الفصل الرابع: الفكر السياسي عند الإمام الخميني

في منهج التفكير السياسي:

إن الحديث عند نظريات التغيير والاصلاح في المجتمع الإنساني لا يختص بالمسلمين فقط بل هو حال النظريات والأفكار لدى مختلف المصلحين ودعاة التغيير في كل زمان ومكان.

لكن الاختلافات بين هؤلاء تعود إلى المنطلقات الفكرية والعقائدية التي يستلهمون منها آراءهم ونظرياتهم.

فقد يتفق الإمام الخميني مع العديد من المصلحين ودعاة التغيير الإسلاميين في الاستناد إلى الإسلام كفكر وعقيدة من حيث المبدأ والشعار وحتى في الخطوط العريضة التي تقول بضرورة تحكيم الإسلام في الحياة واتخاذه منهجاً للتغيير نحو الأفضل وحل المشكلات القائمة، انطلاقاً من إيمانه "بأن الإسلام هو الرسالة الوحيدة المؤهلة لهداية المجتمع والارتقاء بهو وإن العالم إذا أراد التخلص من آلاف المشاكل التي يواجهها اليوم وتوفير الحياة الإنسانية فإن عليه التوجه نحو الإسلام"1.


56


ولكن هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة تطابقاً مع الآخرين في طريقة التفكير ومنهجية العمل وأساليبه للوصول إلى تحقيق هذا الهدف.

من هنا نجد التمايز بين المصلحين وقادة التغيير الإسلاميين في الخطوط التفصيلية والطروحات العلمية والخطاب التغييري، ولعل هذا ما يفسر نجاح البعض واخفاق البعض الآخر، واقتراب البعض في خطابهم من هموم الناس والأمم وآمالهم ومحاكاتهم بلغة تجعلهم أكثر قدرة على الاستقطاب وقيادة المجتمع نحو التغيير، بخلاف الذين اختاروا الأساليب والخطاب غير الملامس بشكل مباشر لتلك الهموم والآلام فبقوا في دائرة التنظير النخبوي وكان الاخفاق نصيبهم في محاولاتهم التغييرية وإن تركوا في الأمة أثراً نسبياً على المدى البعيد، أو خلقوا ورائهم مجموعة من الأفكار والنظريات التغييرية.

ولعل ما يميز به الإمام الخميني عن غيره من المصلحين ودعاة التغيير الإسلاميين هو منهجه في التفكير السياسي الذي يستند إلى مجموعة من مرتكزات أبرزها:

أولا: حاكمية القانون الإلهي:

ا
نطلاقاً من اعتباره أن "العقيدة الإسلامية هي عقيدة صياغة الإنسان"2، فبالتالي ليس من حاجة إلى مرجعية عقيدية أخرى في تكوين منهجية التفكير عند الإنسان، لاسيما " وإن لدى الإسلام كل شيء لهذا الإنسان أي انه لديه أطروحة متكاملة في كل مراتبه بدءً من مرتبة الطبيعة والى ما وراء الطبيعة، بل وحتى عالم الألوهية"3.


57


هذه الشمولية التي يجدها الإمام في الإسلام تدفعه إلى اعتبار أن "قوانين الإسلام جامعة وشاملة إلى درجة تجعل من يطلع عليها يعترف أنها تفوق حدود الفكر البشري ولا يمكن أن تكون نتائج القدرة العلمية والفكرية للإنسان"4.

ولأنها قوانين جامعة وشاملة وإلهية في الوقت نفسه فإنه "ليس في الإسلام حاكمية سوى لقانون واحد هو القانون الإلهي"5. وهذا ما يحسم في منهجية التفكير السياسي عند الإمام "الحاكمية" التي يعيدها للقانون الإلهي أو "النص المقدس" المتمثل بالقرآن الكريم، ومن هنا نجده ينظر إلى ولاية الحاكم الإسلامي (في نظرية ولاية الفقيه) باعتبار ولايته امتداد لولاية الإمام المعصوم والنبي المرسل المعتمدة إلى ولاية الله
 ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ...6.

ثانياً: مبدأ أداء التكليف الشرعي

ينطلق الإمام في حركته التغييرية بدءاً من النوعية والتبليغ مروراً بالخطاب السياسي الاستنهاضي للأمة وصولاً إلى الثورة الدموية وإقامة الحكومة الإسلامية، من مبدأ أن الإنسان مأمور إلهياً ببذل الجهد الممكن والمستطاع في إحقاق الحق ومحاربة الباطل في كل المراتب والمستويات وهذا الأمر هو تكليف الهي لكل إنسان بحسب قدرته وامكاناته دون النظر إلى تحقيق النتائج، أو الخوف من الخسارة وهو يجسد بذلك أعلى مراتب الالتزام الشرعي الإلهي من جهة وأعلى مراتب التوكل على الله من جهة أخرى، معتبراً أننا "مأمورون بأداء التكليف والواجب ولسنا مأمورين


58


بتحقيق النتائج، وإذا عملنا بالتكليف الذي عينه الله سبحانه وتعالى لنا فلن نخاف حينها من تعرضنا للهزيمة"7. مضيفاً "لنؤدي واجبنا فقط فالله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلى وسعها"8، ولا يخفى ما لهذه الثقافة من اثر في توليد روحية المبادرة والاقتحام في ساحة الصراع عند المكلّف.

ثالثا: الدور المركزي للأمة (الشعب):

بعد تحديد الاطروحة الفكرية في عمله السياسي والمحافز للعمل التغييري عبر أداء التكليف الشرعي، يرى الإمام أن الدور الرئيسي في التغيير يكمن في تحرك الناس معتبراً أن " كل القوى تعجز عن الصمود أمام قدرة الشعب العظيمة وعندما يريد الشعب شيئاً فلن يتمكن أحد من معارضته، وأن علينا أن نتيقن بأن الشعوب إذا أرادت أمراً ما فإنه سيتحقق"9.

من هنا نلحظ أن المنهج السياسي الذي اعتمده الإمام الخميني في حركته ارتكز على اعتبار دور الأمة دوراً مركزياً وفاعلاً أساسياً في حركة النهضة وإحداث التغيير السياسي المنشود.

وبذلك نكون لامسنا المرتكزات الأساسية لمنهج الفكر السياسي عن الإمام والذي يرمي بضلاله على كل الموضوعات التي عالجها الإمام في خطاباته وكتاباته السياسية.

وسنرى في الصفحات القادمة كيف تجسد هذا المنهج في التفكير السياسي للإمام الخميني من خلال رؤيته لكل من موضوعات الفكر وقضايا الحياة.


59


رابعاً: وحدة وتكامل النظرة إلى الشريعة:

وتبقى الإشارة إلى ميزة هامة وهي اهتمامه في كل الجوانب الشريعة فيما يمكن أن نسميه وحدة وتكامل النظرة إلى الشريعة، وقد امتاز منهج الإمام عن العديد من المناهج الأخرى بأنه اهتم بكل جوانب الشريعة، ولم يرجع اهتمامه في جانب على حساب الآخر، فلم يهمل العبادات (الجوانب الروحية والدينية والتربوية الفردية) لمصلحة المعاملات (الجوانب الاجتماعية والسياسية).. . الخ) ولا العكس أيضاً.

فيما نجد أن بعض الحركات الإسلامية طغى عليها اهتمام بالفكر السياسي الإسلامي والمنهج العقلي في التعامل مع المفاهيم والحقائق في حين ضمرت لدى هذه الحركات روح التدين والعبادة فاهتمت في السعي لتحكيم الإسلام في الدولة والمجتمع عبر السعي لاستلام السلطة والامساك بمفاصل القوة في الدولة، ظناً منها أن هذا هو الطريق الأقصر والأنجح لنشر الإسلام وتعاليمه، وخلق المجتمع الإسلامي الذي يمارس الإسلام عقيدة وعملاً.

وهؤلاء تحركوا في المجال السياسي من إعطاء اهتمام يذكر للتعبئة الروحية في تكوين الشخصية الإسلامية بينما ذهب البعض الآخر من التيارات والحركات الإسلامية باتجاه منحى الاهتمام بروح التدين والعبادة وتهذيب النفس، واهتم بالتالي بنشر الدعوة في أوساط المجتمع عبر إثارة الاهتمام بتلاوة القرآن وكتب الحديث في حين ضمرت لدى هذه الحركات الاهتمامات بالوعي السياسي والمفاهيم العقلية والعمل لتغيير الواقع، لمصلحة تحكيم الإسلام في الحياة الاجتماعية العامة.

ولم يقتصر تأثير كلا التيارين على العاملين والمنخرطين في


60


صفوفهما وأنصارهما، بل كاد المسلمون عموماً يتوزعون في النزعة إلى أحد هذين التيارين، عن قصد أو من غير قصد.

بينما نجد أن الإمام كان شمولياً في هذا الجانب وذاك، ووازن بين العمل الدعوي والتربية الروحية والعبادية من جهة وبين العمل السياسي والسعي للثورة والوصول إلى النظام والسلطة لتحكيم الإسلام في الجوانب الاجتماعية والسياسية للمجتمع من جهة أخرى ولعله كان أكثر استيعاباً ووعياً لحركة الإسلام الشمولية التي لا تهمل أي جانب من جوانب الحياة في منهجها التوحيدي، بل لعله كان يرى أن الخلل الذي تعاني منه الأمة الإسلامية يكمن في تغليب الاهتمام بجانب دون الآخر، أو التركيز على جانب حساب الآخر عند من سبقه من المجددين والمصلحين الإسلاميين، فتراه يرسم منهج التوازن الذي لا تنفصل فيه حركة الدعوة الروحية العبادية عن حركة الاستنهاض السياسية، فيقول لطلابه فيا لحوزة" علينا من الآن أن نسعى لوضع الحجر الأساس للدولة الإسلامية الشرعية، فندعو ونثبت الأفكار، ونصدر تعليماتنا ونكسب المساندين والمؤيدين للجماهير، ليحصل رد فعل جماعي تكون على اثره جموع المسلمين الواعية المتمسكة بدينها على أتم الاستعداد للنهوض بأعباء تشكيل الحكومة الإسلامية، وعلى الفقهاء بيان المسائل والأحكام والأنظمة الإسلامية وتقريبها إلى الناس من أجل إيجاد تربة صالحة تعيش على سطحها النظم والقوانين الإسلامية"10.

وقبل أن نلج إلى استعراض قضايا وموضوعات الفكر السياسي


61


عند الإمام لابد لنا من الإشارة إلى أحد أساليب التجديد في الفكر السياسي لديه، هو في اعتماده منهج الثقافة الشعبية والخطاب الجماهيري في إيصال الفكر السياسي إلى الناس، بعيداً عن التنظير الفكري أو مخاطبة النخبة فقط بمصطلحات نخبوية.

فمن يقرأ الأمام في تراثه المكتوب لا يجد أثراً للتنظيرات الفكرية التي اعتدنا أن نجدها عند غيره من المفكرين وأصحاب المشاريع النهضوية أو التجديدية بل نجد كماً هائلاً من الخطب والبيانات والدروس كتبت أو ألقيت في مناسبات عديدة منذ البدايات الأولى لتحركه في الأوساط الدينية (الحوزوية) والشعبية، وكلها تتضمن آراءه ومواقفه من القضايا الفكرية والسياسية وحتى معالجة طريقة ومنهج التفكير عند الإنسان ولكنها تعتمد اللغة البسيطة وغير المعقدة التي لا تحمل المصطلحات الغربية عن ثقافة عامة الناس، فهي تخاطب الناس بلغتهم وتستخدم المصطلحات القرآنية بشكل كثيف ولعل هذا المنهج التجديدي عند الإمام في رح الفكر السياسي الإسلامي كان له أثره الايجابي في تعميق حركة التواصل بين الإمام وفئات المجتمع الإيراني كافة، بل والإسلامي عامة.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الأمر لا يعني أن الإمام لم يكتب بلغة النخبة، فمعظم كتاباته في مجالات العرفان وأصول الفقه والفلسفة لا يرقى إليها إلا أصحاب الثقافة والمعرفة العالية، فقد كتب الإمام في هذه الموضوعات العلمية التي يدرسها الطلبة والباحثون المتخصصين بلغة غير مبسطة تقتضيها تناول هذه الموضوعات المتخصصة. وهو عندما يعتمد هذا المنهج في طرح فكره السياسي، فهو ينطلق من كون الفكر السياسي هو طريقة فهم الناس لما يجري حولهم، ووعي الناس


62


لقضاياهم في الحياة ولذلك فلا بد لتكوّن هذا الفهم وإدراك ذاك الوعي من أن يتم الخطاب بلغة الناس، وان يكون الخطاب منسجماً مع أوليات العقيدة الإسلامية التي يؤمن بها الناس، لا ان يمارس الخطاب معهم نوعاً من الإسقاط لمفاهيم ومصطلحات غريبة عنهم أو ليست من ثقافتهم، وباعتبار أن السياسة في فهم الإمام هي "المنظم للعلاقة بين الحاكم والشعب ونمط الروابط بين الحاكم وسائر الحكومات الأخرى، ومن ضمنها مكافحة الفساد، وكل هذه القضايا تندرج في إطار السياسة، وأن أحكام الإسلام السياسية أكثر من أحكامه العبادية"11.، فلابد للغة السياسة من أن تكون منسجمة مع الموضوع المتعلق بها، وهو في أحد أطرافه الأساسية يخص عامة الناس.

