الفصل الأول: مفهوم النهضة وجذورها التاريخية

النهضة والاستنهاض في اللغة والاصطلاح

جاء في "لسان العرب" أن النهوض هو البراح من الموضع والقيام عنه.

نهض، ينهض، نهضاً، ونهوضاً: قام عن مكانه، وارتفع عنه إلى العدو أسرع إليه يحاربه، وأنهضته أنا فانتهض، وانهضته، حركة للنهوض، واستنهضه لأمر كذا: إذا أمره بالنهوض له 1.

وجاء في (الرائد) نقلاً عن المنجد في اللغة: نهض بمعنى قام، والنهضة: التجدد والانبعاث بعد تأخر وركود، وناهض مناهضة: قاوم 2.

ومن خلال المعنى اللغوي تتضح حركية النهوض وفعليته في الأشياء سواء على الصعيد الفكري والنفسي أو المادي، وفي كلا المعنيين هناك انتقال من حال إلى حال وتغيير في الهيئة والموضع وتحرك للحواس عند المرء واستحضار لطاقاته وقواه، نجد أن النهوض يرادف القيام وهو ما أورده القرآن بنفس المعنى في الآية
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن


107


تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى3، وقد ردد الإمام الخميني هذه الآية في الكثير من خطبه ومحاضراته، كشاهد على الأمر الإلهي بالنهوض لإحياء الدين وإقامة وتحكيم الشريعة الإسلامية الإلهية كما استخدم الإمام مصطلح النهضة والنهوض كثيراً في خطبه ودروسه مع استخدامه للمصطلح القرآني المرادف (القيام) في نفس المورد أيضاً، "إن النهضة الحالية في إيران نموذجاً للنهضة التي حدثت في صدر الإسلام"4.

وقد تكرر مصطلح القيام في القرآن في عدة مواضع مختلفة لكنها تعطي نفس الدلالة:

﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238 البقرة)

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (30 الروم)

﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ(127 النساء)

﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه(13 الشورى)

﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9 الرحمن)

وغيرها من الآيات العديدة الأخرى.

وقد أطلق مصطلح (عصر النهضة) على فترة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة في أوروبا ويؤرخ لها بسقوط القسطنطينية 1453م، حيث نزح العلماء إلى ايطاليا، ونقلوا معهم تراث اليونان والرومان، ويدل مصطلح عصر النهضة غالباً على التيارات الثقافية والفكرية التي بدأت في البلاد الإيطالية وبلغت أوج ازدهارها في القرنين (15 ـ 16) وامتدت منها إلى فرنسا وأسبانيا وألمانيا


108


وإنكلترا وسائر أنحاء أوربا. وعلى الرغم من أن النهضة الأوروبية تحققت بشكل خاص في مضار الفنون، إلا أنها كانت أولا وقبل كل شيء ثورة ثقافية، أي رؤيا جديدة للحياة والواقع، انعكست على الفنون والآداب والعلوم والأخلاق، فقد تحقق تقدم سريع على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق، أي على مستوى الفكر ومستوى التقنية، ففي عصر النهضة هذا ظهرت تباشير الدولة المركزية الحديثة 5. ولمعت فيها شخصيات مميزة أمثال: ميكل أنجلو، وليوناردو دافنشي، وميكا فيلي والعشرات غيرهم.

وإذا كانت النهضة الأوروبية في القرنين السابع والثامن عشر قضت عل مقومات التخلف واستحدثت النظريات العلمية وأقامت سلطة العقل والمنطق، فإن النهضة العربية الحديثة التي عرفت بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قامت على إحياء اللغة العربية وبعث التراث العربي وإدخال مفاهيم العصر إلى المجتمعات العربية إضافة إلى معارضة سياسة الحكام الأتراك الذين نالوا من حرية الشعوب العربية.

وقد أطلق المصطلح (عصر النهضة العربية) على الفترة التي بدأت بحملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر وامتدت إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين، وما رافقها من اتصال ثقافي بين الشرق والغرب وأفول للدولة الإسلامية المتمثلة بالسلطة العثمانية وتفككها على يد الدول الكبرى ذات الفعالية السياسية آنذاك، وقد برزت خلال تلك الفترة اتجاهات سياسية ـ اجتماعية جديدة في صفوف المفكرين العرب وانضوى معظمهم تحت أطر


109


الأحزاب والجمعيات واتخذت منبراً لها على صفحات المجلات والصحف وعبر المؤتمرات 6. وعبرت عن حركة الانبعاث والتجدد الفكري والدعوة إلى التحرر، ومن أبرز هذه الاتجاهات ورجالاتها:

1- الاتجاه الليبرالي العثماني والراديكالي، والاشتراكي أحياناً، أمثال فرنسيس مراش، رزق الله حسون، فرح انطوان، أديب إسحاق و بطرس البستاني.

