الدرس الرابع: المساجد

 
يقول سبحانه وتعالى في حديث قدسيّ:

"ألا إنّ بيوتي في الأرض المساجد، تُضيء لأهل السماوات، كما تُضيء الكواكب لأهل الأرض.

ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته.

ألا طوبى لمن تطهّر في بيته، ثمّ زارني في بيتي.

ألا إنّ على المزور كرامة الزائر.

ألا بشّر المشّائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة".


(وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج1، 381)


39


تمهيد:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ 1 .

إنّ لكلّ ديانة مكاناً للعبادة، تتقرّب به إلى معبودها، توقّره وتحترمه وتقدّسه.والإسلام الحنيف جعل المساجد بيوت عبادة المسلمين. ولشدّة اهتمام الله سبحانه وتعالى بالمسجد، نسبه إليه، فكانت المساجد بيوت الله في الأرض.

وللمسجد أهمّيّة بالغة، ودور بارز في بناء الفرد والمجتمع، وله آثار على صفاء القلوب واطمئنان النفوس وتوطيد العلاقة بالله تعالى، هذا على المستوى الفرديّ، وأمّا على المستوى الاجتماعيّ فله آثار في اجتماع الناس وتعارفهم وتلاقيهم، ومعرفة بعضهم بعضاً، وشعورهم بهموم بعضهم بعضاً، وفي نشر العلم والمعرفة، وغيرها من الآثار الجليلة والخطيرة، يتّضح بعضها في طيّات هذا الدرس.

لذا قال الإمام الخمينيّ قدس سره "لا تهجروا المساجد فإنّ ذلك تكليفكم".


41


البيت الأوّل في الأرض:

يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ2 . الظاهر من هاتين الآيتين الكريمتين أنّ قواعد البيت العتيق (الكعبة المشرّفة) كانت موجودة وقام النبيّ إبراهيم عليه السلام وولده النبيّ إسماعيل عليه السلام برفع هذه القواعد وعمارة البيت العتيق،﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ 3.

أوّل مسجد في الإسلام:

لمّا قدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مهاجراً من مكّة، نزل قباء على بني عمرو بن عوف فأقام فيهم أيّام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي هذه الأيّام فيها بنى مسجداً فيها، وهو أوّل من وضع حجراً بيده في قبلته، وهو أوّل مسجد بني في الإسلام 4.

وقد نزلت في مسجد قُباء، وفي أهل هذا المسجد آية قرآنيّة مباركة وهي قوله تعالى:}
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا5. وعندما نزلت هذه الآية الكريمة مشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل هذا المسجد فقال: "إنّي رأيت الله يُحسن عليكم الثناء فما بلغ من طهوركم؟ قالوا: نستنجي بالماء بعد الاستجمار"6 .


42


إشارة وتنبيه:

بعد ملاحظة أنّ أوّل بيت وُضع للناس كان بيتاً لله سبحانه، وأنّ أوّل بيت بناه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته إلى المدينة كان مسجداً، نتنبّه إلى أهميّة ومكانة المسجد في الإسلام، وشدّة اهتمامه به، ودعوة الناس إليه، وهذا ما يدعونا لدراسة مختصرة لفوائد المسجد.

فوائد المساجد:

إنّ لعمارة وإحياء المساجد فوائد جمّة، لعلّنا لا نُدركها كلّها، وإنّما يُمكن أن نُشير إلى أهمّها.

1- إصابة إحدى الثمان:

فعن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: "من اختلف إلى المساجد أصاب إحدى الثمان: أخاً مستفاداً في الله، أو علماً مستظرفاً أو آية محكمة أو رحمة منتظرة أو كلمة تردّه عن ردى أو يسمع كلمة تدلّه على هدى أو يترك ذنباً خشيةً أو حياءً"7 .

2- أخ في الله:

ففي الرواية أنّه "لا يرجع صاحب المسجد بأقلّ من إحدى ثلاث:... أخ يستفيده في الله، وما استفاد امرؤ مسلمٌ فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله"8 .

3- تعلّم الصلاة الصحيحة:

فإنّ من يدخل المسجد لعلّه يلتقي بإمام مسجد يوجّه صلاته ويُصحِّحها أو بأخ


43


مؤمن ناصح يقوم بذلك. ورويَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد، فنظر إلى أنس بن مالك يُصلّي وينظر حوله، فقال له: "يا أنس، صلّ صلاة مودّع ترى أنّك لا تصلّي بعدها صلاة أبداً، اضرب ببصرك موضع سجودك، لا تعرف مَن عن يمينك ولا مَن عن شمالك، واعلم أنّك بين يدي من يراك ولا تراه"9.