ابرز موضوعات التجديد في الفكر السياسي عند الإمام الخميني

يرتكز الفكر السياسي للإمام على أساس أن الإسلام دين الحياة بكل تفاصيلها، وهو طرح شامل لجميع شؤون وقضايا الحياة والمجتمع، وأن الفقه الإسلامي نظرية واقعية متكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد. وإن الحكومة (في نظر المجتهد الواقعي) هي تجسيد للفلسفة العلمية لتمام الفقه في جميع جوانب الحياة، والحكومة هي انعكاس البعد العملي للفقه في تعامله مع جميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية، وأن الهدف الأساسي هو كيف نبغي تطبيق الأصول الثابتة للفقه في عمل الفرد والمجتمع ونتمكن من الحصول على جواب للمعضلات؟ "12.


63


فالحكومة التي هي السلطة التنفيذية في الدولة تمثل ضرورة فقهية عند الإمام لتجسيد البعد العملي للفقه الإسلامي، وهو يستند في طرحه إلى محاكاة الأنبياء الذي بعثوا بالكتب السماوية لإقامة حكم الله في الأرض، ولتنظيم وهداية الإنسان إلى ما فيه خيره وصلاحه في الدنيا والآخرة، ولم تقتصر دعوتهم على الجانب التبليغي النظري، بل هم سعوا لامتلاك الأداة التنفيذية لتطبيق النظرية التي جاءت بها الشريعة، فإذا كانت الكتب السماوية متضمنة لمجموعة من القوانين النظرية لإدارة المجتمع والحياة، "فمجموعة القوانين لا تكفي لإصلاح المجتمع، ولكي يكون القانون مادة لإصلاح وإسعاد البشرية، فإنه يحتاج إلى السلطة التنفيذية، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يترأس جميع أجهزة التنفيذ في إدارة المجتمع الإسلامي، إضافة إلى مهام التبيلغ وبيان تفصيل الأحكام والأنظمة، وكان قد اهتم بتنفيذها حتى أخرج دولة الإسلام إلى حيز الوجود"13.

هكذا يرى الإمام الإسلام انه دين ودولة متلازمان، فقه يبين التفاصيل النظرية للأحكام والقوانين، وسلطة تنفيذية لتطبيق تلك الأنظمة والأحكام والقوانين النظرية. من هنا فلابد من استعراض ابرز الموضوعات التي جسدت الفكر السياسي للإمام الخميني وهي:

1 ـ وحدة الدين والسياسة:


يرى الإمام أن المشكلة المنهجية الأساسية التي يعاني منها المسلمون في تفكيرهم السياسي تكمن في تسرب مفهوم فصل الدين عن


64


السياسة إلى أذهان المسلمين وعلمائهم، من هنا فإن عدم الفصل بين الدين والسياسة يشكل أحد الأسس الثابتة في أفكار الإمام الخميني، وهو يرى في الدين المفصول عن السياسة "ديناً أمريكياً" "فالدين الذي يصبح وسيلة لسلب القوى المادية والمعنوية للبلدان الإسلامية وغير الإسلامية ويضعها تحت تصرف القوى الكبرى وباقي القوى العالمية وينادي بفصل الدين عن السياسة، هو افيون المجتمع ولكن مثل هذا الدين ليس ديناً واقعياً بل هو دين يسميه شعبنا ديناً أمريكياً"14.

لقد تناول الإمام الخميني معالجة هذه الإشكالية منذ انطلاقة حركته الأولى في الحوزة، وفي دروسه الدينية التي ألقاها على طلابه ومريده، واستمر في الإشارة إليها والتركيز عليها في جميع خطبه ودروسه ومحاضراته وكتاباته حتى في وصيته التي فتحت بعد ارتحاله والتي حملت عنوان (الوصية السياسية الإلهية) فقد ضمّنها الإمام فقرات كاملة في هذا الموضوع، فهو يرفض الإدعاء بأن الإسلام لا يستطيع أن يجيب عن كل متطلبات الحياة وساحاتها المتعددة، ويؤكد أن الدين الإسلامي والشرع الحنيف يحوي قوانين لتنظيم جميع شؤون الحياة، و"أحكام الشرع تحوي قوانين متنوعة لنظام اجتماعي متكامل، وتحت هذا النظام تنسد جميع حاجات الإنسان، بدءاً من علاقات الجوار وعلاقات الأولاد والعشيرة وأبناء الوطن وجميع جوانب الحياة العائلية الزوجية، وانتهاءاً بالتشريعات التي تخص الحرب والسلم والعلاقات الدولية والقوانين الجزائية والحقوق التجارية والصناعية والزراعية.. في جميع هذا يملك الإسلام قوانين وأنظمة من اجل تربية


65


إنسان متكامل وفاضل يجسد القانون ويحييه وينقذه ويعمل ذاتياً لأجله، ومعلوم إلى أي حد اهتم الإسلام بالعلاقات السياسية والاقتصادية للمجتمع، سعياً وراء إيجاد إنسان مهذب وفاضل"15.

كما انه يستدل على ضرورة قيام الحكومة الإسلامية بوجود مثل هذه الأنظمة والقوانين التي لا سبيل إلى تطبيقها إلا بوجود سلطة تنفيذية، "وعند إمعان النظر في ماهية أحكام الشرع، يثبت لدينا أن لا سبيل إلى وضعها موضع التنفيذ إلا بواسطة حكومة ذات أجهزة مقتدرة"16. ثم يعدد أمثلة تفصيلية لهذه الأحكام، كالأحكام المالية وأحكام الدفاع والحدود والقصاص وغيرها.

ومن الواضح أن ما يريده الإمام من عدم الفصل بين الدين والسياسة ومن تأكيد شمولية الإسلام لجميع شؤون وقضايا الحياة والمجتمع، هو عودة الإسلام للحياة ولأخذ دوره في إدارة المجتمع كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء، "ففي عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل كان الدين بمعزل عن السياسة؟ وفي زمن الخلفاء وفي زمن علي عليه السلام هل فصلت السياسة عن الدين؟ هل كان يوجد جهاز للدين وجهاز آخر للسياسة؟ "17

ومن المعلوم أن الإمام كان يطرح هذه التساؤلات الاستنكارية ويجيب عنها في دروسه الحوزوية في النجف الاشرف على طلابه أي في الأعوام (1956 ـ 1987)، وكان يرى أن عودة الإسلام إلى الحياة


66


في المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى وقت ولن يكون الأمر سريعاً، ولكنه يطلب إلى تلامذته أن يبدؤوا بالتعرف على الإسلام الشمولي، وأن ينشروا بين الناس هذا المفهوم الصحيح عن الإسلام.

"إن على من يريد معرفة الإسلام أن يعرفه بهذا الكل، فيعمل بالآيات والأحكام الواردة بشأن النواحي المعنوية، ويعمل كذلك بالآيات والأحكام التي جاءت لتنظيم أمور المجتمع وتدبير شؤونه السياسية والحكومية"18.

وهذا ما حث عليه القرآن عندما حذر من أتباع جانب من جوانب الشرع وترك جوانب أخرى في الآية القرآنية
 ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ19 وهي نزلت بقوم خالفوا بعض أحكام الشرع في ما يخص الأسرى وطريقة التعامل معهم.

وإذا كان هذا المفهوم للدين قد غاب عن المسلمين أو جلهم لعصور وفترات زمنية طويلة بفعل الثقافة الاستعمارية، فإن عودته قد تحتاج إلى وقت طويل أيضاً، لذا نجد أن الإمام يلحظ ذلك ولكنه يحث طلابه على الانطلاق من الصفر لنشر هذا المفهوم وإعادته إلى أذهان الناس ورفع الالتباس القائم.

"فالمستعمرون قبل أكثر من ثلاثة قرون أعدوا أنفسهم وبدأوا من نقطة الصفر، فنالوا ما أرادوا، لنبدأ نحن الآن من الصفر، لا تمكنوا الغربيين وأتباعهم من أنفسكم، عرّفوا الناس بحقيقة الإسلام، كي لا


67


يظن جيل الشباب أن أهل العلم في زوايا النجف وقم يرون فصل الدين عن السياسة، وإنهم لا يمارسون سوى دراسة الحيض والنفاس ولا شأن لهم بالسياسة"20.

ونلحظ هنا تركيزه على عنصر الشباب باعتبار انه الفئة المتعلمة والمثقفة التي قد تكون أكثر عرضة للغزو من قبل الثقافة الغربية تحت لافتة التقدم والتطور، ولكي " لا يظن أن قصورنا عن ذلك إنما يعود إلى ديننا، وان لا سبيل إلى مثل هذا التقدم إلا في اعتزال الدين وقوانينه.. وعلى هذا فلا ينبغي لنا بمجرد أن نرى أحداً يذهب إلى القمر أو يصنع شيئاً نطرح ديننا وقوانيننا التي تتصل اتصالاً مباشراً بحياة الإنسان وتحمل نواة إصلاح البشر وإسعادهم في الدنيا والآخرة"21.

وهو لا ينسى أن يحمّل عوامل الضعف الداخلية شراكة المسؤولية هي ترسيخ مفهوم الفصل بين الدين والسياسة في مجتمعنا "فهذه مخططات الاستعمار التخريبية، وإذا أضفنا إليها عوامل الضعف الداخلية لدى بعض أفرادنا، نتج عن ذلك أن هذا البعض اخذ يتضاءل ويحتقر نفسه في مقابل التقدم المادي لدى الأعداء"22. وبدل أن يكون العلاج في العودة إلى الدين والى منابعه الأصلية وتعاليمه، لما لجاً هذا البعض إلى تحميل الدين مسؤولية التخلف وعدم مواكبة التطور والتقدم.

