|
تعريف فلسفة الأخلاق
ومكانتها
ربما يكون مصطلح "فلسفة
الأخلاق" غريباً على من
لم يطّلع مسبقاً على
مسائل هذا العلم رغم
معرفته بمصطلح
"الفلسفة" ومصطلح
"الأخلاق" كلاًّ على
حدة.
إنّ مصطلح "الفلسفة"
لوحده يشير إلى بيان
العلوم النظرية الّتي
تبين خصائص الوجود الكلية
بالأسلوب العقلي.
وأمّا مصطلح "الأخلاق"
فإنّه يحكي الصفات
الفاضلة والمذمومة في
الإنسان، وكذلك العلم
الّذي يتكلم عن الصفات
والسلوكيات القبيحة
والحسنة.
لكن ما هو المراد من
المصطلح التركيبي
"فلسفة الأخلاق"؟
جواباً عن ذلك نقول إنّنا
في هذا الفصل، ومع توضيح
الأحكام القيميّة، وتقديم
تصوّرٍ كاملٍ عن علم
الأخلاق وأهميّته، سوف
نتعرّف إلى فلسفة الأخلاق
ومكانة هذا العلم
بالمقايسة بعلم الأخلاق،
وكذلك ضرورة التعرّض لمثل
هذه البحوث.
1 ـ العلاقة بين
الأحكام القيميّة والصفات
النفسانية مع الهدف من
الحياة.
1 - 1. الأحكام
القيميّة
لطالما حكمنا وقضينا على
سلوكنا وسلوك الآخرين
مراراً وتكراراً. ومثالاً
على ذلك قلنا: "إنّ ما
قمت به بالأمس ليس
صحيحاً" و"بدلاً
من أن أخاف من توبيخ
صديقي سأقول له
الحقيقة". وكذلك من
الممكن أنّ نقدّر الشجاع،
الغيور، صاحب المروءة
والكريم وفي المقابل نوبخ
الحاقد، الحسود، والغافل،
وغير ذلك الكثير الكثير
من الأحكام الّتي نصورها
يومياً والتي لها تأثيرٌ
كبيرٌ في حياتنا
العمليّة, إذ إنّه بناءً
على هذه الأحكام نقوم
بانتخاب الأصدقاء وتعيين
طريقة عيشنا، وبالتالي
ندرك أيضاً كيفية تنظيم
سلوكنا وتقويمه ومع أيّ
جماعة أو طائفة نتعامل
دينياً واجتماعياً
وسياسياً وثقافياً، وفي
الواقع إن مثل هذه
الأحكام تقع في نطاق "ما
يجب" في سلوكنا.
ومع أنّنا نحكم بمثل هذه
الأحكام عشرات المرات
يومياً أو نتكلم بها مع
الآخرين إلّا أنّه لربما
لم نفكر دائماً في
أهميّتها وفائدتها.
وفي الحقيقة هل يمكننا
أنّ نعيش من دون وجود مثل
هذه الأحكام؟ وما الّذي
يلزمنا أنّ نفكر بها
ونبحث حولها؟
لنتصور مجيء ذلك اليوم
الّذي تُحذف فيه كلّ هذه
الأحكام من حياتنا، أيّ
أنّه عندما نريد أنّ نقوم
بأي فعل في ذلك اليوم
الفرضي لن نعرف "ما يجب"
علينا فعله.
مثلاً أنا أقوم الآن كلّ
يوم من نومي وأذهب إلى
الدراسة أو العمل،
وبالتالي سأتصور أني في
ذلك اليوم الافتراضي لا
أعرف شيئاً عمّا يجب فعله
يومياً، بل أكثر من ذلك
أنّني لا أحكم عمّا لا
يجب عليَّ فعله أيضاً،
نعم من الممكن حينها أنّ
أفكر في نفسي أنّه هل
اللازم عليَّ أنّ أدرس أو
أعمل لتنظيم أمور المجتمع
أو خدمة الآخرين أو أيّ
هدف آخر، لكن لا بد أنّ
لا ننسى أنّه في ذلك
اليوم الافتراضي لا يوجد
أيّ هدفٍ من الأهداف
المذكورة بل وحتى أضداد
تلك الأهداف قابل للتقسيم
في رأيي، أيّ أنني لا
أعرف أنّ إدارة أمور
المجتمع أو خدمة الآخرين
أو أيّ هدف آخر هل هو
"حسن" أو "قبيح" أو هل
"يجب" أنّ أقوم به أم "لا
يجب" عليَّ ذلك.