وعن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "دخل رجل مسجداً فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخفّف سجوده دون ما ينبغي ودون ما يكون من السجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نقر كنقر الغراب، لو مات هذا على هذا مات على غير دين محمّد"10 .

ومن هنا نعرف أنّ أحسن الناس صلاةً هم أهل المساجد.

4- تفتقدهم الملائكة:

ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إنّ للمساجد أوتاداً، الملائكة جلساؤهم، إذا غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم"11 .

5- يظلّهم الله بظلّه:

فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: 00ورجل قلبه متعلّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود إليه"12 .

6- مهبط الرحمة الإلهيّة:

إنّ زائر المسجد تشمله الرحمة الإلهيّة لما روي من "أنّ من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب رحمة منتظرة"13 ، فقد تنزل الرحمة الإلهيّة على جميع أهل المسجد ببركة وليّ أو مؤمن صالح بينهم . وحضور المساجد مجلبة للرزق الذي


44


 يعدّ من مصاديق الرحمة الإلهيّة. فقد روي عن الإمام الحسين بن علي عليه السلام قال: "...أقوى الأسباب الجالبة للرزق... حضور المسجد قبل الأذان والمداومة على الطهارة"14 .

إضافة إلى ما يشعر به الإنسان داخل المسجد من طمأنينة وسرور وسكينة، وكلّ هذا من مظاهر الرحمة الإلهيّة ومن الفوائد الّتي يجنيها الإنسان بسبب زيارته للمسجد.

الإمام الخمينيّ وآداب المسجد:

وسنذكر ما أشار له مفجّر الثورة الإسلاميّة الإمام آية الله العظمى روح الله الموسويّ الخمينيّ من كلمات خالدة في هذا المجال:

في تعليقه قدس سره على رواية الإمام الصادق عليه السلام، والّتي فصّل فيها آداب المسجد15، يقول قدس سره: "ومحصّل قوله عليه السلام إنّه إذا وصَلْت إلى باب المسجد فانتبه إلى أيّ باب وصلت، وأيّ جناب قصدت، فاعلم أنّك وصلت إلى جناب السلطان العظيم الشأن الّذي لا يضع أحد قدمه على بساط قربه إلّا إذا طهر وتطهّر من جميع أرجاس عالم الطبيعة والأرجاس الشيطانيّة، ولا يصدر الإذن لمجالسته إلّا للّذين يُقدمون عليه بالصدق والصفاء والخلوص من جميع أنواع الشرك الظاهر والباطن، فاجعل عظمة الموقف والهيبة والعزّة والجلال الإلهيّ نصب عينيك، ثمّ ضع قدمك إلى جناب القدس وبساط الأنس، فإنّك واقع في مخاطرة عظيمة... فإنّك وردت إلى جناب القادر المطلق، يُجري ما يشاء في مملكته.
 
فإذا عرفت الآن عظمة الموقف فاعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك. وإذا توجّهت إلى عبادته وقصدت المؤانسة معه ففرّغ قلبك عن الاشتغال بالغير الّذي


45


 يحجبك عن جمال الجميل، وهذا الاشتغال بالغير قذارة وشرك، ولا يقبل الحقّ تعالى إلّا القلب الطاهر الخالص. وإذا وجدت في نفسك حلاوة مناجاة الحقّ، وذُقت حلاوة ذكر الله، وشربت من كأس رحمته وكراماته، ورأيت حُسن إقباله وإجابته في نفسك، فاعلم أنّك صرت لائقاً لخدمته المقدّسة، فادخل فإنّك مأذون ومأمون"16 .

بهذا التوجيه الأخلاقيّ الجميل حبّب الإمام الخمينيّ قدس سره المساجدَ إلى أهل الإيمان، وعرّفهم إلى الآداب المعنويّة للدخول إلى المسجد.

القائد الخامنئيّ دام ظله والمسجد:

وكذلك الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله أكّد في كثير من كلماته وتوجيهاته على ضرورة الحضور في المساجد والحفاظ على الجماعات فيها، فمن توجيهاته دام ظله:

"يجب‎‎ أن تكون المساجد عامرةً، ويجب أن‎ تُقام‎ فيها الصلاة‎‎ جماعة وقت‎ أداء الفريضة،‎ كما يجب‎ أن‎‎ يُسمع‎ صوت‎ الأذان والإقامة"
17 .

وفي خطاب آخر يقول: "على أبناء الشعب لا سيّما الشباب أن يعرفوا قدر قلوبهم النقيّة، وأن يزيدوا من هذه النقاوة عبر إقامة الصلاة في أوّل وقتها على مدار السنة، والحضور في المساجد وتلاوة القرآن الكريم والأنس مع القرآن"18 .