2- دور العلماء والحوزات في قيادة المجتمع

إن لموقعية الفقيه عند المسلمين الشيعة اثر أكبر في المجتمع والرأي العام من موقعيته عند المذاهب الإسلامية الأخرى، ويعود ذلك لأنه


68


مثل عندهم القيادة الفعلية على مستوى إيصال الأحكام الشرعية وتعليمها، وباعتباره، على ضوء نظرية ولاية الفقيه 23، هو المتصدي لإدارة شؤون الأمة والقيادة السياسية، وهذا ما لا تلحظه الحركات الإسلامية على ساحة المسلمين السنة، لأن دور العالم بعد إغلاق باب الاجتهاد بات ثانوياً ما دام باستطاعة الفرد أن يحصّل الحكم الشرعي من الكتب الفقهية المقررة للمذاهب بعد وقوع العالم الإسلامي تحت سيطرة القوى الكبرى أصبحت المعاهد الرعية والحوزات العلمية هدفاً للاستعمار الذي جهد من أجل الإمساك بها وإخضاعها لتوجهاته أو خنق صوتها المعارض له، واستمر الأمر ذاته مع الدول والحكومات بعد استقلالها، لأنها أخذت بالنظم العلمانية الغربية في إدارتها السياسية وفي إبعاد أو تدجين الدين، من هنا كان الفرز الذي نراه اليوم بين مدارس مرتبطة بوزارة الأوقاف والتربية ومديرياتها، مثل الجامع الأزهر وجامعة القرويين، ومدارس ليس لها ارتباط بأجهزة الدولة مثل النجف وقم على سبيل المثال، فإن الإمام الخميني تصدى لإحدى محاولات شاه إيران في إخضاع الحوزات العلمية لسلطة الدولة، وذلك عندما قرر إنشاء جامعة إسلامية يتخرج منها أئمة المساجد وخطباؤها، فأصدر الإمام الذي كان في المنفى (النجف) فتوى تحريم الانتساب إليها واعتبرها خطوة ماكرة (كرفع المصاحف في يوم صفين) فهم يقصدون بتنفيذها تحطيم المعاقل المعادية للاستعمار


69


وتبديلها بجهات تخدم الاستعمار والصهيونية، وبكلمة موجزة: إحلال عملائهم محل العلماء وتنحية الخطباء الشرفاء وتنصيب العمائم المرتزقين ورجال مخابراتهم الفاسدين على منابر الإسلام ومنبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم 24 ". وبغرم كل التاريخ الذي ذكرناه للعلماء والحوزات عند الشيعة، ودورها الريادي في حفظ الشريعة وتطوير مناهج الفقه وتبويبه والتصدي لبعض التحديات في الساحة الاجتماعية والسياسية، إلا أن الحوزات كانت تشكو من العديد من الثغرات التي تركت بصماتها على الحوزة وبعض علمائها، حتى تغلغلت إلى المفاهيم وخلقت جموداً وحجباً في زاوية الواقع السياسي والاجتماعي عند الكثير من علمائها، ويلخصها الإمام بالتالي:

1- تغليب الاهتمام في البحوث الفقهية على الأحكام الفردية والعبادية دون الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والسياسية في الفقه ولعل هذا الأمر كان بسبب ابتعاد العلماء والحوزات وإقصائهم عن مراكز السلطة والقرار من جهة أخرى، بالإضافة إلى وجود العديد من الطلبة والعلماء الذين يحملون مفاهيم تقليدية حول دور العلماء والحوزات في اقتصاره على الجوانب التبليغية والروحية والتدين الفردي، وتستند تلك المفاهيم التقليدية إلى رؤية فقهية تقول بعدم شرعية أي دولة أو سلطة في زمان الغيبة (وهو ما يصطلح عليه بالانتظار السلبي للظهور)، وقد ترك هذا الأمر عند الإمام حرقة ولوعة، فهو ينعت هذا الصنف منهم "بالمتحجرين" ويعتبر "أن حجم المرارة والأسى الذي تجرعه أبوكم العجوز من هؤلاء المتحجرين لم


70


 يتلقَ مثله من ضغط وقساوة الآخرين، ولذلك عندما رفع شعار فصل الدين عن السياسة وأصبح الفقه في منطق الجهلة هو الاستغراق في الأحكام الفردية والعبادية، ولم يكن يسمح للفقيه بأن يخرج عن هذا الإطار ويتدخل في السياسة وشؤون الحكم، فيما أصبح تعلم اللغات الاجنبية كفراً، وتعلم الفلسفة والعرفان ذنباً وشركاً، ولا شك في انه استمر هذا التيار لأصبح وضع العلماء والحوزات كوضع كنائس القرون الوسطى"25. ولعل هذا الأمر كان الأخطر من بين المشكلات التي تعاني منها الحوزة والعلماء والتي واجهها الإمام بقوة وعمل على تغييرها، وبذل جهوداً حثيثة لإعادة الدور الريادي للعلماء والحوزات في المجتمع الشيعي، لاسيما في إيران.
2- لقد اعتادت الحوزة على حالة من اللانظام في سير الحركة العلمية فيها، حيث لا يخضع الطلبة الدارسون لامتحانات أو ضوابط علمية أخرى، والأمر متروك في هذا المجال إلى الحدود العرفية والأخلاقية، فلا ضوابط لطريقة قبول الطالب سوى أن يجد ممن سبقه إلى الحوزة من هو مستعد لتدريسه، ولا ضوابط في لبس الزي الديني ولا في ترك الدراسة أو حمل بعض الألقاب العلمية سوى ما يمكن أن يصدر عن العُرف والوسط والبيئة والمحيط السائد في الحوزة ويعبر الإمام عن هذا بقوله " ولعل أطروحة (النظام في عدم الانتظام) هي من الإلقاءات المشؤومة لهؤلاء المخططين والمتآمرين"26.

3-
وجود أجواء التفرقة والخلاف بين تيارات الحوزة حتى بين أصحاب الروح الثورية فضلاً عن التقليديين، وهذا ما أدى دوماً إلى


71


تشرذم وتشتت الجهود في القضايا الأساسية وفي الاستحقاقات الكبرى، برغم أن معظم الاختلافات تستند إلى مسائل تفصيلية وغير أساسية، لذا نجد الإمام يركز كثيراً على ضرورة الوحدة بين الطلبة والعلماء الثوريين، ويعتبر أن من "أولى الوظائف الشرعية والإلهية، المحافظة على اتحاد ووحدة الطلبة والعلماء الثوريين والا فإن الليل المظلم ينتظرنا وأمواج الفتن والبلايا أمامنا، ولا يوجد اليوم أي مبرر شرعي أو عقلي لأن يكون الاختلاف في الأذواق والأفكار وحتى ضعف الإرادة سبباً لزوال الألفة ووحدة الطلبة والعلماء الملتزمين"27.

من خلال تشخيص الإمام للثغرات التي تعاني منها الحوزة وعلماؤها، دخل الإمام بفكره ليصنع ما أفسده الدهر في ما يفترض أن يكون القلعة الحصينة للإسلام وكان لزاماً أن يبدأ في إصلاح النمط السائد في التفكير لدى العلماء والطلبة حول دورهم في الحوزات والمجتمع، ولكنه لم يتعاط بطريقة انقلابية يرفض فيها كل ما هو سائد أو موجود، بل سعى أولا إلى الحفاظ على المرجعية في العديد من القضايا، فهو حين يتعامل مع مفردات الواقع يتعامل معها بموضوعية كاملة ويتفهم للجوانب السلبية والايجابية في هذه المفردات فهو لا يدعو مثلاً إلى إنشاء مؤسسة دينية جديدة منزهة عن العيوب بل يطالب هذه المؤسسة القائمة والموجودة بالفعل بتصحيح الخلل الموجود فيها، والذي يمكن إصلاحه، بدليل وجود الكثير من العلماء الذين اهتدوا إلى الأفق الصحيح وسلكوه معه، فحمل الإمام لواء الدفاع عن


72


الحوزات وتاريخها، وحاول أن يُظهر دوماً أن هناك محطات مضيئة في هذا التاريخ يجب التركيز عليها والاستفادة منها ومن تجاربها، ولكنه في الوقت نفسه، يصنف نوعاً من العلماء ويصنفهم بالمتحجرين ويحذر الطلبة منهم، فهو يقول "لا شك في أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمين كانوا على طول تاريخ الإسلام والتشيع أهم قاعدة ثابتة للإسلام ضد الهجمات والانحرافات، وقد سعى علماء الإسلام العظام طيلة أعمارهم لترويج أحكام الحلال والحرام الإلهية من دون تحريف أو تصرف وبحمد الله فإن الحوزات العلمية غنية ومتجددة بلحاظ منابع وطرق البحث العلمي والاجتهاد، ولا أعتقد أن هناك أسلوباً أنسب من أسلوب العلماء السالفين لدراسة العلوم الإسلامية دراسة عميقة وشاملة، ويشهد تاريخ أكثر من ألف عام تحقيق علماء الإسلام الصادقين ومتابعاتهم على ادعائنا في إنماء بذرة الإسلام المقدسة وجعلها شجرة مثمرة، ويضيف الإمام: " أي عزة أعظم من أن يتمكن العلماء مع ضحالة إمكانياتهم من أن يجعلوا من الفكر الإسلامي الخاص تياراً في ساحة الفكر والثقافة الإسلامية، وبهذا أزهرت بذرة الفقه المقدسة في روضة الحياة المعنوية لآلاف العلماء المحققين" ولكنه يستدرك، ولا يعني هذا إننا ندافع عن جميع العلماء، إذ إن علماء البلاط المزيفين والمتحجرين ليسوا قلة، ولن يكونوا قليلين، وفي الحوزات العلمية أشخاص يعلمون ضد الثورة وضد الإسلام المحمدي الأصيل، وبعضهم اليوم عبر التظاهر بالقداسة يعمل على اجتثاث جذور الدين، وكأنه لا مهمة له غير ذلك"28.


73


ويؤكد الإمام أن دور الفقهاء هو قيادة المجتمع ليس فقط في تبيان أحكام الشريعة بل أيضاً في مجالات الجهاد والحرب والسياسة، وبهذا يحدد الدور الشمولي للفقهاء: "إن تحديد واجبات الفقهاء وعلماء الدين بمراسم العبادات وبيان أحكامها وشرائطها من طهارة ونجاسة ودعاء ومناجاة فحسب هو من مخلفات سموم المستعمرين أعداء الإسلام إن أول واجبات الفقيه العارف بأحكام الشريعة الإسلامية هو النهضة والقيادة من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض والجهاد المستمر لتطهير أرض الله من أعدائه في ميادين الجهاد المشرفة"29. وفي الوقت الذي يحدد فيه دور العلماء الشمولي في قيادة الأمة، فهو يحمّلهم مسؤولية توعية الجماهير وتحقيق النهضة العامة في المجتمع وإقامة الحكومة الإسلامية، فيقول: " على الفقهاء أن يفضحوا، بجهادهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حكام الجور ويزلزلوهم، ويسعوا في توعية الناس لكي تتحقق النهضة العامة للمسلمين الواعين، فتسقط الحكومات الجائرة وتقام الحكومة الإسلامية، و"إن على علماء الإسلام مسؤولية تنبيه المسلمين كلّما أحسوا بالخطر يهدد الإسلام والقرآن، حتى لا يكونوا مسؤولين أمام الله"30، كما يدعو الحوزات والعلماء إلى مواكبة تطور الحياة وتلبية متطلباتها عبر الإجابة عن كل المستجدات في المستقبل "فعلى الحوزات العلمية والعلماء أن يكون على إطلاع بنبض تفكير المجتمع واحتياجاته المستقبلية دوماً، وان يكونوا على أهبة الاستعداد قبل وقوع الحوادث على الدوام لاتخاذ الموقف المناسب عند وقوعها"31.


74


ولأجل الحفاظ على العلاقة الوطيدة بين الناس والعلماء، يوصي كلا منهما بالآخر، فهو يسعى لأن تبقى الحوزات والعلماء موضوع احترام لدى الناس، وفي الوقت نفسه يريد من العلماء والحوزات أن يتحلوا بمسلك الاستقامة والابتعاد عن كل ما يترك أثراً سلبياً في صورتهم عند الناس، فيخاطب الناس: "احترموا الحوزات العلمية، ولا تستمعوا لمن يريد أن يفصلكم عن الحوزات العلمية وعن مراجع الدين، فإن العلماء هم الذين حفظوا الإسلام في العصور السوداء، فدافعوا عن العلماء والحوزات العلمية في أي مكان واجعلوا التقوى نصب أعينكم"32.

وبالمقابل يخاطب العلماء "إذا رأى الناس أن السادة العلماء قد غيروا أوضاعهم لا سمح الله فبنوا العمارات وأصبح لهم نشاط لا يتناسب مع شأن العلماء وفقدوا من قلوبهم ما يربطهم بالعلماء فإن ذلك يعد بذاته ضياعاً للإسلام والجمهورية الإسلامية، فليس هناك آفة أخطر على العلماء وعلى دنياهم وآخرتهم من توجههم نحو الشرف والانسياق وراء الدنيا"33.