وبناءً على ذلك فليس لي
حينها أيّ هدفٍ مشخص
ينبغي عليَّ أو لا ينبغي
عليَّ القيام به أو أيّ
هدف منها أنتخب. وهذا
التحير والحيرة يشمل كلّ
الأفعال الّتي ترتبط
باختياري في فعلها أو
تركها، وفي ذلك اليوم
العجيب لن أستطيع أنّ
أستفيد وبشكل
مطلوب
من إرادتي وكأنني مسلوب
الاختيار والإرادة، ولهذا
سأكون حينها أشبه بخشبة
فاقدة للاختيار ولست
بإنسان أصلاً.
وفي الحقيقة فإنّ مثل هذه
الأحكام الّتي أشرنا
إليها تشير إلى ماهية
الأهداف المنظورة في
حياتنا وبالتالي توجب
علينا أنّ نختار منها ما
يتناسب مع أهدافنا القيمة
فنقوم بها بملء إرادتنا.
وبشكل مختصر يمكن القول
إنّ هذه الأحكام
والقرارات ستصوّب حياتنا
باتجاه هدف معيّن ومخصوص،
وستؤثر حتماً في تقييم
وانتخاب السلوك المناسب
مع هذا الهدف. وبناءً على
ذلك إذا كان هدف حياتنا
مهماً لا بد أنّ يكون
مهماً لنا أيضاً أنّ نعرف
الأحكام والقرارات
القيميّة لكي نوفق بينها
وبين أفعالنا الاختيارية،
حيث إنّ معرفة ما يجب
فعله تعتبر الخطوة الأولى
لاختيار العمل المناسب
لهدفنا في الحياة.
1 ـ 2. الصفات
النفسانية
من المقطوع به وجود عوامل
أخرى غير "المعرفة" -
والتي هي نوع من العلم -
تؤثّر في اختيارنا
وقيامنا بالأعمال
المفيدة، ويمكن تقسيم هذه
العوامل إلى قسمين:
داخلية وخارجية.
من جملة العوامل الخارجية
يمكن الإشارة إلى الثقافة
والآداب والتقاليد
الاجتماعية، وكذلك أقوال
وسلوك الّذين نعاشرهم
غالباً سواء في العائلة
أو الأصدقاء والأساتذة
ووسائل الإعلام.
ومن جملة العوامل
الداخلية يمكن الإشارة
إلى بعض الصفات كالعفّة
والغيرة والشجاعة أو
الحسد والبخل والتكبّر.
ويشترك كلٌّ من العوامل
الداخلية والخارجية في
بحثنا وتحريكنا للاختيار
والقيام بأفعال وسلوكيات
خاصّة أو تتناسب معها،
ومثالاً على ذلك لو عاشر
الإنسان بعض الأفراد
المتواضعين سيحرّكه ذلك
ويشوّقه إلى التواضع،
وكذلك من كان في طبعه
الحسد وكانت هذه الصفة
فعالة في نفسه فإنّه
سيحسد في العادة، إلّا
إنّهما يفترقان
في
التأثير المباشر وعدمه،
فالعوامل المحركة
الخارجية يمكنها التأثير
بشكل غير مباشر في
اختيارنا وبالتالي
تحريكنا ودفعنا للقيام
ببعض الأعمال الخاصّة،
وأما العوامل الداخلية
فإنّها تؤثّر فينا بشكل
مباشر لكن يمكن ترويضها
والسيطرة عليها بالمعرفة
والتمرين وبالتالي إيجاد
التغيير فيها وتقويتها أو
تضعيفها، وزيادة تأثيرها
أو تقليله، وتفعيلها أو
تحجيمها [1].
وبناءً عليه إذا استطعنا
التعرّف بدقّة إلى الصفات
المثبتة والإيجابية من
بين الصفات الداخلية فسوف
نعمل على تقويتها
والتقليل من تأثير الصفات
السلبية، وسوف نطمئن على
صوابية أعمالنا وسلوكنا
في الاتجاه الصحيح.
وفي الواقع فإنّ امتلاك
الصفات النفسانية الفاضلة
والحسنة عاملٌ محرك
للقيام بالأعمال الحسنة
وفي النتيجة تحصيل الهدف
من حياتنا.
