعض العساكر الشجعان، وأخذهم معه، حتّى لا يغدر به الوليد ويحاصره وحسب. قال الإمام لأصحابه إنْ حدث شيء ما داخل القصر وعلا صوتي ادخلوا وواجهوا، وهذا يعني أنّ الإمام الحسين منذ اليوم الأوّل لم يرزح تحت الضغط، وقد قرّر منذ البداية أن يواجه ويعارض وأن يصرّ على الحدّ من هذا الظلم الذي كان يعمّ العالم يوماً بعد يوم، وبقي كذلك حتّى اللحظات الأخيرة من حياته.

الاستقامة الحسينيّة
استقامة الامام الحسين تكمن في أن يؤتى إليه بطفل كعليّ الاصغر وقد جفّ لسانه من شدّة العطش، وعند سيّدة مبجّلة كزينب (عليها السلام) تُضرب بسياط عُتاة الكوفة، تخرج أسيرة، وتُسلب! فكّر في ذلك! هل بإمكانك لو جُعلت في هذا الموقف، وقالوا لك: «حسنٌ جدّاً! أنت شجاع، تريد الجهاد والمواجهة، فليكن لك ذلك، لكن انظر بأيّ ثمن وقيمة ستنتهي!»، فكم سيكون بمقدورك أن تُظهِر من الاستقامة؟

الاستقامة الحسينيّة هي أن يعرف الهدف ويُشخّص ويقيّم ويدرك كم هو عظيم وكبير فيصمد من أجله، في وقتٍ تهتزّ أرجل النّاس العاديّين، وأصحاب الكرم والشجاعة والنخوة وكرام النّاس. لو كان هناك شخص آخر مكان الإمام الحسين (عليه السلام) لوقف وقال: في النهاية: أنا مستعدّ للتضحية بنفسي في هذا الطريق، لكن، هنا في هذه الصحراء وفي هذا العطش، أنّى لي الوقوف، وفي البين طفل رضيع وسيّدة مكرّمة؟!

في ذلك اليوم، عندما أخذ الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) بيد أعزّ أعزّائه وقادهم نحو ميدان الخطر، تعجّب كثيرون، ولامه كثيرون وحاول كثيرون منعه من ذلك، لكنّ هؤلاء لم يكونوا يدركون أنّه لولا قيامه (عليه السلام) بهذا العمل العظيم، لم يبق الحقّ حيّاً في الدنيا، لقد ضحّى (عليه السلام) ليبقى الدّين.

الشهادة في خطبة الإمام (عليه السلام) مقابل جيش الحرّ
عندما قطع الحرّ الطريق على الإمام الحسين (عليه السلام) وقال له: لن أدعك تمضي، أصرَّ الإمام، لكن الحرّ استمرّ أيضاً على موقفه. فقال (عليه السلام): إذاً أَرْجِع. لكنّه لم يسمح له بالعودة. وفي ذلك الموقف خطب الإمام إحدى خطبه الثوريّة، المفعمة بالحماس. توجّه الإمام (عليه السلام) إلى أصحابه، وهنا بالتأكيد كان أهل الكوفة يسمعون كلامه هذا. قال- بعد الحمد والثناء على الله تعالى-: «إنّه نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء». لقد أدبر جمال الدنيا وحسنُها، وتغيّرت حالها.

ويظهر من الحديث، أنّ المتكلّم يشعر بأنّه لم يبق من عمره الكثير. لم يبق من الدنيا إلّا بقدر بقيّة ماء في كأس، أقلّ من قطرات سائلة في قعر كأس.

ثمّ يقول (عليه السلام): «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟!». هذا هو بيت القصيد لدى الإمام الحسين (عليه السلام)، بمعنى أنّكم ألا ترون أنّ المجتمع الإسلاميّ قد ابتعد عن وضعه الصحيح والحقيقيّ، وترون الحقّ لا يُعمل به وأن الباطل لا يُتناهى عنه؟ وهنا ما العمل؟ عندما يرى الإنسان أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّه يُعمل بالباطل، عندما يرى الإنسان أنّ الدنيا قد امتلأت ظلماً وجوراً، فماذا يعمل؟

«ليرغب المؤمن في لقاء ربّه، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً».

هذا هو الاستعداد؛ أي أنّ الإمام (عليه السلام) بعد أن تحرّك، كتب رسالة وأعلن استعداده، وقال لأهل الكوفة عبر مسلم بن عقيل: أنا حاضر ومستعدّ، فهل تقاتلون؟ وها قد وُجد أمامه مانعٌ حال دون حركته وتوجّهه إلى الكوفة، وأنّه سيصل إلى النتيجة الثانية، شعر بأنّ النتيجة الأولى وهي الحكومة لن تتحقّق، وأنّ ما سيقع هو الشهادة ولقاء الله في هذا السبيل، وحالة المؤمن فيه أن يرغب في لقاء ربّه.

شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) ضمانة استمرار الإسلام
عندما تستشهد شخصيّة رفيعة لامعة في سبيل قيم وأهداف، فمع أنّ الحركة والثورة والمجتمع تخسر بفقدانه وجوداً فاعلاً وذا قيمة، إلّا أنّه بتضحيته ودمائه وشهادته يهب القوّة لتلك الحركة. وهذا ما حصل بالدّقة لجميع شهدائنا الكبار على طول التاريخ، ونموذجها البارز عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام). فرجل كالحسين بن عليّ (عليهما السلام) مع ما له من قيمة لا يمكن تصوّرها عندما يفقده المجتمع البشريّ، ففقدانه خسارة لا تعوّض، لكنّ التضحية التي أدّت إلى هذا الفقدان هي عظيمة إلى حدّ أنّه أضفى على الحركة التي ينتمي إليها الحسين بن عليّ (عليهما السلام) حياة أبديّة.