إن علاقة الثقة المتبادلة التي يريد الإمام أن تُبنى بين القيادة العلمانية والقاعدة الشعبية تقوم على أساس أن (العلماء هم ورثة الأنبياء) وهم رجال علم وتقوى، يزهدون في بساطة حياتهم ومتطلباتهم الخاصة، ويفنون عمرهم في عمل دائب ومخلص في سبيل أمتهم ودينهم، وإن تحليهم بفضائل الأخلاق والورع والتقوى هو السبب الذي يخوّلهم أن ينالوا تلك الثقة من القاعدة، فهم القدوة والمثل


75


الأعلى، وعندما يرى الناس المثل الصالح يتجسد في العلماء، فحتماً سيلتقون حلوهم "إن ما ساعد في تنامي موقع العلماء وحفظ مقامهم إلى اليوم، إنما هو حياتهم البسيطة"34.

منهج الفقه والاجتهاد عند الإمام

أما في ما يتعلق بالفقه والاجتهاد ومواصفات المجتهد، فإن للإمام رأياً في هذا المجال، يستند إلى احترام الطريقة التقليدية لأسلوب البحث والتحقيق المعتمد لدى كبار الفقهاء الشيعة أمثال الطوسي والمفيد والحلي والصدوق وغيرهم ممن تركوا بصمات واضحة في بلورة أساليب البحث الفقهي وأصوله، وقد اعتمدت الحوزات العلمية كتبهم في التدريس ففي هذا المجال يؤكد الإمام ضرورة المحافظة على طريقة السف من العلماء، بل يطلب " أن لا يسمح العلماء والمدرسون المحترمون بانحراف الدراسة في مجال الفقه والحوزات الفقهية والأصولية عن طريق المشايخ المعظمين، التي هي الطريق الوحيد لحفظ الإسلامي". ويحثهم على "زيادة نسبة التدقيقات والأبحاث والنظريات والابتكارات والتحقيقات كل يوم وليحرصوا على الفقه التقليدي الذي هو إرث السلف الصالح لأن الانحراف عن إضعاف لأركان التحقيق والتدقيق"35.

ولكنه في الوقت نفسه يستدرك أن "هذا لا يعني أن فقه الإسلام ليس فقهاً متحركاً، إن الزمان والمكان عنصران أساسيان في الاجتهاد"36.


76


وهنا يكمن أحد عناصر التميز عند الإمام في الموضوع الفقهي، حيث انه يريد صياغة الفقه صياغة تنسجم مع الواقع وهو يهتم بكيفية تطبيق الفقه أكثر من مسألة طريقة البحث والتدقيق في الاستنباط، ويعتبر أن ما هو مألوف في منهجية طرق الاستنباط جيد ولا جديد عليه، ولكنه يلفت إلى ضرورة النظر إلى عنصري المكان والزمان الذي استندت إليه الفتوى أو المصطلحات التي استخدمت في الفتوى، مثل أدوات القياس التي قد تختلف من زمن إلى زمن أو من بلد إلى بلد، وعلى سبيل المثال فإن "الرطل" لدى أهل مكة هو ضعف "الرطل" عند أهل العراق، وهذا الأمر يدخل في قياس كمية الماء "الكر" التي تعتمد في باب الطهارة في الفقه، أو كموضوع ملكية الأرض وشمول أو عدم شمول هذه الملكية الخاصة للأرض بواطن هذه الأرض وقضاءها الذي يصل إلى عنان السماء، حيث إن الإمام يعتبر أن الإكتشافات للنفط والمعادن وغيرها من بواطن الأرض تحتم إعادة النظر في حجم الملكية الفردية للأرض، ويرى عدم شمولها للبواطن المكتشفة في أعماقها، معتبراً أن هذه البواطن هي ملك عام للدولة، وليست ملكاً خاصاً لصاحب الأرض التي يكتشف فيها مثل هذه الكنوز أو المعادن، وهنا يتضح مقدار حضور الجانب السياسي والاجتماعي (أو منظومة الدولة) في ذهن الإمام الفقهي.

وهنا لا بد من التوقف إن الجديد عن الإمام في الموضوع الفقهي هو الاهتمام في كيفية تطبيق الفقه، وهذا ما يمكن تسميته (الفقه التطبيقي) غير المنفصل عن إمكانية تنفيذه في هذا الواقع ومع الاحتفاظ بالأصول والمباديء الأساسية وحتى بطرق التحقيق والبحث المعتبرة عند السلف، لابد من لحظ مستجدات الواقع التي تحتم إعادة


77


النظر أحياناً في الفتوى، "فالمسألة التي كان لها حكم سابق يمكن أن تأخذ حكماً جديداً بسبب ما يتعلق بالعلاقات الحاكمة على سياسة واجتماع واقتصاد نظام ما، بمعنى انه من خلال المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للموضوع الأول الذي لا يبدو في الظاهر مختلفاً عن السابق، ولكنه أصبح جديداً في الواقع، فلابد من انه يحتاج إلى حكم جديد.."37.

إن لحركة التجديد الفقهي التي أرسى قواعدها الإمام الخميني في نظرته للفقه في الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الأثر الأول في حركية الفقه الإسلامي وتحرره من النمط التقليدي الذي كان سائداً لدى من سبقه من الفقهاء، الذي غالباً ما كانوا يستغرقون في بحثهم الفقهي في جوانبه الفردية والعبادية، من دون أن يكون حاضراً في تفكيرهم وملحوظاً لديهم الجوانب العلمية في الفقه الاجتماعي والسياسي، فالفقه عند الإمام "نظرية واقعية متكاملة لإدارة المجتمع الإنساني من المهد إلى اللحد" الهدف الأساسي هو كيف ينبغي تطبيق الأصول الثابتة للفقه في عمل الفرد والمجتمع، ونتمكن من الحصول على جواب للمعضلات، لأن جلّ خوف الاستكبار يرجع إلى هذه المسألة وهي أن يمتد للاجتهاد بعد عيني وعملي، وان يخلق في المسلمين روج التعامل والحركة"38، والوصول إلى استحضار الجوانب السياسية والاجتماعية في ذهن المجتهد، فلابد من إعادة النظر أيضاً في مواصفات من يحمل هذا اللقب ويتحمل مسؤولية استنباط الأحكام من مصادرها المقررة في الشريعة.


78


وبناءً على ذلك، فإن المجتهد في النظرة التجديدية للإمام يحتاج إلى "أن يكون محيطاً بأمور زمانه، وليس من المقبول للناس والشباب وحتى العوام أن يقول مرجعهم ومجتهدهم: إنني لا أعطي رأياً في الأمور السياسية، ومن خصائص المجتهد الجامع أن يكون محيطاً بِطرق مواجهة حيل وتزويرات الثقافة المهيمنة على العالم ومعرفة السياسات والسياسيين والقواعد التي يملونها، وإدراك نقاط الضعف والقوة في القطبين الرأسمالي والشيوعي وهو ما يرسم في الواقع استراتيجية حكم العالم كما ينبغي للمجتهد أن يتحلى بصفات النباهة والذكاء والفطنة وهو يمارس عملية قيادة المجتمع الإسلامي وحتى غير الإسلامي، فضلاً عن الإخلاص والتقوى والزهد التي هي من الشؤون الذاتية له، ينبغي أن يكون مديراً ومدبراً"39.

هنا نرى أن الإمام ينظر إلى المجتهد المرجع نظرته إلى القائد السياسي والديني الذي لا تنفصل السياسة عنده عن الدين، بل هي ممزوجة فيه، وهو أكثر من رئيس لبلد أو لنظام في جغرافية محددة، بل إن قيادته يجب أن تكون مؤهلة لتتسع للمجتمع غير الإسلامي أيضاً، وفي هذا تأكيد أيضاً للبعد العالمي والكوني للإسلام وقيادته المفترضة، ونقرأ في المواصفات التي يحددها الإمام للمجتهد التحديات الحضارية مع القطبين الذين كانا يتقاسمان حكم العالم، وعليه أن يثبت قدرته في هذه المواجهة من خلال دراسة ومعرفة نقاط الضعف والقوة لدى كل منهما ولا ننسى هنا أن الصورة التي يستحضرها الإمام في ذهنه دوماً


79


هي صورة الأنبياء والأئمة الذين انطلقوا بالرسالة إلى الناس كافة، وسيرتهم الحياتية التي مارسوا فيها دوراً قيادياً شاملاً على الأمة، وحاولوا أن يخضعوا العالم كله في الدعوة إلى الإسلام وحكمه وإذا كان ما يطرحه الإمام في هذه النظرة التجديدية للمجتهد حساساً وبالغ الأهمية أو مغايراً لما ورد عند أسلافه في صفات المجتهد، فإن هذا الأمر فتح الباب واسعاً أمام الفقهاء للحديث عن صحة هذا الاشتراط، وقد صار الموضوع مدار نقاش واسع في القاعات الحوزوية، التي رأت فيه صعوبة ناشئة من تاريخ طويل اغفل هذه النقطة وأسقطها من البحث، الأمر الذي جعل طرحها بل إحياءها محفوظاً بصعوبات وعلامات استفهام لابد من أن يأتي اليوم الذي تزول فيه، ويصبح الموضوع من البديهيات، لأن المراجع الذين عرفهم التاريخ في العصر لغيبة الإمام الصغرى كانوا متميزين بتوافر هذه الشرط، فضلاً عن أن تجربة الدولة الإسلامية في إيران خلال عقدين من الزمن ستعطي دفعاً علمياً لهذا الأمر، وستثبت الحاجة العملية المتنامية ضرورته، والإمام يعتبر هذا الأمر أساسيا في المعركة الحضارية للإسلام وفي دعوته إلى ساحة المواجهة في العالم، و"خلاصة القول هي انه ينبغي لنا أن نسعى لتحقيق الفقه العملي للإسلام من دون أن نلتفت إلى الغرب الماكر والشرق المعتدي والدبلوماسية الفارغة التي تحكم العالم، والا فما دام الفقه مخفياً في الكتب وفي صدور العلماء فلا ضرر يتوجه منه إلى الاستكبار وما دام العلماء لا يسجلون حضوراً فاعلاً في جميع القضايا والمشكلات، فلن يدركوا أن الاجتهاد المتعارف لا يكفي لإدارة المجتمع"40.


80


وينطلق الإمام ليدعوا الحوزات والعلماء إلى مواكبة العصر واحتياجاته التشريعية في القضايا المستجدة والمستحدثة، وفي استشعار ما يمكن أن يتطلبه المستقبل أيضاً. "فعلى الحوزات والعلماء أن يتحسسوا دائما نبضات أفكار المجتمع ويكونوا بمستوى احتياجاته المستقبلية، وأن يستبقوا الأحداث دائماً حتى يتمكنوا من الرد المناسب، فلربما تغيرت أساليب الإدارة الرائجة في السنوات القادمة واحتاجت المجتمعات البشرية في حل مشكلاتها إلى المسائل المستحدثة للإسلام"41.

رفض التبعية:


يجري التمييز عادة بين التبعية كعلاقة وبين التبعية كمجموعة من الأبنية، ويُقر أحد منظري التبعية (دوسانتوس) هذا التمييز ليقدم تعريفين للتبعية هما:

1- "التبعية هي الموقف الذي تكون فيه اقتصاديات مجموعة معينة من الدول مشروطة بنمو وتوسع اقتصاد آخر، تخضع له".

2- "إن التبعية تتعلق بتكليف البناء الداخلي لمجتمع معين بحيث يُعاد تشكيله وفقاً للإمكانيات البنيوية لاقتصاديات قومية محددة"42.

لا شك بأن الرؤية الإسلامية للتبعية تختلف عن ما ذكره دوسانتوس من تعريف اقتصادي أو بنيوي لها، وقد أشار الإمام في حديثه عن التبعية بأنها حالة شاملة في المجتمع تبدأ في شخصية الفرد ونفسيته ومنهج التفكير عنده وفقدان الثقة بنفسه وتتغلغل إلى بناء الاجتماعي في التشكل العلاقاتي والمسلكي والأخلاقي وترتقي إلى الثقافة والفكر


81


ثم السياسة والاقتصاد.. الخ، وهي عملية متداخلة ومتشابكة بجزئياتها ولا يمكن إحداث قطع حاد بين أصنافها وأشكالها، نظراً لتداخل عناصر البناء المجتمعي المختلفة.