آداب المسجد19:

بعد أن تعرّضنا لكلام علمائنا الأفاضل حول مكانة المسجد وأهمّيّته، كان لا بدّ من الإشارة إلى الآداب المتعلّقة بهذا المكان المقدّس، حيث إنّنا أُمرنا بتعظيم المسجد واحترامه، وذلك لما ورد في كلام أبي عبد الله عليه السلام عندما سُئل عن


46


العلّة في تعظيم المسجد، فقال: "إنّما أمر بتعظيم المساجد لأنّها بيوت الله في الأرض"20 . وآداب المسجد كثيرة قد تبلغ العشرين أدباً، وكلّ أدب منها مأخوذ من المصادر الشرعيّة كالآيات الكريمة والروايات الشريفة، نقتصر على ذكرها، فمن الآداب، ما هو قبل وعند وبعد زيارة المسجد.

الآداب قبل زيارة المسجد:

التحلّي بالوقار ولبس أفضل الثياب، قال تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ 21 ، وعدم الاستخفاف بها وتنظيف الفم وقراءة الذكر قبل الخروج من المنزل.

الآداب عند الوصول إلى المسجد:

وضع الحذاء في المكان المخصّص له والدخول بالرجل اليمنى وقراءة الذكر حال الدخول وصلاة ركعتين تحيّة للمسجد والانشغال بالعبادة وقراءة القرآن وعدم رفع الصوت وترك القصص والضحك، وترك البيع والشراء ورفع الصوت.

الآداب بعد الخروج من المسجد:

بعد الخروج من المسجد يجب الالتفات إلى إبقاء المسجد نظيفاً مرتّباً وإضاءته وتعطيره والمحافظة على تجهيزاته وملحقاته.

لماذا البعد عن المسجد؟

بعد أن تعرّضنا لآداب المسجد وأهميّته نتحدّث الآن عن الأسباب المؤدّية للبعد عنه، ولماذا يغفل الإنسان عن أهميّة المسجد فيهجره، ومن هذه الأسباب:

1- عدم المعرفة بأهميّة المسجد وفوائده:

من الأسباب المبعدة عن المسجد عدم المعرفة بأهميّته وفوائده وبركاته الكثيرة،


47


 فهذه دعوة إلى كلّ المسلمين أن يتعرّفوا إلى أهميّة المساجد وفوائدها وبركاتها الدنيويّة والأخرويّة. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا نزلت العاهات والآفات، عوفي أهل المساجد"22 . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان القرآن دربته، والمسجد بيته، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنّة، ودرجة دون الدرجة الوسطى "23 .

2- وسوسة الشياطين:

علينا أن ننتبه إلى الخطر الكبير المتمثِّل بدور الشيطان في إبعاد الناس عن المسجد، فهو يعرف عظمة وقدسيّة هذا المكان وما يُشكّله من بنيان إيمانيّ متماسك، فقد تعهّد بإضلال الناس وصدّهم عن كلّ ما هو خير وصلاح لهم
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ24 . فعلينا أن نُخزي الشيطان ونلتزم بأمر الله وتوصيات رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار وعلمائنا الأبرار ونحيي المساجد عبر حضورنا فيها والمداومة على زيارتها.

3- مكيدة أعداء الدِّين:

الذين يضمرون الشرّ للشباب المسلمين ولا يريدون لهم الخير ويحاولون صدّهم عنه لما عرفوه من تأثير المسجد الإيجابيّ على نفسيّة وروحيّة المسلم. وقد لفت الإمام الخمينيّ ]دام ظله الأنظار إلى خطورة الابتعاد عن المسجد، وخطط أعداء الأمّة لإبعادنا عنه، قائلاً: "المسجد هو خندق إسلاميّ، والمحراب هو محلّ الحرب. إنّهم يُريدون أن يأخذوا هذا منكم، بل إنّ ذلك مقدّمة، وإلّا فاذهبوا وصلّوا ما شئتم. إنّهم تضرّروا من المسجد إذ أصبح المسجد مكاناً لتجمّع الناس، وتثوير


48


الجماهير للانتفاضة ضدّ الظلم. إنّهم يُريدون أخذ هذا الخندق منكم"25 .

وما أجمل قول أحد الشعراء المعاصرين حول هذا المضمون إذ يقول:

 

مؤامرة تدور على الشباب ليُعرض عن معانقة الحِرابِ
مؤامرة تدور بكلّ بيت لتجعله حطاماً من خرابِ


4- الظروف السياسيّة:

لقد كانت عادة المسلمين أن لا يصلّوا صلواتهم إلّا في المسجد، وهذا ما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأمير عليه السلام. فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّ رجلاً أعمى أتى إليه فقال له: يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما أسمع النداء ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "شدّ من منزلك إلى المسجد حبلاً واحضر الجماعة"26 .