هذه هي سمة التضحية، وسمة بذل الدماء، عندما يوقّع الإنسان على شعاراته بدمائه، فإنّه بذلك يُثبت صحّتها للجميع. وقد أحدثت واقعة عاشوراء تأثيرات كبيرة لدى النّاس في مشاعرهم وعواطفهم خلال سنوات طويلة. ولعلّه يمكن الادّعاء بقوّة وجرأة أنّ الثورات كلّها التي حدثت بعد واقعة عاشوراء على مدى قرون عديدة، كانت مستندة إلى واقعة عاشوراء، ومنها استلهمت وإليها استندت. لقد أحدثت ذلك التأثير العظيم في مسار الثورات الإسلاميّة لذلك العصر في المراحل الأولى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 

فقه الوليّ

 

استحباب نشر السواد ولبسه
يُستحبّ نشر السواد في المساجد والحسينيّات، ولبس السواد في أيّام العزاء على أهل بيت العصمة الأطهار (عليهم السلام)؛ إظهاراً للحزن وتعظيماً لشعائر الله، وهو يستوجب ترتُّب الثواب الإلهيّ.

 
 

من توجيهات القائد (دام ظلّه)

 

فكّروا: لماذا قُتل سيّد الشهداء (عليه السلام)

«من الجدير بالأمّة الإسلاميّة التفكير، أن لماذا بعد خمسين سنة من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وصل الأمر بالوطن الإسلاميّ إلى أنّ نفس هؤلاء الناس المسلمين من وزيرهم، إلى أميرهم، قائدهم، عالمهم، قاضيهم، قارئهم، غُلب على أمرهم، فاجتمعوا في الكوفة وكربلاء وقتلوا فلذة كبد نفس هذا الرسول (صلى الله عليه وآله) أبشع قتلة؟ ينبغي للمرء أن يتفكّر؛ لماذا حصل هذا؟».

 
 

خواطر

 

ببركة تربة كربلاء

كانت ليلة 27 رجب 1368 وكانت جموع الناس قد توافدت إلى مسجد آل الرسول لإحياء ذكرى المبعث النبويّ. كان الجمع غفيراً جدّاً. أُقيمت صلاة المغرب بإمامة السيّد الخامنئيّ. «كنّا في الركعة الثانية من الصلاة حين سمعنا صوتاً غريباً يشبه صوت عربة تحمل أغصان نخل قد تدلّى عدد كبير منها على الأرض وهي تجرّها». لم يتوقف الصوت، لكنّه لم يكن صوت عربة ولا أجذاع نخل متدلّية على الأرض، كان الصوت هو صوت تلاطم المياه الجارية. عندما فرغنا من صلاة العشاء كان الطوفان قد غمر كلّ أنحاء إيرانشهر. ارتفع منسوب المياه حتّى وصل إلى شرفة المسجد التي كانت على علو نصف متر من الأرض. كان السيّد الخامنئيّ يعلم أنّ هذه الأصوات نذير طوفان سيغمر المدينة. دعا الناس بصوت عال إلى مواجهة هذه الكارثة. طلب من الناس أن يقوموا أوّلاً بتجميع سجّاد المسجد الذي كان باهظ الثمن، وأن يضعوه في مكان مرتفع. كان يُسمع من الخارج صوت تهدّم المنازل الواحد تلو الآخر. انقطعت الكهرباء واجتمع الظلام مع الخوف. علا صوت الناس طلباً للإغاثة. يحاول الإنسان في هذه الظروف المخيفة التشبّث بأي وسيلة للنجاة. تذكّر تربة كربلاء وكيف أنّها تنجي في المواقف المهولة بإذن الله، وكان يحمل دائماً في جيبه تربة سيّد الشهداء عليه السلام فأخذ قطعة منها ورمى بها في المياه الهائجة بالتوكل على الله. بعد دقائق توقف الطوفان وغارت المياه بفضل الله ومنّه.

 
 

من معين القائد (دام ظله)

 

هكذا هي الثورة

أيّ حقيقة هذه التي لا يطفئها مرورُ الوقت، بل يزيدها بروزاً يوماً بعد يوم؟ واقعة كربلاء، في يومها، وفي تلك الصحراء القاحلة، وبعيداً عن الأنصار وأمام كلّ أولئك الأعداء، يُستشهد الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) وأصحابه وتؤسر عائلته ويأخذونهم وينتهي الأمر. واليوم بعد مضي قرون على ذلك اليوم، لاحظوا كم هي عظيمة وبارزة تلك الواقعة التي كان يُفترض أن لا يبقى لها أيّ ذكر أو أثر في ظرف عشرة أو خمسة عشر يوماً. إنّها بارزة اليوم، ليس بين ملايين الشيعة في البلدان المختلفة وحسب، وبين المسلمين، بل حتّى بين غير المسلمين نرى أنّ اسم الحسين بن علي يشعّ كالشمس، وينير القلوب، ويهديها. هكذا هي الثورة. كلّما مرّ الزمن أكثر كلّما أظهرت هذه الثورة حقائق أكثر.

06-09-2019 عدد القراءات 340



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد



جديدنا