وهو ما يعبر عنه الشهيد الصدر في مقدمة كتابه (اقتصادنا) حيث يقول: " وقد عبرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي للحاضرة الحديثة، عن نفسه بأشكال ثلاثة زمنياً ولا تزال هذه الأشكال الثلاثة متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي الأول: التبعية السياسية. الثاني: التبعية الاقتصادية والثالث: التبعية في المنهج"43.

ويحتل مفهوم رفض التبعية حيزاً أساسياً في فكر الإمام السياسي، ويمتد أفقياً مع بدايات تحرك الإمام السياسي وطرح أفكاره الثورية في الحوزة العلمية وأوساط المجتمع الإيراني ويستمر حضوراً في خطاب الإمام السياسي والنهضوي في منفاه في العراق وكذا يتكلف هذا المفهوم حضوراً في خطاب الثورة وبعد انتصارها كما يسجل حضوراً بارزاً في خطاب الإمام بعد قيام الدولة ولا يخرج هذا المفهوم من خطابه حتى في الوصية السياسية التي تركها بعد وفاته.

كما يمتد حضور هذا المفهوم عمودياً في خطاب الإمام وفكره السياسي فلا يقتصر على رفض نوع واحد من أنواع التبعية بكل أشكالها بدءاً بالتبعية الثقافية مروراً بالتبعية السياسية وانتهاء بالتبعية الاقتصادية، بكل تفاصيلها وأبعادها المختلفة، ويستخدم الإمام في تركيز هذا المفهوم عبر خطابه السياسي


82


والفكري في تعبيرات متعددة ما يمكن تلخيصها بالأكثر تكراراً في خطابه ونصه:

- العودة إلى الشخصية الإسلامية وأصالتها (رفض التبعية الثقافية).

- سياسية اللاشرقية واللاغربية (رفض التبعية السياسية).

- التنمية المستقلة، والسعي للاكتفاء الذاتي (رفض التبعية الاقتصادية).

فرفض التبعية والخروج من هيمنة المعسكرين الشرقي والغربي ضرورة للاستقلال بشتى نواحيه، وهو واحد من الشعارات الأساسية للثورة التي رددتها حناجر الملايين من الشعب الإيراني (استقلال حرية، جمهورية إسلامية) في مظاهراتها المليونية ضد نظام الشاه الذي كان غارقاً في التبعية حتى أذنيه، حيث كانت التبعية إحدى العيوب الأساسية التي يشير إليها الإمام في تعبئته الجماهيرية ضد نظام الشاه فعلاقة الشاه بالغرب واسرائيل لسياساتهم كانت مفضوحة.

ولعل إحدى ميزات ثورة الإمام الخميني هي في كونها استطاعت أن تنتصر دون الاتكاء على أي من الدول الكبرى، كما هو الحال عادةً في الكثير من الثورات ودوله، وهو ما يلفت إليه الإمام الخميني في قوله
: " إنكم ترون أن ثورتنا فريدة بين الثورات التي حدثت في العالم في قلة خسائرها وكثرة معطياتها، وعطاء هذه الثورة يتجسد في الخروج من سيطرة الشرق والغرب، وهذا ليس بقليل، فلم يحدث في العالم أن يتحرر بلد من جميع القوى، وإنما الذي حدث هو التحرر من قوة والاتجاه نحو


83


قوة أخرى. لكننا اليوم لا نحتاج إلى قوة كبرى بل تدفع عجلة بلدنا مع بعضنا بالتعاون مع بعضنا"44.

العودة إلى الشخصية الإسلامية (رفض التبعية الثقافية)


إن رفض التبعية وتحصيل الاستقلال في الفكر السياسي عند الإمام يبدأ في الإنسان في بنية وتكوين الشخصية الإسلامية الأصيلة، والتي تعي هويتها، فلا تقية في أخضم الأفكار والتيارات والأنماط تتكيء في انبناءها على قاعدة رفض العبودية لغير الله، وتبحث عن ذاتها عبر هذا الخط الإسلامي لتتعرف على دورها في الحياة ومسؤوليتها على النفس. بعد الله هو منشأ الخيرات"45 والتي لا تشعر بالدونية أمام الآخرين "علينا أن نعتقد أننا كل شيء وأننا لسنا أقل من سوانا، فنحن مطالبون بالعثور على هويتنا التي قد أضعناها"46 والتي لا تهاب أي قوة أخرى" فمن كان الله معه فإنه لا يخاف من اية قوة سواه"47 وهكذا يركز الإمام على ضرورة التحرر الفكري والعقلي من التبعية لأنهما شرط الاستقلال "فأول شرط لتحقيق الاستقلال هو الاستقلال الفكري والعقلي"48.


ولأن الهزيمة التي أصيبت بها الأمة كان سببها الانهزام في الشخصية وفقدان الهوية، الذي عمل الاستكبار عليه وخطط له لتسهل السيطرة على مقدرات الأمة وخياراتها فقد شخّص الإمام هذا الداء القاتل وحاول أن يبدأ العلاج في رفضه للتبعية الفكرية والثقافية وفي


84


إعادة بناء الشخصية الإسلامية التي غابت عن مسرح المواجهة فسقطت الأمة أمام الغزو وبدون مقاومة تذكر: " هزيمتنا في شخصيتنا هي اكبر هزائمنا أمام القوى الكبرى، لقد سعت هذه القوى إلى تحطيم شخصيتنا الإسلامية ـ الإيرانية، وإبدالها بشخصية أوروبية تابعة شرقية أو غربية، وتمثلت هذه الهزيمة بإحساسنا بعدم قدرتنا على عمل أي شيء أو شعورنا بأن كل شيء ينبغي أن يستورد من الخارج، حتى التهاب الزائدة الدودية، ينبغي أن يعالجه طبيب خارجي، وهذا أدى بطبيعته إلى إحساس أطبائنا بالضعف، ولم تكن هذه المسألة عفوية، بل إنها مدروسة وقائمة على تخطيط يستهدف القضاء على الشخصية في هذا البلد"49.

ولأن الثقافة هي التي تبني الشخصية في أي مجتمع فإن التبعية الثقافية هي الأخطر والأكثر سوءاً في المجتمعات الإسلامية في نظر الإمام:
"إن ثقافة كل مجتمع تعبر أساساً عن هوية ووجود هذا المجتمع ومهما كان هذا المجتمع قوياً من النواحي الاقتصادية والسياسية والصناعية والعسكرية فإن الانحراف الثقافي سيحوّله إلى كيان خاوٍ وفارغٍ من أي اعتبار، وقريب من السقوط وإذا كان المجتمع مرتزقاً من الناحية الثقافية وتابعاً للثقافة العدوّة، فسيكون مجبوراً على أن ينجرّ إلى جانب الإعداد من ناحية الأبعاد الأخرى للمجتمع، وسوف يُستهلك أخيراً ويضيع شرفه من جميع الأبعاد والنواحي"50 وفي هذا المجال


85


يتفق العديد من المفكرين المسلمين في تشخيص محور التغيير المنشود الذي يكمن في الإنسان، فعندما ينطلق التغيير لابد له أن يبدأ من الإنسان، "فلا تستطيع الثورة الوصول إلى أهدافها إذا لم تتمكن من تغيير الإنسان بطريقة لا رجعة فيها من حيث سلوكه وأفكاره وكلماته"51، فالإنسان هو محو عملية التغيير وهو الأساس في النصر أو الفشل، وهذا ما يؤكده الإمام: "إن جميع الانتصارات والهزائم تنطلق من الإنسان، الإنسان أساس النصر، أساس الفشل، ما يحمله الإنسان من أفكار وتصورات هو أساس كل شيء وهذا الإنسان هو نتاج بيئته الثقافية التي يتلقاها، من هنا نفهم خطورة دور المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والنشر وترويج الأنماط المسلكية لثقافة ما في المجتمعات "فالثقافة التي يتم تصورها في صيغة (بيداغوجية) هي كل هذا جميعاً، فهي تركيب متآلف للأخلاق والجمال والمنطق العملي والفن الصياغي"52.

وانطلاقاً من هذا الدور الخطير والحساس للثقافة والمناهج الفكرية، يبدأ الإمام في رفضه للتبعية من رفض التبعية الثقافية والفكرية باعتبارها منشأ بقية أنواع التبعية والتخلص منها يفتح الباب للتخلص من أشكال التبعية الأخرى،
"فالتبعية الفكرية والذهنية والعقلية هي منشأ اغلب التعاسات التي مرت على شعبنا وسائر الشعوب، وإذا تمكنا من إنهاء التبعية الفكرية، فإننا سنتمكن من إنهاء سائر أنواع التبعية"53. ولعل ما تقدم ينطبق مع القاعدة القرآنية في أن


86


التغيير الاجتماعي يبدأ في التغير الداخلي عند الفرد  ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ54. فمسار الاستقلال ورفض التبعية يبدأ في التحرر الفكري والثقافي عند الفرد المسلم وهو يشكل عملية مزدوجة.

ترفض التبعية للأفكار الخارجية من جهة للتمسك بهويتها ويقود إلى أصالتها الإسلامية التي تشكل البديل الطبيعي، من جهة أخرى.

وعندما يتخلى الفرد والمجتمع عن هويته الثقافية الأصيلة يقع في الفراغ والضياع ويصبح أكثر قابلية لتلقي الثقافات الخارجية التي تجد طريقها بسهولة إلى مناطق الفراغ والضياع الفكري والعقيدي والثقافي فيه، ولعل هذا ما حصل فعلاً في المجتمعات الإسلامية خلال القرون الأخيرة. عندما هجر المسلمون ما تبقى من هويتهم وثقافتهم ظناً منهم بأنها سبب تخلفهم وهزيمتهم، وسعوا إلى اتباع الثقافات الأخرى (شرقاً وغرباً) على أمل أن يجدوا فيها عوامل الانتصار والتقدم، فوقعوا في فخ التبعية الثقافية والفكرية، التي جلبت لهم ولمجتمعاتهم وأوطانهم باقي أشكال التبعية. حتى أحكمت التبعية طوقها على حياتهم بكل كامل، فسلبتهم القدرة على الاستقلال والنهوض واتخاذ القرار بأي شأن من الشؤون العامة.

لذا كان لزاماً أن يرفض الإمام التبعية الثقافية، كمدخل للتخلص من بقية التبعات التي غرق فيها المجتمع الإسلامي في إيران، والبلاد الإسلامية عامة، والتي ساعد عليها أنماط الحكم القائمة في هذه البلاد، التي استقت مناهجها العلمانية من الغرب أو الشرق تحت تأثير


87


الانبهار بالتقدم والنهضة الصناعية والعلمية التي شهدها الغرب خلال القرون الأخيرة. من هنا نفهم دعوة الإمام المتكررة للمسلمين بضرورة العودة إلى الإسلام ورفض التغرب الفكري عندما يقول "اعتمدوا على الفكر الإسلامي وحاربوا العرب والتغرب، وقفوا على أقدامكم واحملوا على المثقفين الموالين للغرب والشرق وجدوا هويتكم"55.

وهو يرسم هدفاً واضحاً للثورة هو الاستقلال بكل أشكاله واستعادة الهوية الأصيلة "علينا أن نصنع من إيران بلداً مستقلاً سياسياً وعسكرياً وثقافياً واقتصادياً ومتحرراً من الاتكاء على أمريكا والاتحاد السوفيتي وبريطانيا.. هذه القوى الطامعة الدولية، وعلينا أن نعلن هويتنا الأصلية للعالم ومن المؤسف أن بعض المثقفين لا يستطيعون أن يتحرروا من تبعيتهم للشرق أو الغرب، ونأمل أن يعود هؤلاء المبتورون عن الأمة إلى رشدهم في ظل التغيير الثقافي الإسلامي القائم وأن يستعيدوا اصالتهم"56.