2- الاتجاه الإسلامي الإصلاحي، أمثال: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، خير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي.

3- الاتجاه العربي الإصلاحي أمثال عبد الرحمن الكواكبي وغيره.

4- الاتجاه العثماني الذي ينشد الإصلاح الإداري في جامعة عثمانية أمثال: أبو الهدى الصيادي وشكري العسلي.

5-
الأتجاه الإسلامي السلفي كالوهابية والشوكانية والمهدوية.

وقد تنوعت آراء المثقفين العرب حول مصطلح النهضة تبعاً لخلفياتهم السياسية ومنطلقاتهم الإيديولوجية، ولكنهم اجمعوا على اعتبار الشرق الإسلامي في حالة تخلف والغرب الأوروبي في حالة تقدم وتطور7. وكانت لهم رؤى مختلفة في كيفية الخروج بالمسلمين والعرب من التخلف إلى الحداثة والتمدن.

لمحة عن التجربة الإسلامية في النهضة


ونستعرض بشكل سريع لأبرز شخصيات الاتجاه الإسلامي الإصلاحي من رواد النهضة لنلتمس اوجه التشابه والاختلاف بين


110


حركة النهضة وحركة الاستنهاض لدى الإمام الخميني، باعتبارهما تجربتين تنطلقان في نفس الاتجاه والهدف، وترفعان شعارات متقاربة وتستندان إلى الفكر الإسلامي والنهج القرآني وإن كانتا تختلفان في الظرف من حيث المكان أو الحقبة الزمانية، ويمكن تصنيف الشخصيات الإسلامية الإصلاحية الأبرز في عصر النهضة إلى فئتين تضم الأولى رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) في مصر، وخير الدين التونسي (1810 ـ 1899م)، محمد عبده (1849 ـ 1905م).

وبالإطلاع على تجربة الطهطاوي ومنهجه في التغيير نجد أنفسنا أمام تجربة كانت بمعظمها أسيرة لعهد محمد علي باشا في الحكم حيث تتلمذ على أيدي الشيخ حسن العطار في الأزهر، عمل مدرساً في بيوت الأغنياء ودخل الجيش واعظاً وإماماً، وسافر إلى باريس في بعثة حكومية بمساعدة ودعم الشيخ العطار وأتقن خلال سفره اللغة الفرنسية التي شكلت مدخلاً لإطلاعه على الفكر الأوروبي، ثم عاد إلى مصر مؤلفاً كتاب (تخليص الأبريز في تلخيص باريز) ومترجما في مدرسة الطب ثم في مدرسة المدفعية للعلوم الهندسية والفنون العسكرية، وبعدها عمل على تأسيس مدرسة الألسن تحت رعاية محمد علي باشا، ثم فترة خمس سنوات من النفي إلى السودان مع وفاة محمد علي وإبنه ابراهيم باشا، وأخيراً عودته إلى مصر بعد النفي لإكمال خطواته في الترجمة للقوانين الفرنسية ومقارنتها مع المصطلحات الفقهية الإسلامية.

لقد حث الطهطاوي على ضرورة تعاطي العلوم العقلية التي اعتبرها سر تقدم أوروبا وحاول تطبيق مشاهدته في باريس على مجتمعه


111


المحلي في مصر، ساعياً إلى التوفيق بين مواد الدستور الفرنسي وبعض قوانين الشريعة الإسلامية، ومقارباً بين المفاهيم الغربية الليبرالية في الحرية والمساواة والعدالة وغيرها، وبين المفاهيم الإسلامية، وجمع بين وظيفة دعم السلطة القائمة باسم الإسلام وقيادة التمرد الشعبي باسم الإسلام أيضا8ً.