ومضافاً على ذلك وبناءً
على الرؤية المعرفية
للإنسان في الإسلام فإنّ
حقيقة وجود الإنسان هي
روحه المجردة والباقية
بعد موته وأنّ الإنسان
سيحشر مع صفاته النفسية.
إذاً بناءً على ذلك فإنّ
الصفات النفسية علاوة على
تأثيرها في اختيار
الأفعال والقيام بها
فإنّها تؤثّر أيضاً في
تكوين حقيقة وجود
الإنسان.
إلّا أنّ السؤال المهم هو
كيفية تشخيص الحسَن من
القبيح في هذه الصفات،
وبأي سلوكٍ يمكن تغييرها
وتصحيحها.
وبعبارة أخرى ما هو العلم
الّذي نحتاجه في سبيل
الوصول إلى الهدف من
الحياة المنشودة, أولاً
لتعيين ما ينبغي أو لا
ينبغي فعله من الأعمال
والسلوكيات الحسنة أو
القبيحة، وثانياً ليعرف
لنا الصفات الداخلية
الموجبة والسالبة والّتي
من طرفٍ ما تؤثّر في
سلوكنا بشكل مباشر ومن
طرف آخر تتغير بناءً على
ما نقوم به، وبالتالي
تُكوِّن حقيقة وجودنا؟
وجواباً على ذلك نقول إنّ
العلم المتكفّل بهذا
الأمر هو "علم الأخلاق"
[2] [3].
2 ـ علم الأخلاق
يتكلّم هذا العلم عن
السلوك الحسن والقبيح
والصفات المقبولة وغير
المقبولة وبعبارة أخرى عن
الفضائل والرذائل.
وكذلك يتحدّث عن الأعمال
الّتي ينبغي فعلها أو
تركها، وعن الصفات الّتي
ينبغي تنميتها أو
تحجيمها.
إنّ علم الأخلاق يبحث
أيضاً عن صفاتٍ كالكرم
والبخل والشجاعة والجبن
والتي يمكن تحصيلها أو
إزالتها باختيارنا
وإرادتنا أو الّتي يمكن
السيطرة عليها والتحكم
بها.
وكذلك يتعرّض هذا العلم
للسلوك الاختياري الناشىء
عن تلك الصفات الداخلية
الّتي تحدّد مسيرنا
واتجاهنا وبالتالي تقوية
هذه الصفات المحرّكة أو
تضعيفها.
ونتعرّف في هذا العلم إلى
قواعد عامّة لتقييم
الصفات والسلوكيات
الاختيارية والتي على
أساسها نقوم بتقدير
وتقييم صفاتنا وأعمالنا
الاختيارية وكذلك صفات
وأعمال الآخرين.
أي أنّه وبناءً على هذه
الأسس والقواعد
الأخلاقيّّة يمكن الحكم
على أيّ عملٍ أو صفة بأنه
حسن أو قبيح، وكذلك أيهما
الصحيح وأيهما الخطأ،
وكذلك المقبول منهما وغير
المقبول، وما ينبغي فعله
منهما وما لا ينبغي كذلك،
وكما ترى فإنّ جميع هذه
الأمور مفيدة في الوصول
إلى الهدف المنشود من
الحياة. وبشكل مختصر يمكن
القول إنّ علم الأخلاق هو
ذلك العلم الّذي يتكلم عن
قيمة الصفات والسلوكيات
الاختيارية وضرورة1 وجودها
عند الإنسان [4].
3 ـ فلسفة الأخلاق
1 ـ 3. الأسئلة
الأساسية في مجال الأحكام
الأخلاقيّّة
تعرفنا حتى الآن إلى علم
الأخلاق وأهميّته. لكن في
الحقيقة هناك آراء
ونظريات متعدّدة حول
تعريف القيم والضرورات
الأخلاقيّّة والتي تختلف
فيما بينها في مجال تقييم
الصفات والأفعال
الاختيارية وضرورتها
ولزومها. وها هنا ومن أجل
تحصيل الهدف الهام الّذي
نسعى إليه يجب علينا
معرفة أيّ واحد نختار من
بين هذه المذاهب
الأخلاقيّّة:
ومجدّداً نعود إلى
أحكامنا القيميّة والّتي
قُبلت على أساس القواعد
الأخلاقيّّة عندنا والّتي
سوف نستفيد فيها من كلمات
نظير: "الحسن"
"القبيح" "يجب" و"لا
يجب".