كما نفهم حجم الاهتمام الذي أولاه الإمام قبل الثورة وتمهيداً لها بالحوزات والجامعات باعتبارها المعقل الثقافي للمجتمع، وكان حريصاً على ربط ثقافة المجتمع بالحوزة والعلماء والإلفات بأن مناهج الجامعات الموجودة (في عهد الشاه) هي مناهج غربية يجب التنبه لها وقد سعى الإمام لإيجاد حالة من التواصل بين الجامعات والحوزة وبين طلبة العلوم الدينية وطلبة الجامعات بهدف إيجاد حالة من التأثير الثقافي للحوزة على الجامعات وطلابها ولعل بعض الأسماء اللامعة


88


من طلبة الإمام وتلاميذه المميزين أمثال الشهيد الدكتور بهشتي والشهيد مطهري والدكتور علي شريعتي كانوا يصبون جل اهتماهم الثقافي في أوساط الطلبة الجامعيين وتركوا أثراً بارزاً في ثقافتهم واستطاعوا أن يصنعوا نواة للطلبة الملتزمين بخط الثورة الإسلامية في جامعات إيران والطلاب الإيرانيين في الجامعات الأوروبية والأمريكية، وهو يقول: "يجب أن تتحد بقوى هاتين الطائفتين المتفكرتين" أي الجامعيون ورجال الدين، وثم ينبه "احذروا التفرقة" إن اليوم هو يوم التلاحم بين الجامعي والطالب ورجل الدين فاستمروا في هذا التلاحم بين الجامعي والطالب ورجل الدين فاستمروا في هذا التلاحم وعلى المثقفين والكتاب أن يلحقوا بهاتين الطبقتين العزيزتين"57.

والاهتمام المميز للإمام في رفض التبعية الثقافية تجلى في ما سمي بالثورة الثقافية التي أعلنها بعد قيام الدولة الإسلامية في إيران عندما دعا لتشكيل مجلس أعلى للثورة الثقافية شارك فيه نخبة من علماء الحوزة وأساتذة الجامعات الملتزمين، وكلف المجلس بإعادة النظر في كل المناهج الدراسية والتعليمية والتربوية المعتمدة في المدارس والجامعات في إيران وإجراء تعديلات جذرية عليها ورغم أن نظرة الإمام إلى أن "العالم كله جامعة واحدة، وجميع البشر طلبة فيجب أن يكون جميع العالم طبقتين: طبقة المعلم والأستاذ، وطبقة الطالب والمتعلم الفئتان اللتان لو صلحتا، لأصلحنا البلد والعكس صحيح، وواجب المعلم هداية المجتمع إلى الله، وواجب المعلم هداية المجتمع إلى الله، وواجب الطالب تعلم هذا الموضوع بأن يتكون مجتمع يتوجه كله إلى الله، والكل في طريقه، وإذا كان الكل في طريقه فستكون الثقافة الإلهية والاقتصاد إلهياً والجيش


89


إلهياً والدرك إلهياً أيضاً"58. ولكنه يعتبر الجامعة والحوزة والأجهزة التعليمية تتحمل المسؤولية الأساس في صناعة المجتمع الصالح وتعميق وتجذير المفاهيم الإسلامية وهو يشبهها بالآلة التي يدخل فيها الأفراد الخام من ناحية ليخرجوا من الناحية الأخرى إما فاسدين وإما صالحين بحسب المضمون التربوي الذي يتحكم في مناهج هذه الآلة وبحسب نوعية هذا الجهاز، لذا فهو يحمل الجامعات في عهد الشاه مسؤولية تقديم البلاد للمستعمرين حيث "إن الذين تخرجوا من هذه الجامعات ومن المعاهد التعليمية، لو كانوا يملكون تربية وتعليماً صالحين لما كانوا قدّموا هذه البلاد للمستعمرين على طبق من فضة"59.

ويطلب إلى أعضاء مجلس الثورة الثقافية أن يجعلوا الجامعة إسلامية وإلهية ويقول: " إن الثورات والانقلابات وحالات الرفض تقوم على ثلاثة أمور: الأول يتضمن أساسها، والثاني مضمونها، والثالث يشتمل على محتواها، والثورات جميعها متشابهة غير أنها تختلف في منطلقاتها، والأهداف والمضامين كلها مهمة، أحياناً تكون الأهداف جيدة ولكن المضامين ليست كذلك أحيانا يكون العكس.

إن الثورة الثقافية هي أيضاً ثورة، وتحول من حالة إلى حالة أخرى، وفي الواقع لا مانع من تلقي العلوم المختلفة، فالإسلام يتقبل كل العلوم ما عدا بعض الأمور غير النافعة ولكن الشيء الذي ينفعنا أكثر من سواه في الجامعات هو أن نجعلها إسلامية إلهية"60.


90


ورغم أهمية الجامعة والحوزة في بث الأصالة الفكرية والثقافية وترسيخها إلا أن دور السينما والتلفاز والمسرح ووسائل الإعلام الأخرى أساسي أيضاً لاسيما في عصر الاتصالات والقرية الكونية، وهذه الوسائل كلها يجب أن تحشد في معركة التأصيل الثقافي"وإذا كنا نعاني اليوم من نقص في الطاقة الإنسانية (في هذه الوسائل) فلأن الأفكار كانت قد اعتادت على التفكير بذلك النمط الذي كان مرسوماً لها، ولذلك فإن إقامة مسرح الاستقلال وفق الأخلاق الإنسانية والإسلامية يحتاج إلى جهود ومتاعب كثيرة وكذلك السينما أيضاً فإنها تحتاج إلى وقت طويل"61.

وفي الخلاصة فإن عملية إعادة البناء الثقافي هي المرتكز والأساس في طريق رفض التبعية ونيل الاستقلال ولابد من بذل جهود مستمرة ويقظة دائمة لتحقيق هذه المهمة، وهذا ما يطلبه الإمام من الشعب والمسؤولين بعد انتصار الثورة: "ثقافتنا مهدمة، يجب أن نبدأ من جديد، الثقافة اليوم ثقافة استعمارية ويجب أن تتقلب"62، و"ثقافتنا يجب أن تتبدل وتحل الثقافة المستقلة محل الثقافة الاستعمارية"63.

سياسة اللاشرقية واللاغربية (رفض التبعية السياسية)

لقد أرست اتفاقية (بالطا) التي وقّعت في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، نظام الاستقطاب الدولي من قبل مركزين رئيسين


91


هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وقد قسم هذا النظام العالم إلى مناطق نفوذ وهيمنة، موزعة بين هذين القطبين الدوليين، وبدأ مع هذا التقسيم تصاعد حدة التنافس والصراع الدولي على مناطق النفوذ الاستراتيجية، لاسيما المناطق الإسلامية الغنية بالمواد الخام من جهة والتي تشكل أسواق استهلاكية من جهة أخرى، فضلاً عن مواقعها الجغرافية المهمة، وغدت التبعية لإحدى هذين المعسكرين، المشكلة الأساس التي ساهمت في تصدي البناء الحضاري وفقدان الهوية، فضلاً عن الإمعان في التخلف والتقهقر على شتى الأصعدة، وكان أن أدرك الإمام الخميني (الذي واكب بوعيه هذه المرحلة من تاريخ الأمة الإسلامية خصوصاً إيران ومحيطها من دون المنطقة)، خطر هذه المشكلة واستمرارها، وتداعياتها على المجتمع ومستقبله ومصيره، لذا كان شعار (اللاشرقية واللاغربية) من الشعارات المركزية لنهضته، وهو التجسيد السياسي لرفض التبعية والاستسلام السائد لها كأمر واقع في المجتمعات الإسلامية، وقد يتبادر إلى الذهن استيحاء هذا الشعار أو اقترابه من سياسة عدم الانحياز التي تلاشت عملياً مع وفاة مؤسسيها أمثال نهرو في الهند وعبد الناصر في مصر وتيتو في يوغسلافيا، وهي سياسة تعرف بأنها "مستقلة في اتخاذ قراراتها وتعبر عن رأيها في أي موضوع دولي وفقاً لتقديراتها هي، ودون أي انحياز مسبق لأي كتلة أو لمصلحة أي دولة بعينها"64. فهي توحي بالوقوف خارج فلك التجاذب الدولي المشار إليه لكنها عملياً لم تفلح لأكثر من سبب كلما شهدنا في التاريخ


92


المعاصر ورغم اقتراب المفهومين إلا أن هناك فوارق دقيقة تظهر بينها حال التأمل والتدقيق، فصحيح أن شعار اللاشرقية واللاغربية يدعو للخروج من دائرة الاستقطاب الدولي، بيد انه يدعو إلى الخروج عليه أيضاً، كما يدعو إلى الاختيار والانتماء إلى هوية.

فالمصطلح التجديدي عند الإمام مستوحى من القرآن الكريم وبالتحديد من الآية:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ65.

والموقف هنا ليس مجرد موقف سلبي بعدم الانحياز بل اختيار وانتماء إلى تلك الشجرة المباركة، شجرة النور الإلهية، وهو ما يشكل المضمون الفعلي لهذا الشعار الأصيل، المتضمن إدراك الذات والهوية لدى الأفراد والأمة، وهذا الإدراك لا يتم من خلال الآخر، بل من خلال تجديد الانتماء التاريخي والثقافي لمبادئها ومعتقداتها، ويؤكد الإمام أن جوهر مبدأ اللاشرقية واللاغربية، إنما يقوم على كونه نوعاً من تجديد لميثاق الكفاح، وتمرين لتنظيم صفوف من أجل مواصلة الصراع ضد الكفر والشرك والوثنية ولا ينحصر أيضاً بالشعار، إذ هو بداية الإعلان عن ميثاق الكفاح وتعبئة جنود الله، أمام جنود إبليس وأتباع إبليس وهو يعتبر من الأصول الأولية للتوحيد"66.

ويقترن هذا المفهوم المنتمي إلى التوحيد بمفهوم البراءة الذي يشكل


93


الوجه الآخر للتوحيد (لا إله إلا الله) نفي الألوهية عن كل ما عدا الله، ونداء البراءة الذي قرنه الإمام مع سياسة اللاشرقية واللاغربية إنما ينطلق ليؤكد أن: " نداؤنا اليوم بالبراءة من المشركين والكافرين إنما هو صرخة أمة ضاق صدرها مما عانته من اعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسهم أميركا وأذنابها، وسلبت أوطانها وثرواتها"67.

إن الترجمة العملية للمبدأ والشعار تقتضي التخلص والخلوص من كل ما ينافيه، وبهذا الاعتبار فإن لهذا المبدأ فاعلية سلبية نافية، بالقدر الذي لديه أيضاً، فاعلية ايجابية مثبتة، وهي فاعلية التحرر من كل القيود التي يمكن أن تكبل مسيرة الإنسان التوحيدية نحو الله سواء كانت قيوداً سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها.

وبالاستناد إلى إسلامية سياسية (اللاشرقية واللاغربية) يمكن القول انه لا يمكن أن يقف الإمام عند حدود إيران، بل إن اهتماماته وهمومه تستوعب كل قضايا الإسلام والمسلمين فضلاً عن المستضعفين والمظلومين إلى أي دين انتموا، وهذا ما نلحظه في نداءات الإمام إلى الشعوب المستضعفة في العالم.

لذا فإن الإمام سعى إلى تصدير وتعميم هذه السياسية اللاشرقية واللاغربية، لكن ليس عن طريق القوة العسكرية أو الإرهاب كما وصفه أداءه إنما عن طريق القناعة الذاتية "واستنهاض الإرادة الحرة لهذه الشعوب نفسها، وهذا ما يقصده الإمام في قوله، بتصدير الثورة إلى كل مكان وليس المقصود إفهام الآخرين بأننا دعاة فتح وتوسيع،


94


لأننا نعتبر جميع البلدان الإسلامية من أنفسنا، ومكان كل من هذه الدول محفوظ، وكل ما نريده هو أن يحصل لهذه الدول وشعوبها ما حصل في إيران، فيقطعوا تبعيتهم للقوى الكبرى، ويرفعوا أيدي هذه القوى الكبرى عن مصادر ثرواتهم هذا هو أملنا وهذا معنى تصدير الثورة، وهو أن تستيقظ جميع الشعوب والدول ويحرروا أنفسهم مما هم فيه من الفقر والفاقة ومن كون ذخائرهم كلها تذهب أدراج الرياح"68.

وهنا يتضح أن آلية التصدير لا تتجاوز حدود النصح والتمني والدعوة وتوجيه الانتباه من منطلق الحرص ومن منطلق الإحساس بالمشكلة والمعاناة عند المسلمين والرغبة في المساعدة "فإن مسؤولية المسلمين الإسلامية تتمثل في وجوب مساعدتهم لكل من يتعرض للظلم"69. "حيث إننا مكلفون بإنقاذ الشعوب المظلومة والمحرومة، وإن الاهتمام بأمور المسلمين من أوجب الواجبات.. ونحن لبا نستطيع أن نفصل أنفسنا عن سار المسلمين"70.