وبالإطلاع على الظروف الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على تكوين فكره، نجد أن مصر كانت حينها في حالة سياسية تعتبر مفصلاً مهما في تاريخها وتاريخ المنطقة، وهي المرحلة التي تم فيها صياغة فكر سياسي أرخى بظلاله ومازال وأعطى جملة مفاهيم لم تكن في الأساس من إفراز المجتمع المعاش بل جاء نتيجة صراع بين حضارة غربية أوروبية تريد أن تفرض نفسها على المجتمعات الأخرى وبين مقاومة يبديها المجتمع بأشكال متنوعة وعلى مستويات متنوعة تتراوح بين فئة المؤيدين الخُلّص للحضارة الأوروبية ومنجزاتها وبين فئة المعارضين لدخول الطابع الغربي لهذه الحضارة إلى مجتمعنا ويقف الطهطاوي مع آخرين في فئة الموافقين لتسويغ جزء هذه الحضارة من خلال منظور تراثي نظّر له الطهطاوي كثيراً في كتاباته التي تدل على أن هذه الحضارة قد استحوذت على فكره ومنهجه النهضوي، وهو يقول بهذا الصدد "بضرورة البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع، فان كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت وشائع والحق أحق أن يتبع"9، رغم اعترافه بأن "ممن أمعن النظر في الكتب


112


الشرعية الإسلامية ظهر له أنها لا تخلوا من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية حيث بوّبوا للمعاملات الشرعية أبواباً مستوعبة للأحكام التجارية كالشركة والمضاربة والقرض والمخابرة والعارية والصلح وغير ذلك10.

ولا يبتعد نهج خير الدين التونسي كثيراً عن نهج الطهطاوي، فالفكرة الأساسية التي يدور حولها كتابه (أقوم المسالك) هي التنظير لمسألة استعارة التجربة الأوروبية في عملية النهوض بالأمة الإسلامية عموماً وتونس خصوصاً كسبيل وحيد لمقارعة الغربي الطامع في البلاد فهو يقول "الواجب مجاراة الجار في كل ما هو مظنة لتقدمه سواء كان من الأمور العسكرية أو غيرها (من قاتل فليُقاتل كما يُقاتل)، ويردد أيضاً، يستلزم معرفة قوة المستعد له والسعي في تهيئة مثلها أو خير منها ومعرفة الأسباب المحصلة لها، معتمداً على منهج استقرائي للتاريخ، وهو بذلك يركز على التنظيمات القائمة على العدل والحرية ويعتبرها السبب في تحصيل القوى لدى العدو.

كما انه يحاول إظهار المرتكزات الشرعية وعدم تناقض التجربة الغربية مع التجربة الإسلامية، بل وتماهي التجربتين في مرتكزاتهما ونتائجها، وفي ذلك يجد تبريره لمبدأ الاستعارة والتغريب والدعوة إلى استقدام خبراء ومدرسين أجانب، وإرسال بعثات دراسية إلى الخارج وتطبيق أنظمة عسكرية غربية تسللت من خلالها نظريات سياسية وعناصر ثقافية غربية11، علماً بأنه عاش في تونس والتي رغم كونها


113


واحدة من الولايات العثمانية حينها إلا أنها تمتعت باستقلال شبه ذاتي في إقامة العلاقات مع دول أوروبا ومنح الامتيازات وإنشاء المعاهدات، وقد ورطها حكامها بقضايا مالية كانت سبباً مباشراً للتدخل الفرنسي فيها ويصنف البعض خير الدين التونسي كرجل من رجالات القرار السياسي في تونس حيث احتل مناصب عدة في السلطة، ويقول انه جيء به من اسطنبول إلى قصر الباب احمد، حيث تلقى تعليمه الديني، ثم التحق بالجيش ليصبح رئيساً لفرقة من الفرسان ثم يرقى إلى أمير للواء الخيالة كما عهد إليه إدارة المدرسة العسكرية لإعداد الضباط. ثم أرسل في عدة مهمات إلى أوروبا، وعين وزيراً للحربية بعد عودته من فرنسا 1857م، كما وأسندت إليه رئاسة اللجنة الدستورية لوضع نظام على النمط الغربي، وتذكر أخيراً "إن خير الدين التونسي كان العقل المنظم لهذه الحركة وكان له النصيب الأكبر في وضع القوانين لمجلس شوى منتخب"12.

وبالمقابل نصل إلى الافغاني الذي انطلق في دراسته من مدارس قزوين وطهران والنجف وحمل عصارة "فلسفة الفعل" عندما اعتبر أن الملاحظة تحدث فكراً ثم يعود الفكر إلى التأثير المتبادل دائماً وباستمرار لتحدث التغيير الدائم في كل الأشياء... دور يتسلسل ولا ينقطع الانفصال بين الأعمال والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد، حيث آخر الفكر وأول العمل آخر الفكر13.