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أنّ قوماً لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: "إنّ قوماً لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئاً، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وإنّي لأوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرق عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين"27 .

هذا، وقد مرّ على الشيعة بعض الظروف السياسيّة الصعبة منعتهم من أداء صلاتهم بحريّة تامّة فصاروا يصلّون في بيوتهم خوفاً وتقيّة، لكن بعد زوال أسباب الاضطهاد لا سيّما في عصرنا الحاضر فما الذي يمنع من حضورنا في المساجد؟


49


شكوى المساجد:

بعد كلّ هذا البيان لأهمّيّة المسجد وفوائده وآثاره وأسباب البعد عنه، تعالوا لنبني علاقة حميمة مع المساجد بإحيائها بذكر الله وطاعته، لا بذكر الدنيا ومغرياتها، كي لا يشكونا المسجد يوم القيامة إلى الله، فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا ربّ حرّقوني ومزّقوني، ويقول المسجد: يا ربّ عطَّلوني وضيّعوني، ويقول العترة: يا ربّ قتلونا وطردونا وشرّدونا"28 .


50


للمطالعة


الاستخفاف بالصلاة

روي عن سيّدة النساء فاطمة ابنة سيّد الأنبياء صلوات الله عليها وعلى أبيها وعلى بعلها وعلى أبنائها الأوصياء، أنّها سألت أباها محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا أبتاه ما لمن تهاون بصلاته من الرجال والنساء؟ قال: يا فاطمة من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة: ستٌّ منها في دار الدنيا، وثلاثٌ عند موته، وثلاثٌ في قبره، وثلاثٌ في القيامة إذا خرج من قبره. فأمّا اللواتي تُصيبه في دار الدنيا: فالأولى يرفع الله البركة من عمره، ويرفع الله البركة من رزقه، ويمحو الله عزّ وجلّ سيماء الصالحين من وجهه، وكلّ عمل يعمله لا يؤجر عليه، ولا يرتفع دعاؤه إلى السماء، والسادسة ليس له حظٌّ في دعاء الصالحين. وأمّا اللّواتي تُصيبه عند موته: فأولاهنّ أنّه يموت ذليلاً، والثانية يموت جايعاً، والثالثة يموت عطشان فلو سُقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه. وأمّا اللّواتي تُصيبه في قبره: فأولاهنّ يوكّل الله به ملكاً يُزعجه في قبره، والثانية يُضيَّق في قبره، والثالثة تكون الظلمة في قبره. وأمّا اللّواتي تُصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره: فأولاهنّ أن يوكّل الله به ملكاً يسحبه على وجهه والخلايق ينظرون إليه، والثانية يُحاسب حساباً شديداً، والثالثة لا ينظر الله إليه ولا يُزكّيه وله عذاب أليم29 .

 

هوامش

1- سورة التوبة، الآية: 18.
2- سورة البقرة، الآيتان: 127 و 128.
3- سورة آل عمران، الآية: 96.
4- معجم البلدان، الحموي، ج 5، ص 124.
5- سورة التوبة، الآية: 108.
6- معجم البلدان، ج 5، ص 124.
7- الخصال، الشيخ الصدوق، ص 409، الحديث 10.
8- أمالي الطوسي، ج 1، ص 45.
9- دعائم الإسلام، القاضي النعماني المغربي، ج1، ص157.
10- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج4، ص37.
11- بحار الأنوار، المجلسي، ج80، ص373.
12- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج5، ص199.
13- بحار الأنوار، المجلسي، ج80، ص386.
14- بحار الأنوار، المجلسي، ج73، ص318.
15- راجع م. ن، ج80، ص373.
16- الآداب المعنويّة للصلاة، الإمام الخمينيّ، الباب الثالث: في الآداب القلبيّة لمكان المصلّي، الفصل الأوّل، ص 189.
17- من خطاب له في المشـاركيـن‎ فـي‎ المؤتمر السابع‎ عشر للصلاة - 1/11/2008.
18- من خطاب له بتاريخ 2/09/2009.
19- يُراجع في هذا العنوان كتاب فقه المسجد، نشر جمعية المعارف، إعداد مركز نون.
20- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج5، ص297.21- سورة الأعراف، الآية: 31.
22- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج3، ص 357.
23- م.ن، ج3، ص 357.
24- سورة الأعراف، الآيتان: 16 و17.
25- منهجيّة الثورة الإسلاميّة، ص 279.
26- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 8، ص293.
27- م. ن، ج 5، ص 196.
28- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج5، ص202.
29- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج3، ص 24.