بل إن الإمام يؤكد على ضرورة عدم اتكال الشعوب على الخارج في حل مشكلاتها وتحقيق حريتها واستقلالها "وصيتي إلى شعوب البلدان الإسلامية أن لا تنتظروا أن يأتيكم أحد من الخارج ليعينكم على الوصول إلى الهدف وهو الإسلام وتطبيق أحكامه، يجب عليك أن تنتفضوا من اجل هذا الهدف الذي يحقق الاستقلال والحرية"71.


95


فالإمام يرفض فكرة التغيير من الخارج ويساند فكرة التغيير من الداخل، وعندما يطرح التجربة الثورية في إيران أمام الشعوب فهو يطرحها كنموذج وقدوة تدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تسعى لفرض نفوذها وسيطرتها بالقوة على الآخرين كما تفعل الدول الكبرى، وكما شهدنا في عصرنا حرب الخليج، والصومال، وأفغانستان، وفلسطين وغيرها من أعمال الهيمنة العسكرية تحت شعارات مختلفة.

وهكذا نجد أن السياسة اللاشرقية واللاغربية تعني في مضمونها اعتماد العودة إلى السلام كمنهج للسياسة الداخلية والحكم ورفض الانصياع لقوى الاستكبار في السياسة الخارجية، مع الحفاظ على العلاقات الايجابية مع الدول والشعوب على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التداخل في الشؤون الداخلية.

"إننا نتعامل مع كل الدول باحترام شريطة التعامل معنا باحترام وعدم تدخلها في شؤوننا الداخلية.. وان لنا علاقات صداقة مع كل الشعوب، وإذا تصرفت الحكومات معنا باحترام، فسوف نبادلها الاحترام"72.

وهو ينطلق من أن الأمة الإسلامية تعتنق "مبدأ يمكن تلخيصه في كلمتين: لا تَظلمون ولا تُظلمون. نحن نريد تطبيق هاتين الكلمتين: ألا نكون ظالمين ولا مظلومين. لقد كنا مظلومين طوال التاريخ كنا مظلومين من جميع الجهات ونريد اليوم ألا نكون مظلومين ولا نريد الاعتداء على أي بلد طبقاً لما أرمنا به الإسلام ولا نريد الاعتداء على أحد ولا ينبغي لنا ذلك"73


96


التنمية المستقلة والسعي للاكتفاء الذاتي (رفض التبعية الاقتصادية)

إذا كانت التبعية الثقافية والسياسية تشكل المدخل لبناء شخصية الفرد والمجتمع بما يخدم أهداف الاستكبار فإن التبعية الاقتصادية هي الثمرة العملية التي وضعها الغرب والاستكبار نصب عينيه، ووصل إليها عبر اعتماد الوسائل الثقافية والسياسية لاتباع الدول والشعوب الاقتصادية وتحويلها إلى مصادر للمواد الخام التي تخدم نهضته الصناعية وأسواق استهلاكية لتصريف نتاجه الصناعي انطلاقاً من تفكيره المادي القائم على مبدأ الرأسمالية، "وقصة هذا المخطط مؤلمة وطويلة، والضربات التي وجهها إلينا هذا المخطط وما زال مهلكة وقاصمة، والأكثر ألماً هو انهما (الغرب والشرق) أبقيا على الشعوب المظلومة المستعبدة متخلفة في جميع الأمور وجعلا بلدانها استهلاكية وأوجدا في أنفسنا حالة عميقة من الرهبة تجاه مظاهر تقدمها وقواهما الشيطانية، حتى لم تعد لنا الجرأة على المبادرة على أي ابداع، فعدنا مسلّمين لهما كل أمورنا حتى مقدرات بلداننا ومنقادين لهما انقياداً تاماً"74.

ونقرأ في هذا النص مجموعة من آثار للتبعية:
1- الإرهاب النفسي الممارس لتعميق الإدراك المحصور بقناة الشرق أو الغرب، فخارج هذه القناة لن يكون هناك أي قوام أو نتاج.

2-
تعطيل الإبداع والمبادرة بفعل السقوط أمام هيبة مظاهر التقدم.

3-
التحول إلى مجتمعات استهلاك وبالتالي خسران كل الثروات الطبيعية والامكانات المادية والبقاء في حالة الفقر والتخلف.


97


وقد رفض الإمام قبل نجاح الثورة، ومع أولى ارهاصاتها ـ السياسية الاقتصادية للشاه واعتبرها تحمل شعارات خادعة ولا تبني اقتصاداً وطنياً سليماً، في مجالات الزراعة والصناعة، وشخّص الخلل الذي تشكوه، خصوصاً مرض التبعية في هذه السياسات قائلاً:
"إن الهدف من (مشروع الإصلاح الزراعي لنظام الشاه) ليس إلا إيجاد سوق للدول الأجنبية، ولأمريكا بالذات، إما الإصلاح الزراعي الذي نشهده نحن فهو الذي يجعل الإنتاج للمزارعين ويحاسب الملك الذين خالفوا الشرع الإسلامي في ممارستهم ويقضي على النظام الاقطاعي.

وبخصوص تصنيع البلاد فذاك هو مطلبنا ولكن بشرط أن يكون وطنياً ومستقلاً ويتماشى مع الزراعة ويتممها من أجل مصلحة اقتصاد البلد الذي يخدم مصالح أبناء الشعب وليس تصنيعاً طفيلياً (مونتاج إعادة تركيب وتجميع) مرتباً بالأجنبي كالذي هو حاصل اليوم في إيران)75.

لقد أدرك الإمام الآثار الاقتصادية للتبعية السياسية والفكرية والثقافية أولاها اهتماماً خاصاً وحارب هذه الآثار، بالسعي لإعادة الثقة الضائعة بالنفس وتحريك المبادرة وإطلاق الإبداع والتفكير بالإنتاج والاعتماد على النفس سعياً للتخلص من التبعية الاقتصادية وللوصول إلى الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل، وهو يرى أن الطريق في اتجاه هذا الهدف طويلة وصعبة وتحتاج إلى تضحيات وتجاوز للكثير من العوائق والتملص من الكثير من المغريات التي تعرض أمامنا "إننا تعرضنا للحرمان من أي تقدم طوال التاريخ الحديث خاصة في


98


القرون الأخيرة وفي عهد رجال الحكم الخونة خصوصاً أسرة بهلوي، ومراكز الدعاية ضد منجزاتنا وكذلك عامل الشعور بالنقص، كل هذه العوامل حرمتنا من أي مسعى للتقدم، فاستيراد البضائع من كل نوع، والهاء الناس والرجال خصوصاً الشباب بالكماليات كمواد للتجميل واللعب الصبيانية وجرّ العوائل إلى التباري في مظاهر الروح الاستهلاكية، وهذا الأمر بحد ذاته يحكي قصصاً محزنة، وجرّ الشباب وهم العناصر الفاعلة إلى اللهو والضياع بإشاعة مراكز البغاء والفحشاء، وعشرات من أمثال هذه المصائب التي أوجدتها مخططات مدروسة بهدف الإبقاء على التخلف في تلك البلدان"76.

وكلام الإمام هنا يلخص ما تعاني منه دول العالم الثالث وشعوبها، من مشاكل حادة تعترض نموها وتقدمها فمن سيادة مظاهر الروح الاستهلاكية والسعي وراء الكماليات (في حين أن هذه الشعوب تعاني من فقدان المقومات الرئيسية للحياة الكريمة) إلى إضعاف المناعة الأخلاقية لدى المجتمعات بفعل نشر مظاهر اللهو والمجون التي من شأنها إطاحة الشعور بالمسؤولية لدى الشباب، وبالتالي قتل روح المبادرة والسعي لإحداث التغيير أو التقدم إلى الأمام عند المجتمعات.

وفي سعيه لإصلاح هذه الحالة المأساوية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية بفعل التبعية، وكي لا يبقى هناك ثمة تبعية على الصعيد الاقتصادي يقول الإمام: "انهضوا بإرادة مصممة، وفعالية ومثابرة لرفع أنواع التبعية واعلموا أن الجنس الآري والعربي لا يقل عن جنس شعوب أوربا وأميركا وروسيا. وإذا اكتشف ذاته وأبعد اليأس عن نفسه ولم


99


 يتطلع إلى غير ذاته، فإنه قادر على إنجاز أي عمل، وصناعة كل شيء على المدى البعيد، وبذلك ستصلون يوماً إلى ما وصل إليه أمثال هؤلاء. شريطة التوكل على الله والاعتماد على النفس وقطع التبعية للآخرين وتحمل الصعب من أجل تحقيق حياة كريمة والخلاص من تسلّط الأجنبي.

وينبغي على الحكومات والمسؤولين في الحاضر والمستقبل أن يكرموا خبراءهم ويشجعونهم على العمل بالدعم المادي والمعنوي ويمنحوا استيراد البضائع المدمرة الموجدة للروح الاستهلاكية ويكتفوا بما عندهم حتى يتمكنوا بأنفسهم من صنع كل شيء.

واطلب من الشباب الفتية والفتيات أن لا يبيعوا الاستقلال والحرية والقيم الإنسانية بما يعرضه عليهم الغرب وعملاؤه الخونة من الكماليات والتحلل والانغماس في مراكز الفحشاء، ولو كلفهم ذلك تحمل المشقة والألم.

فالغرب وعملاؤه لا يريدون لكم سوى الضياع والغفلة عن مصير بلدكم لينهبوا ثرواتكم ويجروكم إلى ذل التبعية وقيد الاستعمار وتحويل شعبكم وبلدكم إلى سوق استهلاكية، وهم بما يعرضونه عليكم وبأمثاله إنما يريدون الإبقاء عليكم متخلفين وإنصاف وحوش على حد تعبيرهم"77.

كما حثّ الإمام أيضاً المجتمع الإيراني بعد نجاح الثورة سعياً للتخلص من التبعية الاقتصادية، على تنشيط العمل في مجالي الزراعة والصناعة والاهتمام بالطاقات المبدعة والاختراعات أعطى تعليماته


100


لتأسيس مؤسسة جهاد البناء التي أطلقت برامج تعبوية شعبية لتحسين وسائل الإنتاج الزراعي والحيواني وساعدت المزارعين في كل القرى والبلدات الإيرانية للنهوض وتحسين الإنتاج كماً ونوعاً، حتى "أن التقارير الرسمية تفيد أن الأعمال التي أنجزها جهاد البناء في خلال السنتين (80 – 1981) ورغم كل مشاغل الحكومة، لم ينجز مثلها طوال خمسين عام من حكم الشاه"78.

واعتمدت سياسة جهاد البناء بشكل رئيسي على المتطوعين من طلبة الجامعات والمعاهد بالإضافة إلى المهندسين الزراعيين الملتزمين بخط الثورة، وبذلت نشاطاً مميزاً في المناطق المحرومة بشكل خاص لقد أكد الإمام على أن"العامل والفلاح هم الأساس في كل بلد، فالأساس الاقتصادي للبلد مرتبطة بالعامل والفلاح"79.

ورغم تعقيد عملية النهوض الاقتصادية لا سيما في الظروف التي تعرض لها نظام الجمهورية الإسلامية في الحرب مع العراق والحصار الاقتصادي والعزلة السياسية التي حاولت أميركا فرضها على الجمهورية الإسلامية، إلا أن الروح الثورية التي بثها الإمام في أبناء الأمة في إيران وحالة الثقة بالنفس والإصرار والعناد على إنجاح الثورة أدت جميعها إلى تحويل حالة الحصار إلى فرصة للبحث بجدية عن حلول ذاتية للأزمة الاقتصادية وهو ما نقرأه في نص الإمام "ترون أن الانفصال الانقطاع عن الشرق والغرب يُظهر بركاته، وقد انطلقت العقول المفكرة المحلية وهي تعمل باتجاه الاكتفاء الذاتي، وما كان


101


يصوره الخبراء الخونة الغربيون والشرقيين لشعبنا محالاً، بدأ يتحقق اليوم بشكل ملحوظ بيد الشعب وفكره، وإن شاء الله يتحقق أكثر على المدى البعيد"80.