114


وهكذا يتساوق الطرح الفكري مع الطرح السياسي عند الأفغاني الذي حمل فكراً تغييراً شاملاً وجذرياً وانطلق للعمل مهتدياً بالقرآن الذي هو بين أيدينا "كتاب الله لم ينسخ فارجعوا إليه وحكمّوه في احوالكم وطباعكم وما الله بغافل عما تعملون وهذا الكائن الحي هو الذي يمنح الناس نهوضهم إلى مقاضاة الزمن ما سلب منهم حيث يتقدمون على من سواهم ويحافظون على حقوقهم، فلو استلهمت معاني القرآن الكريم وأحييت في نفوس المؤمنين لرأينا لذلك أثراً في هذه الدنيا وهو مجد الله الأكبر"14 وهو انطلق في حركته الدينية للاهتمام بقلع ما رسخ في أذهان الخواص والعوام من فهم بعض العقائد والنصوص الدينية على غير وجهها الحقيقي "مثل حملهم القضاء والقدر على معنى يوجب ألاّ يتحركوا، ومثل فهم لبعض الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان الذي حملهم على عدم السعي وراء الإصلاح والنجاح، فلابد من بث العقائد الدينية الحقة بين الجمهور وشرحها لهم على الوجه المناسب وحملها على محاملها الصحيحة التي تقودهم لما فيه خيرهم دنياً وآخرة"15، ويقيم الأفغاني أساس دعوته على إرادة الناس التي تتحكم بالتاريخ البشري والقضية عنده هنا ترتد إلى شكل قانون: "فمتى ضعف ما كان سبباً في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، ومتى زال ما كان سبباً في السقوط يحصل الصعود، فهناك سنن متبعة على أساس حكمة بالغة، فتغيير المحتوى الداخلي للإنسان يستتبع تغير الوضع البشري والإنساني"16.

فالإنسان أو المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس


115


 لحركة التاريخ عند الأفغاني، وهذا ما يتطابق مع ما قرأناه في فكر الإمام الخميني ولعل التطابق هذا مصدره النهل من مصدر واحد ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ17.

والفكر والإرادة هما المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساس في حركة التاريخ والتي هي غالبة وتتطلع إلى المستقبل، وبالامتزاج بين الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي، والإسلام والقرآن يؤمنان بأن العمليتين يجب أن تسيرا جنباً إلى جنب... "فعملية صنع الإنسان لمحتواه الداخلي يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع البناء الخارجي، ومن هنا ارتباط الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر"18.

لقد برزت الدعوة إلى الوحدة الإسلامية في حركة الأفغاني من خلال تجميع (طاقات الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) كنقطة البداية في محاولةٍ للانقضاض على الواقع الاستعماري الذي يهدد انجازات جذرية يمكن أن تسري في رح الأمة، عن طريق بث سياسات التفرقة والخلاف بين المسلمين، وهو كان يعتبر أن العمل في الداخل محكوم بالوحدة والاتحاد ضمن ادنى الشروط الممكنة، وإن استدعى ذلك بعض التساهل أو السكوت على نظم الاقطاع المتفشي في المجتمع، لأن الاولوية هي كسر الاستعمار بأي طريق إن على الصعيد الداخلي أو المواجهة الخارجية، ويؤكد الدعوة إلى الجامعة الاقتصادية الإسلامية لوقف عوامل الاستنزاف والنهب لموارد الثروة في الشرق.

وهو في الوقت الذي يواجه النموذج الغربي ويدعوا للابتعاد عنه،


116


يعمق العلاقة بالواقع التاريخي الإسلامي، ولكنه لم يطرح فلسفته السياسية الإسلامية بشكل تفصيلي ولعل السبب يعود إلى نضاله المستمر ضد الاستعمار وعدم تفرغه للتنظير التفصيلي أو أن نضاله هو المرحلة الأولى للثورة والبعث الإسلامي تحت عنوان أن لو نجح المسلمون في المرحلة الأولى لعرفوا ما يفعلون في المراحل اللاحقة19.