وهنا نسأل: ما هو معنى
هذه الكلمات بالدقّة؟
وأيّ شيء تُخبر؟ وهل
الحسن والقبح صفتان
واقعيّتان لأفعالنا
وصفاتنا؟ وهل يمكن إثبات
القواعد الأخلاقيّّة كما
نُثبت القوانين
الفيزيائية والقواعد
الهندسية؟ وهل يمكن على
أساسها تشييد مذهب
أخلاقيّ قوي يمكن الدفاع
عنه؟ وهل يمكن تقييم
القواعد الأخلاقيّّة
بناءً على ملاكات واقعيّة
وثابتة أم أنّ مبنى تقييم
هذه القواعد أمور متغيرة
لا ثبات لها؟ وهل أنّ
الأخلاق مطلقة أم أنها
نسبية؟
وفي الحقيقة فإنّ تحقيق
هذه الأسئلة والإجابة
عنها لا يرتبطان بعلم
الأخلاق [5]، لأنّ هذا
العلم يفترض مسبقاً أنّنا
نعرف معنى الحسَن
والقبيح، وكذلك فإنّ هذا
العلم يمتلك قواعد
أخلاقيّّة خاصّة به ويمكن
القبول بها، وإنّما نسعى
نحن فقط إلى المعرفة
التفصيلية بها.
إنّ علم الأخلاق يقدّم
لنا جدولاً من الأفعال
والصفات الحسنة والقبيحة،
إلّا أنّه لا يأخذ على
عاتقه بالضرورة لزوم
الدفاع العقلاني عن
جداوله، ولو كان هذا
الأمر ضرورياً ولازماً
فلا بد من الذهاب إلى علم
آخر وطلب الإعانة منه
[6].
2 ـ 3. ضرورة الإجابة
عن الأسئلة السابقة
ما هي أهميّة وضرورة
معرفة الإجابة عن هذه
الأسئلة؟ أوليس علم
الأخلاق كافياً لنا
للقيام بالأعمال الحسنة
والابتعاد عن الأعمال
القبيحة والسيئة؟ أوليس
كافياً لنا لامتلاك
الصفات الفاضلة وتهذيب
أنفسنا من الصفات
الرذيلة؟ لأجل إدراك
أهميّة الإجابة عن هذه
الأسئلة سوف نتصوّر مرّة
أخرى واقعة افتراضية:
في هذه الواقعة ليس لدينا
أيّ اطلاع على الإجابة عن
أيّ سؤال جديد أيّ أنّنا
لا نعرف ما معنى الحسن
وما معنى القبيح، ولا
نعرف أنّ القواعد
الأخلاقيّّة مطلقة أو
نسبية، وهل أنّ أحكامنا
القيميّة صحيحة أم لا،
وكذلك لا نعرف أيّ واحد
هو المقبول والمعتبر من
بين المذاهب الأخلاقيّّة
المختلفة، وأيضاً كما
نحتمل أنّ القواعد
الأخلاقيّّة تشبه
البيانات العلمية بحيث
يمكن إثباتها، وأنها
مبينة للحقائق العلمية،
كذلك نحتمل أنها مجرد
بيان لأحاسيسنا الداخلية
أو أنها ناشئة عن نوع من
التوافق والعقود
الاجتماعية - كما نشير
إلى توضيحها في الفصول
اللاحقة - وفي هذه الصورة
لا يمكننا الاطمئنان
بدقّة إلى ما نصدره من
أحكام وقرارات، وفي
النتيجة سوف نتردد فيما
نختاره ونقرره وسوف
نتهاون في حفظ وحماية
قيمنا الّتي قبلناها،
ومضافاً إلى ذلك فإنّه في
مثل هذه الواقعة لن يكون
معقولاً أنّ ندافع عن
آرائنا وبالتالي إثبات
صحة قراراتنا للآخرين.
إذا لم تكن القيم
الأخلاقيّّة ذات ملاكات
واقعيّة وثابتة لا تتغير،
وكانت مبتنَية على
السلائق الفردية أو
الجمعية فحينئذٍ لن يكون
مفيداً أيّ سعي فكري أو
نظري لتحقيق الهدف
المنشود من الحياة وتأمين
الطرق الموصلة إلى هذا
الهدف، وكذلك لن يكون
مفيداً أيّ بحث وحوار
لإثبات قيمنا المقبولة
عندنا وردّ تلك القيم
الّتي لا نقبلها.