لقد عالج الإمام الكثير من آثار التبعية الاقتصادية التي كان يعيشها المجتمع الإيراني المسلم عبر علاج الأسباب المؤدية لهذه التبعية والكامنة في استعادة الهوية والثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية والمشاركة العامة من كل فئات العب في نهضة البناء الداخلية وعبر التخفيف التدريجي لنمط الاستهلاك السائد، ورعاية واحتضان المفكرين والمخترعين في مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا الحديثة. وعبر بث ثقافة التكليف والتكافل الاجتماعي وهو يؤكد على المسؤولين في هذا المجال على "احترام الرساميل والجهود البناءة لتحقيق الحكومة والبلد للاكتفاء الذاتي وتنشيط الصناعات الخفيفة والثقيلة".

كما يوصي "الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال المشروعة أن يوظفوا ثرواتهم ويبادروا إلى النشاطات البناءة في المزارع والقرى والمصانع، فإن هذا العمل بذاته عبادة قيمة".

"وأوصي الجميع بالسعي من أجل رفاهية الفئات المحرومة إذ أن خيركم دنياً وآخرة، هو في الاهتمام بأوضاع محرومي المجتمع الذين عانوا الآلام والصعاب طوال تاريخ الظلم الملكي والإقطاعي"81.

ورغم كل الإنجازات التي تحققت في طريق الاكتفاء الذاتي


102


والتخلص من التبعية الاقتصادية وهي وصلت إلى نسب عالية في المجال الزراعي وحتى الصناعي إلا أن الإمام يعتبر أن هنالك حاجة في العلوم التقنية المتطورة ولكنه يوجه المسؤولين إلى الطريقة التي يجب اعتمادها في سد هذا النقص دون العودة للوقوع في التبعية فيقول إن احتياجاتنا اليوم، بعد كل هذا التخلف المفروض علينا، للصناعات الثقيلة في البلدان الأجنبية هو واقع لا يمكن انكاره ولكن هذا لا يعني أن ترتبط بأحد القطبين في علوم التقنية المتطورة، بل على الحكومة والجيش أن يعملوا لإرسال الجامعيين المؤمنين إلى البلدان التي تمتلك صناعة متطورة دون أن تكون استعمارية أو مستغلة، ولتتجنب الحكومة والجيش إرسال البعثات إلى أمريكا وروسيا وسائر الدول السائرة في فلك هذين القطبين ـ اللهم إلا أن يأتي ـ إن شاء الله ـ يوم تعترف فيه هاتان القوتان بخطئهما وتلتحقان بمسير الإنسانية وحب الإنسان واحترام حقوق الآخرين أو أن يكبح جماحهما مستضعفوا العالم والشعوب الواعية والمسلون المؤمنون على أمل يوم كهذا"82.

ولأن عملية النهوض من التبعية الاقتصادية تستدعي استنفاراً شاملاً لكل الطاقات المحلية والكفاءات العلمية فإن الإمام لا يغفل عن الطلب إلى المتواجدين في خارج إيران العودة لخدمة بلدهم "وعليهم أن يفكروا ويروا هل يسمح لهم ضميرهم الإنساني أن يجلسوا في بلاد الغربة"83.

ولقد افلحت المنهجية التي اعتمدها الإمام في تشخيص مرض التبعية، وأشكالها، وفي معالجات الأسباب المؤدية لها، عبر تثوير


103


الداخل الاجتماعي واستنفاره في مواجهة هذا الاستحقاق الكبير، مما جعل الإمام يعبر عن ارتياحه إلى النتائج المحققة في هذا المجال، مع الدعوة إلى استمرار حالة المراقبة والوعي واليقظة في مواجهة أي محاولة جديدة للانجرار إلى أشكال التبعية، وها هو يذكر في وصيته.

"أنا أوصى الشعب العزيز ومن منطلق الحرقة والخدمة، أنكم تخلصتم الآن، إلى حد لافت جداً من كثير من هذه المصائد، وقد هبّ الجبل الحاضر المحروم إلى الفعالية والإبداع، ورأينا أن كثيراً من المعامل والوسائل المتطورة كالطائرات وغيرها، التي لم يكن يظن أن المتخصصين الإيرانيين يمكنهم تشغيلها أو التعامل معها، وكنا من قبل نمد أيدينا إلى الشرق والغرب ليأتي خبراؤهم لتشغيلها، رأينا كيف أن الحصار الاقتصادي والحرب المفروضة جعلت شبابنا يصنعون القطع التي دعت الحاجة إليها وبكلفة أقل، وكيف تمت عبر شبابنا تلبية هذه الحاجة، واثبتوا أننا إذا أردنا فإننا قادرون.

فيجب أن تراقبوا بوعي ويقظة، كي لا يجركم الساسة المتلاعبون المرتبطون بالشرق والغرب، بوسائلهم الشيطانية، نحو هؤلاء الناهبين الدوليين"
84.


104


هوامش

1-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص25.
2-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر ساقق، ص23.
3-المصدر نفسه، ص24.
4-المصدر نفسه، ص25.
5-نفس المصدر.
6-المائدة55.
7-الإمام الخميني ـ الكلمات القصار، مصدر سابق، ص59.
8-المصدر نفسه
9-المصدر نفسه.
10-الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى، طهران ـ 1980م. ص120.
11-الإمام الخميني، حديث الشمس، منظمة الاعلام الإسلامي، ط1، طهران، 1992، ص17.
12-الإمام الخميني، الخطاب التاريخي الموجه إلى العلماء والحوزات 15، رجب 1409ه ـ . اصدار مجلة بقية الله، بيروت 1990م.
13-الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، ص23.
14-الإمام الخميني، مقطع من رسالته إلى غورباتشوف، 1990.
15-الإمام الخميني ـ الحكومة الإسلامية ـ مصدر سابق، ص20.
16-المصدر نفسه، ص28.
17-الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، ص30.
18-الإمام الخميني، حديث الشمس، (مصدر سابق) ص23.
19- البقرة، 85.
20-الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، مصدر سابق، ص17 ـ 20 ـ 21.
21-نفس المصدر.
22-نفس المصدر.
23-ولاية الفقيه، نظرية إسلامية تقوم على توسيع دائرة الولاية للمجتهد الفقيه إلى خارج ما تعارف عليه أكثر العلماء والمجتهدين (بالولاية على الفروج والأموال والايتام) لتشمل الولاية العامة على جميع شؤون المسلمين في المجالات كافة وهي زمن الغيبة، فيغدو للمجتهد الفقيه نفس صلاحيات الإمام المعصوم في غيابه. راجع جعفر مرتضى العاملي، ولاية الفقيه، بحث فقهي استدلالي، 1403ه ـ . ق، قم.
24-الإمام الخميني، دروس في الجهاد والرفض، مصدر سابق، ص170.
25-الإمام الخميني، صحيفة نور مصدر سابق، ص37.
26-الإمام الخميني، البيان التاريخي الموجه إلى العلماء والحوزات، مصدر سابق.
27-الإمام الخميني، البيان التاريخي الموجه إلى العلماء والحوزات، مصدر سابق.
28-الإمام الخميني، الخطاب التاريخي الموجه إلى الحوزات والعلماء مصدر سابق. ص6 ـ 7.
29-الإمام الخميني، موقف الإمام الخميني تجاه إسرائيل دار التوجيه الإسلامي، الكويت. ص121.
30-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص259.
31-المصدر نفسه، ص260.
32-الإمام الخميني، مختارات من أقوال الإمام، مصدر سابق، ص32.
33-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق ص262.
34-الإمام الخميني، الكلمات القصار، ص263.
35-الإمام الخميني، الوصية الخالدة، مكتب وكلاء الإمام الخميني، بيروت، ط1، 1990 ص48.
36-الإمام الخميني، الخطاب التاريخي الموجه للعلماء والحوزات، مصدر سابق، ص30.
37-الإمام الخميني، الخطاب التاريخي الموجه للعلماء والحوزات، مصدر سابق، ص30.
38-الإمام الخميني، الخطاب التاريخي الموجه للعلماء والحوزات، مصدر سابق، ص31.
39-المصدر نفسه، ص30.
40-الإمام الخميني ـ الخطاب التاريخي الموجه إلى العلماء والحوزات، مصدر سابق، ص34.
41-المصدر نفسه، ص34.
42-د. أسامة الغزالي حرب، الأحزاب السياسية في العالم الثالث، القاهرة، ص59، 66.
43-محمد باقر الصدر، اقتصادنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ 1981 م. ص9.
44-الإمام الخميني ـ الاستقلال الثقافي في طريق الثورة نحو الاصالة الإسلامية، مصدر سابق.
45-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص90 ـ 91 ـ 150.
46-نفس المصدر.
47-نفس المصدر.
48-نفس المصدر.
49-الإمام الخميني، الاستقلال الثقافي طريق الثورة نحو الاصالة الإسلامية، مصدر سابق، ص37.
50-الإمام الخميني ـ الاستقامة والثبات في شخصية الإمام الخميني، ترجمة الشيخ كاظم ياسين، مركز الإمام الخميني الثقافي، ط1، بيروت 1992م، ص76.
51-مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه، ترجمة عمر مسقاوي ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1978م، ص46.
52-مالك بن نبي ـ آفاق جزائرية ـ ترجمة الطيب الشريف ـ مكتبة النهضة ـ الجزائر، 1964م. ص145.
53الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص147.
54-الرعد،11.
55-الإمام الخميني، الاستقامة والثبات عند الإمام، مصدر سابق، ص76.
56-الإمام الخميني الاستقلال الثقافي طريق الثورة نحو الاصالة الإسلامية ـ مصدر سابق، ص42.
57-الإمام الخميني، مختارات من أقوال الإمام، وزارة الارشاد الإسلامي، ط1، 1402ه ـ . طهران ـ ج1 ـ 158.
 58-الإمام الخميني ـ قبسات من الفكر التربوي للإمام الخميني، التعبئة الطلابية ـ بيروت 1987، ص50 ـ 51.
59-المصدر نفسه، ص20.
60-الإمام الخميني، مجلة الشهيد، العدد 157 ـ طهران ـ ص5.
61-الإمام الخميني، مجلة رسالة الثورة في حديث أثناء لقائه وزير الارشاد الإسلامي عام 1404ه ـ .) العدد 30، ص7.
62-الإمام الخميني، توجيهات الإمام إلى المسلمين، ترجمة محمد جواد المهري، وزارة الارشاد الإسلامي، ط1، طهران، 1403ه ـ ، ص5.
63-الإمام الخميني، خطاب الانتصار ـ الوحدة الاعلامية في حزب الله، ط1، 1992م، ص29.
64-د. سليمان عواد، محاضرة في المؤتمر الثامن للفكر الإسلامي، طهران 1990.
65-النور،35.
66-الإمام الخميني، النداء التاريخي بمناسبة الحج عام 1407 هـ ، مؤسسة الفكر الإسلامي، ص7..
67-المصدر نفسه، ص9.
68-الإمام الخميني، مختارات من أقوال الإمام، مصدر سابق، ج2، ص156.
69-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص188.
70-المصدر نفسه، ص189.
71-الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهي/ة، مصدر سابق، ص127.
72-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص187.
73-الإمام الخميني، خطاب الانتصار، مصدر سابق، ص66.
74-الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية، مصدر سابق، ص54.
75-الإمام الخميني، دروس في الجهاد والرفض، مصدر سابق، ص318.
76-الإمام الخميني، دروس في الجهاد، مصدر سابق، ص65 ـ 66..
77-الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية، مصدر سابق، ص59 ـ 60
78-الإمام الخميني، الاستقامة والثبات، مصدر سابق، ص208.
79-الإمام الخميني، الكلمات القصار، مصدر سابق، ص301.
80-الإمام الخميني- الوصية السياسية الإلهية- مصدر سابق- ص112
81-المصدر نفسه، ص121.
82-الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية، ص96.
83-الإمام الخميني، حديث الانتصار، مصدر سابق، ص123.
84-الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية، مصدر سابق ص58.