ورغم كثرة اسفار الأفغاني واتساع دائرة علاقاته بالحكام والسياسيين في دول متعددة، فمن المؤكد انه لم يدخل في ركب أي سلطة إنما بقيت علاقاته مع السلطة علاقة من يحاول إيجاد منفذ يساعد على تحريك حركة إسلامية شعبية عبر تسيير مكتسبات جديدة لها، وهو أبرز واقعيته السياسية في مجال العلاقات الدولية ولكنه لم يتردد في اعتبار العمل الشعبي هو الأساس في تحركاته، وهو ما يفسر اختلافه مع السلطان عبد الحميد بعد أن بايعه أملاً في معاكسة السياسة الاستعمارية إلا انه عاد ليسخر منه بعد أن لاحق الاحرار وأصبحت خلافته تبيح للمستعمر ابتلاع الشرق ونهب الشرقيين حتى قال فيه وفي خلافته لقد هزلت حتى بدأ من هزلها كلاها وحتى سامها كل مفلس ودخل مرة عليه طالباً اقالته من البيعة، ورد على حاشية الملك التي طلبت إليه إلا يلعب بسبحته في حضرة السلطان فقال: إن جلالة الملك يلعب بمقدرات الملايين من الأمة على هواه، وليس من يعترض، أفلا يكون لجمال الدين حق في أن يعلب بسبحته كيف يشاء؟20، وقد انتهى مسموماً ودفن بسرية وبمظاهر بوليسية قاسية بأمر من السلطان نفسه.


117


إما تلميذ الأفغاني وصديقه محمد عبده، فيمكن رسم سيرة حياته في خط بياني يبدأ فيه تلميذاً على خاله الشيخ درويش ويصعد في حلقات التعليم في طنطا ويمر في الازهر حيث انهى دراسته التعليمية الدينية، ويبلغ ذروة رقية باتصاله بالسيد جمال الدين الأفغاني حيث يسجل على هذا المستوى أسمى آيات الجهاد الاجتماعي والسياسي والتربوي، ومع نهاية حركة عرابي وفشلها وإقفال مجلة العروة الوثقى، يعود هذا الخط البياني إلى الانحدار مع تأليف الكتب وتوحيشها في بيروت ويستمر الانحدار مع عرضه لمشروع إصلاح الازهر على (اللورد كرومر) حيث يقارب على نهايته مع توليه منصب مفتي الديار المصرية وخلافه مع الخديوي عباس لينتهي وحيداً فريداً مدرساً في الأزهر مع فكره اليتيم.

كان الشيخ عبده يرى أن فساد الأمة من فساد حكامها ومع ذلك نراه ترك الجهاد السياسي ولم يتصدى للاصلاح أو مقاومة هؤلاء الحكام بل توجه إلى الأمة ليبذر فيها بذور الإصلاح علّ الأمل يأتي من الأمة لا من حكامها.

لقد اقتصرت دعوته للإصلاح عليه كفرد، ولم يحاول بناء كتلة تحمل أفكاره ومشاريعه ولعل السبب في ذلك كان طموحه لتولي المناصب الرسمية التي كان يؤمن بالعمل السلمي للوصول لها، أو لعله كان يخاف من نظرة السلطة إلى بناء كتلة تغييرية تعتبرها حركة سياسية تشكل خطراً على النظام وهذا ما كان لا يريده الشيخ محمد عبده21.


118


إن محاولة الشيخ محمد عبده لإصلاح الازهر، عبر إدخال بعض العلوم الأوروبية على مواد التدريس، ودعوته إلى مبدأ الاجتهاد المطلق (ولعلها من تأثيرات أفكار جمال الدين الأفغاني عليه) جعلت المشايخ التقليدين يرموه بالزندقة والكفر لاسيما بعد استعانته بالانكليز لتحقيق هذا الإصلاح المنشود في الأزهر علماً بأن هذه الخطوة (الاستعانة بالانكليز) اغضبت الأفغاني عليه فقرعه في رسالة بعثها إليه.

إن منهج الحديث والاصلاح عند الشيخ محمد عبده بقي ضمن العناوين الكبيرة ولم يتعداها إلى برنامج عمل يمكن رؤية خطواته الاصلاحية كمشروع يحاذر من الوقوع في المطبات الفكرية والسياسية التي تترصده، فدعوته للعودة بالإسلام إلى الينابيع الأولى بقيت في اطارها العام ولم تحدد كيفية إعادة تقنين الشريعة وبهذه الطريقة من الدعوة، وكذلك دعوته إلى الأخذ بالعلوم الأوروبية الحديثة لتطوير ودفع حالة الركود في البلاد ودفعت بعموميتها ضعاف النفوس فيما بعد إلى القول بنقل الحضارة الغربية وجعل صورة مجتمعنا على هيئتها.

