دعاء اليوم الثالث

"اللهم ارزقني فيه الذهن والتنبيه، وباعدني فيه من السفاهة والتمويه، واجعل لي نصيباً من كل خير تنزل فيه، بجودك يا أجود الأجودين".

إنّ التوفيق لنيل بركات وخيرات هذا الشهر الكريم يتوقّف على أن يتوسّل الإنسان ببعض الأسباب المؤدية إلى ذلك، وفي هذا الدعاء بيان لأهمّ هذه الأسباب: اليقظة من الوقوع في المعصية، الابتعاد عن
السَفَهِ، سؤال الخير من الله.

1- اليقظة من الوقوع في المعاصي

إنّ من الأسباب الموجبة لابتعاد الإنسان عن رضا الله عزَّ وجلَّ، والوقوع في معصيته هو أن ينسى الإنسان ربّه، ففي لحظة غفلةٍ ووسوسةٍ من الشيطان يقع الإنسان في معصية جبار السموات


15


 والأرض، فهذه آيات كتاب الله عندما تصف الفاسقين تصفهم بأنّهم الذين نسوا الله قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ1.

أيّها الصائم المتلزم في يومك ونهارك بالابتعاد عن المفطرات المبطلة للصوم، عليك أن تحذر من الوقوع في النسيان، فتقع في معصية الله في غير المفطرات. والأساس في ذلك أن تسعى لتكون من اليقظين.

وأمّا كيف نصل إلى مقام اليقظة هذا؟ وما هو السبيل إليه؟

إنّه ذكر الله على أيّ حال، ففي الرواية الإمام الباقر عليه السلام: "ثلاثٌ من أشدّ ما عمل العباد: إنصافُ المؤمنِ من نفسه، ومواساة المرءِ أخاه، وذكرُ الله على كلّ حال، وهو أن يذكرَ اللهَ عزَّ وجلَّ عند المعصية يهمُّ بها فيحولُ ذكرُ الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ2 3.

ومن سبل ذلك أن يتذكّر الإنسان دائماً مواقف القيامة، وما سيقع الإنسان فيه من عذاب الله وسخطه لو لم يتجنب المعاصي، قال تعالى واصفاً المقرّبين منه: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ4.


16


2- الابتعاد عن السفه

السفيه هو الشخص الذي لا يحسن التصرّف، وهو الذي يطلق عليه الناس عنوان الأحمق، يقع دائماً في الخسارة، فيبذل ماله في ما لا ينبغي، ويقابله الرشيد، وهو الذي يحسن التصرّف.

وقد جرت عادة الناس على اعتماد معيارٍ دنيويٍّ في مقايسة السفيه والرشيد، فمن يتمكّن من أن ينال الكثير من هذه الدنيا، فيكون ذا عقل في تحصيل الأموال وجمعها فهو الرشيد، ومن يخفق ولا يوفّق دائماً في ذلك فهو السفيه.

ولكن الأعظم من ذلك هو سفاهة الوقوع في المعصية، وسفاهة تقديم الدنيا على الآخرة، فإنّ أعظم سفيه هو ذلك الإنسان الذي يقدّم منفعةً عاجلةً في هذه الدنيا، ولكنّها مؤقّتة ومحدودةً، على مصلحة آجلة، ولكنّها دائمة لا تفنى ولا تزول.

هذا الذي يدفع ثمناً كبيراً - وهو خسارة الآخرة - في سبيل متاع قليل هو هذه الدنيا.

ويصف الله تعالى المراحل التي يمرّ بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وكيف تكون هذه المراحل جميعها من المتاع القليل يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور5.


17


ويصف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أهل الرشاد، أصحاب التجارة الرابحة يقول: "صبروا أيّاماً قصيرةً أعقبتهم راحةٌ طويلةٌ. تجارةٌ مربحةٌ يسّرها لهم ربّهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدَوا أنفسهم منها. أمّا الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا. يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مرّوا بآيةٍ فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسُهم إليها شوقاً، وظنّوا أنّها نصب أعينهم. وإذا مرّوا بآيةٍ فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم"6.

3- سؤال الخير من الله

يفيض الله عزَّ وجلَّ بالخير على هذا الإنسان دائماً، ولكنَّ الإنسان يتصوّر أنّ الخير ينحصر بالرزق والأمور الماديّة، ويغفل أن الإنسان في كلّ حياته محاطة بخيرات الله عزَّ وجلَّ، والإنسان الذي يعيش في شهر رمضان القرب من الله سبحانه عليه أن لا يجعل همّه في الخير الماديّ، بل يسعى لينال الخير الباقي الذي لا يفنى، فليكن سؤالك أيّها الصائم الخير من الله بهذا المعنى، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "أربعٌ من أُعطيهنّ فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: صدقُ حديث، وأداءُ أمانة، وعفّةُ بطنٍ، وحُسنُ خُلُق7.


18


سبل الخير:

وعلى الإنسان أن يلتفت إلى أنّ أسباب الوصول إلى الخير بيده، فهو الذي يتمكّن من خلال عمله من الوصول إليها، ففي الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: علّمني عملاً يحبّني الله عليه، ويحبّني المخلوقون، ويثري الله مالي، ويصحّ بدني، ويطيل عمري، ويحشرني معك. قال: هذه ستّ خصال تحتاج إلى ستّ خصال: إذا أردت أن يحبّك الله فخفه واتّقه، وإذا أردت أن يَحبّك المخلوقون فأحسن إليهم وارفض ما في أيديهم، وإذا أردت أن يُثري الله مالك فزكّه، وإذا أردت أن يصحَّ الله بدنك فأكثر من الصدقة، وإذا أردت أن يُطيلَ الله عمرك فصِل ذوي أرحامك، وإذا أردت أن يحشرك الله معي فأطل السجود بين يديّ الله الواحد القهّار"8.


19


هوامش

1- الحشر:19.
2- الأعراف:201
3- تحف العقول-ابن شعبة الحراني- ص379.
4- النور:37.

5- الحديد:20.
6- نهج البلاغة، الخطبة193، المعروفة بخطبة المتقين.
7- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج1 ص840.
8- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج82 ص164.