وكذلك سوف يكون أيّ نوعٍ
من الجهاد العملي في سبيل
حفظ قيمنا المختارة
وتوطيدها في المجتمع
ومواجهة الغزو الثقافي
والقيم المعارضة
والمنحرفة أمراً غير
معقول.
ومن ثمّ فإنّ هذه القيم
إذا لم تكن ذات ملاكات
ثابتة سيؤثر ذلك بشكل
مباشر على
مقدار اطمئناننا في
التشخيص الصحيح لهذه
الملاكات في ميزان
اهتمامنا بحفظ هذه القيم،
ونشرها.
نعم من المقطوع به أنّ
عامة الناس تمتلك مثل هذه
القرارات والأحكام
القيميّة ولديها إجاباتها
عن مثل هذه الأسئلة
وبالتالي تحكم بناءً على
هذه الإجابات على الرغم
من كونها مجملة أحياناً
أو أنها لا تستند إلى علم
خاص أو معرفة باصطلاحات
ذلك العلم، ولذا فإنّنا
نراهم يقبلون بتسرّعٍ بعض
تلك الأحكام والقرارات أو
يرفضونها كذلك.
إلّا أنّه ولأجل
الاطمئنان والتأكّد من
صحّة أحكامنا فإنّنا
نحتاج حتماً إلى تحليلها
بشكل علمي، وتأكيداً لذلك
نقول إنّ عامة الناس
يستدلّون لإثبات مراداتهم
مع أنّه من الممكن عدم
تعلّمهم قواعد الاستدلال
في علم المنطق، إلّا أنّه
وللاطمئنان على صحة
الاستدلال وللحذر من
الوقوع في فخ المغالطات
لا بد لنا من الاطلاع
بشكل علمي على قواعد
الاستدلال في علم المنطق.
3 ـ3. فلسفة الأخلاق
هي الجواب عن الأسئلة
المذكورة
وكما أشرنا فإنّ علم
الأخلاق يبتدىء عمله مع
هذا الافتراض المسبق وهو
امتلاكنا لإجابات - ورغم
كونها إجمالية - عن تلك
الأسئلة المذكورة، وهذا
يعني أنّ البحوث المرتبطة
بالإجابة عنها مقدّمة على
بحوث علم الأخلاق، ولذا
لو أردنا تقديم تحقيق هذه
الإجابات ضمن علم مستقلٍ
فإنّ مثل هذا العلم سيكون
مقدّمة للدخول إلى علم
الأخلاق لأنّه في الحقيقة
يبحث عن أصوله ومبانيه
وبالاصطلاح عن مبادىء
علم الأخلاق.
وبناءً عليه فإنّ العلم
الّذي يبحث عن مبادىء
علم آخر يسمى "فلسفة" ذلك
العلم ولذا يسمى العلم
الّذي نبحث عنه بـ"فلسفة
الأخلاق"2.
هذا ومن الواضح أنّ
"الحسن" و"القبيح"
و"القواعد الأخلاقيّّة"
و"الواقعيّّة أو
اللاواقعيّة
في القيم والضرورات
الأخلاقيّّة" وكذلك "ثبوت
أو عدم ثبوت القواعد
الأخلاقيّّة" و"الاطلاق
والنسبيّة في الأخلاق"
وأمثال هذه المفاهيم ليست
أموراً حسية يمكن
مشاهدتها، ولذا فإنّ
المنهج التجريبي لن يكون
مؤثّراً بشكل مباشر في
حلّ مسائل هذا العلم [7].
وبناءً عليه فإنّ المنهج
المتّبع في تحقيق هذا
العلم سيكون منهجاً
عقلياً.
فلسفة الأخلاق تحقيق
فلسفيّ (عقليّ) حول
المبادىء التصوريّة
والتصديقيّة لعلم
الأخلاق.