إن المشكلة لديه بدأت عندما لم يستطع أن يختار الخط العملي الذي يتطابق مع تشخيصه للواقع الفاسد، فمنذ أراد لنفسه أن ينأى عن تقويم الفساد الذي رسم حدوده داخل السلطة الحاكمة نحى إلى الأمة يريد إصلاحها بعيداً عن التعرض للرأس المريض، كان واضحاً أن معالم حياته وسيرته سوف تصطدم بكثير من العقبات التي لن يستطيع حصرها في أطرها الصحيحة والتوجه لمعالجتها بالدواء المناسب، وكأنه أراد أن يبتعد عن المقارعة السياسية ليركز على نشاطه الإصلاحي في المسألة التربوية والثقافية.


119


رغم ذلك يمكن القول أن عقيدة الشيخ محمد عبده لا يرقى إليها الشك، وقد شكل بما يملك من أفكار لا سيما الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد حدثاً مميزاً في الواقع المعاش حينها، وأحدث فكره التربوي والاصلاحي على المستوى الثقافي والديني صدمة للواقع الرتيب الذي وسم تلك الفترة، وأعاد تحريك الواقع عن طريق طرحه لأمور كانت جديدة بكل أبعادها عن ما عرف من حالة الثبات في تلك الفترة.

ويمكن تلخيص أبرز ملامح سمات نهج التغيير عند مفكري عصر النهضة بما يلي:

1- محاولة استعارة التجربة الأوروبية والبحث عن وسائل امتلاك أسباب التقدم الأوروبي.
ومماهاة الغرب في تنظيماته وأساليبه ونظامه، (الترجمة، القوانين، الأنظمة العسكرية، والبعثات).


2 ـ
العمل على منح التغيير الفوقي المقتصر غالباً على الحكام والسلاطين عبر مصادقتهم وعرض المشاريع التغييرية والاصلاحية عليهم، وليس تأسيس حالة مناهضة وتغييرية في مواجهة فساد السلطة والحكام، إلا عند الأفغاني.

3 ـ
زرع حالة التثبيط للقوى الشعبية الفاعلة والدعوة إلى الاقتداء بالغرب وثقافته البديلة، ومحاولة توليف مفاهيميه بين الثقافة الغربية والإسلامية. (العدل، الحرية، المساواة... الخ).

4 ـ
العمل على تكوين التقدم والنهوض من حالة مجتمعية معينة إلى حالة أرقى بمساعدة الدول الخارجية (الأوروبية) من خلال الاستعانة بالمدرسين والخبراء لاسيما عند التونسي والطهطاوي.


120


بين تجربة عصر النهضة وحركات العصر الحديث ونهضة الإمام الخميني

(مقارنة سريعة)

بين هذه الملامح في التغيير إبان عصر النهضة وعند مفكريه وملامح نهج التغيير عند الإمام في حركته النهضوية نجد بوناً في المرتكزات والأسلوب والمنهج، حيث وإن التقت الرؤى حول مبدأ ضرورة النهضة وتحريك الواقع باتجاه التغيير على ضوء الشريعة الإسلامية، إلا أن الإمام كان واضحاً في رفضه لاي نوع من الاستعارة لتجارب الأعداء أو مماهاتم بل عمل على استنطاق التجربة الإسلامية الغنية وابتداع أساليب منسجمة مع الواقع المجتمعي للأمة الإسلامية المختلف في تكوناته وبنيته وعوامل التأثير فيه عن المجتمع الغربي، ولعل في تجربة انشاء (التعبئة للمستضعفين)22 ما يؤكد ذلك.

وخلافاً لما رأينا لدى مفكري عصر النهضة من عمل على التغيير الفوقي المقتصر غالباً على الحكام، نرى أن الإمام الخميني يعتمد على التثوير الداخلي للإنسان وينطلق من القاعدة الشعبية وتهيئة الكوادر في الحوزات العلمية والجامعات ليشكلوا بديلاً عن رجالات السلطة المرتبطين بالخارج والميؤوس من إصلاحهم، وبخط مواز يقارع السلطة والحكام وتكون المقارعة فرصة للتعبئة السياسية للأمة.

كما أن منهجية الإمام لا تتوافق مع محاولات التوليف التي اعتمدها التونسي والطهطاي بين الثقافة الغربية والإسلامية، بل على العكس من ذلك سعى الإمام لاستحضار المفاهيم الإسلامية


121


الأصيلة وبثها في العقول وعمل البناء الخاصة بالأمة الإسلامية من خلال استعارتها من النص القرآني (الاستكبار، اللاشرقية واللاغربية، المستضعفين.. الخ) كما خالف الإمام منهجية الطهطاوي والتونسي وعبده في الاستعانة بالمساعدة الخارجية لإحداث التغيير واعتمد على الذات وراهن على قدرة الأمة بما تختزن من طاقات وأدمغة إذا أطلق عنانها فهي قادرة على إحداث التغيير حتى في المجالات التقنية والعلمية الحديثة، والشواهد في هذا المجال كثيرة ذكرناها في سياق بحثنا ولا نريد تكرارها.

يبقى أن نشير إلى تميز حركة الاستنهاض عند الإمام الخميني ليس فقط عن حركات عصر النهضة، بل حتى عن الحركات الإسلامية المعاصرة في تجاربها الحربية كالاخوان المسلمين وحزب التحرير وحزب الدعوة الإسلامية.

ويمكن اجراء مقارنة سريعة في نظرية التغيير والأساليب المعتمدة لدى هذه الحركات وتميز حركة الإمام رغم التقائهم جميعاً على ضرورة الاستنهاض والقيام بالتغيير والسعي لإقامة حكم الإسلام والشريعة في الخطوط العامة، إلا أن نقاط الالتقاء هذه لم تمنع وجود اختلافات واضحة في الأساليب والمناهج المعتمدة لدى كل حركة أو تنظيم، ونقف عند ابرز تلك الخلافات:

1- التصدي للمسألة السياسية

لقد تميز الإمام الخميني عن غيره من الحركات الإسلامية المعاصرة بأنه ومنذ البداية والانطلاقة عمل على مقارعة النظام الحاكم واستنهاض الرأي العام ضده، فالنظام بنظره هو العائق أمام


122


معرفة الناس لأحكام الإسلام وهو المهيمن على وسائل التثقيف والتربية والتعليم، وهذا لا يمنح لديه المسير بخط متوازٍ في مقارعة النظام وإعداد الكوادر في نفس الوقت.

بينما اعتمدت معظم الحركات الإسلامية المعاصرة على تقسيم عملها ومساراتها إلى مراحل تبدأ بمرحلة تربوية أو ثقافية تتكون فيها النخبة أو الكتلة الواعية أو الجماعة في مرحلة سرية أو شبه سرية وعبر الحلقات والتنظيم المغلق وقد تمتد لسنوات طويلة أو عقود ثم تعمل على الانتقال إلى حلقة اوسع في المجتمع لتبدأ في تحركها السياسي ومقارعة السلطة الجائرة، وهذه انتجت ما يسمى بإشكالية النخبة.

وهنا نشير إلى الثقافة الحزبية الخاصة المعتمدة في التدريس عند حلقات ومجموعات هذه الحركات بينما اعتمد الإمام على الثقافة الإسلامية الأصيلة في الحوزات وأضاف إليها بعض المفاهيم التي كانت غالبة أو مهملة.

2- في ارتباط الأمة بالقيادة العلمانية:

لقد أهمل حزب الأخوان المسلمين وحزب التحرير بشكل خاص الحوزات والعلماء في حركتهم واعتبروا أن هؤلاء في غالبيتهم يدخلون في بلاط السلطة (كالأزهر مثلاً) بينما اهتمت الدعوة بالحوزات والعلماء وقيادتهم ولكنها أرادت أن تستثمر المرجعية لخطها الحزبي كما حصل مع الشهيد الصدر ومرجعيات أخرى، مع الحرص على اختيار مرجعية تتوافق مع طروحاتها وتماشي منهجها، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى الاختلاف في نمط المؤسسات الدينية عند السنة والشيعة.


123


بينما نجد أن الإمام كان يركز على دور العلماء وعلى ضرورة ارتباط افراد الأمة بهم، فكان الإمام يحث العلماء (من ناحية) لفهم دورهم الشمولي والريادي وممارسة هذا الدور كما يحث الناس من جهة أخرى للارتباط بالعلماء واتخاذهم قدوة واتباعهم، واستطاع استقطاب أوسع شريحة من الفئتين العلماء والناس عبر هذا الشكل من الارتباط الذي يدخل في النسيج التربوي والاجتماعي عند المسلمين، وليس عبر استحداث أو استعارة تجربة التنظيمات الغربية الحديثة، رغم انه لم يعارض قيام مثل هذه التنظيمات فيه، ولكنه لم يعتبرها هي الأساس أو الاطار الوحيد لعمله ونهضته، بل عمل على تبني التنظيم القائم اصلاً في الأمة من خلال العلاقات الوطيدة بين الشعب والعلماء، وعندما أن يوجه بعض التنظيمات مثل (جميعة الطلبة المسلمين في أوروبا) كان يدعوهم إلى الوحدة والانسجام مع بقية شرائع الأمة.