أي أنّه يبحث في هذا
العلم من وجهٍ طرفٍ ما
حول مفاهيم "الحسن"،
"القبح"، "يجب" و "لا
يجب" - والّتي يستفاد
منها في التعابير
الأخلاقيّّة - وارتباطها
مع الواقعيّات، ومن وجهٍ
آخر يحقق فيه حول الأصول
المؤثّرة في قبول أو عدم
قبول الأمور الأخلاقيّّة
اللازمة أو في كيفية
اختيار المذهب الأخلاقيّ
المطلوب، كلّ ذلك بناءً
على المنهج العقلي
والاستدلالي.
|
الخلاصة |
|
1 ـ الأحكام القيميّة موجودة
في حياتنا اليومية، وتشير إلى
هدفنا في الحياة، وتعتبر من
العوامل المساهمة في قيامنا
بالأعمال المختلفة وفي تحقيق
هدفنا في الحياة.
2 ـ تنقسم العوامل المؤثّرة
في قراراتنا للقيام بالأفعال
الاختيارية إلى قسمين:
العوامل الخارجية - كالثقافة
والآداب والتقاليد
الاجتماعية، والأصدقاء،
والمعلمين ووسائل الإعلام ـ،
والعوامل الداخلية نظير
الصفات النفسانية.
3 ـ تلعب العوامل المحركة
الخارجية دور المرشد
والمحفّز، وأمّا العوامل
المحرّكة الداخلية والّتي
تؤثّر في سلوكنا بشكلٍ مباشر
فيمكن السيطرة عليها عبر
المعرفة والتمرين والرياضة.
4 ـ بناءً على الرؤية
المعرفية للإنسان في الإسلام
فإنّ العوامل المحركة
الداخلية (الصفات النفسانية)
مضافاً إلى تأثيرها في سلوكنا
وأنها تقبل التأثير والتغير
أيضاً فإنّها تشكل حقيقة وجود
الإنسان.
5 ـ إنّ علم الأخلاق الّذي
يُتكلَّم فيه عن قيمة الصفات
والسلوك الاختياري للإنسان
وضرورة وجودها يمكنه أنّ
يعيننا، ولأجل نيل الهدف
المنشود من الحياة، في أنّ
نختار الأفعال الحميدة الّتي
لا بدّ منها.
6 ـ إنّ فلسفة الأخلاق تحقيقٌ
فلسفي (عقلي) حول المبادىء
التصورية والتصديقية لعلم
الأخلاق ويُبحث فيه عن
المفاهيم الأخلاقيّّة
وارتباطها بالواقعيّات وكذلك
عن الأصول المرتبطة بقبول أو
عدم قبول البيانات
الأخلاقيّّة.
7 ـ حيث إنّ فلسفة الأخلاق هي
مبنى علم الأخلاق فإنّ
اطمئناننا إلى صحّة أحكامنا
الأخلاقيّّة يرتبط بهذا
العلم، ومن ثمّ فإنّ ميزان
الاطمئنان هذا يؤثّر بدوره في
ميزان اهتمامنا بالثبات عليها
في مقام العمل والسعي لحفظ
وبسط القيم الأخلاقيّّة.
|
|
|
| الأسئلة |
|
1 ـ أوضح ماهية الارتباط بين
الأحكام القيميّة مع الهدف من
الحياة، وكيف تؤثّر في نوعية
سلوكنا الفردي والاجتماعي.
2 ـ ما هي العوامل المحركة
الداخلية والخارجية المؤثّرة
في طريقة اختيارنا؟ بيّن
ماهية العامل المؤثر في طريقة
اختيارنا عند كليهما.
3 ـ عمَّ يتكلّم علم الأخلاق؟
وكيف يمكن الاستعانة بهذا
العلم للوصول إلى الهدف
المنشود من الحياة.
4 ـ عرّف فلسفة الأخلاق واشرح
نموذجين من مسائلها.
5 ـ ما هو السبب في تقديم
فلسفة الأخلاق على علم
الأخلاق؟ أوضح ذلك.
6 ـ أوضح أهميّة فلسفة
الأخلاق من الناحية النظرية
والعلمية.
7 ـ لنفترض أنك في مقام النهي
عن المنكر أوصيت أحدهم بترك
أمرٍ ما لا ينبغي فعله، ولكنه
أجابك بالقول "إذا لم
يعجبك هذا العمل فيمكنك أنّ
لا تقوم به ولكنه حسن في رأيي
وأريد القيام به".
أوضح ما يلي: هل أنّ اختلافك
معه يرجع إلى علم الأخلاق أو
إلى فلسفة الأخلاق؟ ومن أيّ
علم تستفيد في مقام إجابته؟
|
|
|
|