كما أن ربط الأمة بالعلماء فتح الباب أمام انتشار والتزام الغالبية بقيادة الولي الفقيه على ضوء نظرية ولاية الفقيه باعتبارها القيادة الطبيعية في الإسلام، وهنا يمكن لحظ التناغم والانسجام في وحدة ثقافة القيادة والقاعدة.

وفي نفس الوقت فضح علماء السوء ووعاظ السلاطين ودعا للابتعاد عنهم وإسقاطهم ولعل الشواهد كثيرة في هذا المجال وذكرناها في السابق.

3- الدعوة الصريحة وعدم المساومة.

تميزت حركة الإمام في دعوة العلماء والناس للمجاهرة بالإسلام


124


وعدم التردد في طرحه وتبليغه للناس في كل مكان والثقة بالنفس "فلو تعرف العالم على الإسلام كما هو الإسلام المحمدي، لاتجه نحوه فبضاعة الإسلام بضاعة قيمة"23.

ويصرّ الإمام على البوح بمشروعه السياسي محلياً وعالمياً، بينما نجد العديد من الحركات الإسلامية لا تجرأ على البوح بمشروعها السياسي أو لا تجاهر بإسلاميتها أحياناً خوفاً من الوقوع في محاذير الصدام مع السلطة أو مداراة للظروف والأوضاع التي تعيشها، وهي تسعى أحياناً للمساومة حتى على بعض شعاراتها أو طروحاتها.

من جهة أخرى فان الخطاب الاستنهاضي عند الإمام كان بعيداً عن التكلف والتنميق ويستخدم لغة بسيطة وواضحة بفهمها العامة من الناس إلى جانب المثقفين، بينما نجد في خطاب الحركات الإسلامية وقادتها غالباً ما يعقون في شرك التنظير الفكري من خلال استخدام الخطاب النخبوي والمعقد والذي لا يحاكي سوى النخبة من المثقفين أو الكوادر.


125


هوامش

1- ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، المجلد6، ص456.
2- جبران مسعد، الزائد دار العلم للملايين، ط5، 1986، المجلد 2، ص163.
3- سبأ،46.
4- الإمام الخميني، نظرة سريعة على الثورة الإسلامية في إيران، مؤسسة مجاهدي الثورة الإسلامية ط1 ـ 1359ه ـ . ش، ص5.
5- عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ ط3 ـ 1990 بيروت ـ المجلد الخامس، ص117 ـ 118.
6- د. عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، مصدر سابق ص118.
7- راجع نجيب نور الدين مجلة المنطلق، العدد 58، بيروت 1989، ص114.
8- راجع حسن مرعي، مجلة المنطلق، العدد 85، مصدر سابق.
9- رفاعة الطهطاوي، مجلة المنطلق، العدد 58، ص29 ـ نقلاً عن تخليص الابريز في تلخيص باريز ـ ص11.
10- رفاعة الطهطاوي، الأعمال الكاملة، دراسة وتحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 1973م، ج2، ص469.
11- انظر زينب ابراهيم، مجلة المنطلق، العدد 85، مصدر سابق.
12- احمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص156.
13- جمال الدين الافغاني، الأعمال الكاملة، تحقيق ودراسة محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت1973، ص140.
14- جمال الدين الأفغاني، العروة الوثقى، دار الكتاب العربي، بيروت 1980م، ص74.
15- نفس المصدر.
16- نفس المصدر.
17- الرعد، 11.
18- محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، دار التعارف والمطبوعات، بيروت، 1980م، ص84.
19- مرتضى مطهري، الحركة الإسلامية في القرن الاخير، دار الهادي، بيروت ـ 1982م، ص45.
20- انظر صادق فضل الله، المنطلق، العدد، 58، مصدر سابق، ص67 ـ 106.
21- انظر نجيب نور الدين، المنطلق العدد 58، مصدر سابق، ص141.
22- التعبئة العامة للمستضعفين مصطلح أطلق على تنظيم صفوف المجتمع في لجان إحياء ولجان دعم ومساندة تشمل كل المستويات الثقافية والاجتماعية والمناطقية.
23- الإمام الخميني، دروس في الجاد والرفض، مصدر سابق ص37