الدرس الحادي عشر:الأمانة

يقول الله تعالى في محكم كتابه:

1-
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(النساء:58)
2-
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(المؤمنون:8)
3-
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(البقرة:283)


121


تمهيد:

تُعتبر الأمانة من أهمّ الفضائل الأخلاقيّة والقيم الإسلاميّة والإنسانيّة، وقد ورد الحثّ عليها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. وقد أولاها علماء الأخلاق والسالكون إلى الله تعالى أهميّة كبيرة على مستوى بناء الذّات والشخصيّة، وعلى العكس من ذلك "الخيانة" فتُعتبر من الذّنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقيّة في واقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي.

الأمانة رأس مال المجتمع الإنساني والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين النّاس، في حين إنّ الخيانة بمثابة النار المحرقة الّتي تُحرق العلاقات الاجتماعيّة وتؤدّي إلى الفوضى والشقاء.

عند الحديث عن الأمانة فإنّ أغلب النّاس يتبادر إلى أذهانهم الأمانة في الأمور الماليّة، إلّا أنّ الأمانة بمفهومها الواسع تستوعب جميع المواهب الإلهيّة والنعم الربّانيّة على الإنسان.

إنّ جميع النعم المادّيّة والمواهب المعنويّة الإلهيّة على الإنسان في بدنه ونفسه هي في الحقيقة أمانات إلهيّة بيد الإنسان.

الأموال والثروات المادّيّة والمقامات والمناصب الاجتماعيّة والسياسيّة هي أمانات بيد النّاس، ويجب عليهم مراعاتها وحفظها وأداء المسؤوليّة تجاهها.

الأولاد أمانة أيضاً بيد الوالدين، والطلّاب أمانة بيد المعلِّمين، والكائنات الطبيعيّة أمانة بيد الإنسان لا ينبغي التفريط فيها.

وقد أطلقت الآيات القرآنيّة الأمانة على التكاليف الإلهيّة، يقول تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا


123


الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً1.

فالمقصود من الأمانة الإلهيّة هي المسؤوليّة والتكليف الملقى على عاتق الإنسان حيث لا يتيسّر ذلك إلّا بوجود العقل والحريّة والإرادة.

وكذلك الروايات أطلقت الأمانة على الصلاة ، فقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام عندما سُئل عن سبب تغيّر حاله وقت الصلاة، قال: "جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها"2.

وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم صلوات الله عليهم فعرضها على السموات والأرض والجبال... (إلى أن يقول) فولايتهم أمانة عند خلقي"3.

ويُستفاد من أحاديث أخرى أن مفهوم خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً مصداق مهمّ من مصاديق الأمانة4.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً للأشعث بن قيس: "وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنّه في عنقك أمانة"5.

وفي الحديث النبويّ أنّ: "المجالس بالأمانات"6 لأنّ في المجالس أسراراً وخصوصيّات لا ينبغي إفشاؤها.


124


الأمانة الماليّة:

أمّا الأمانة الماليّة فقد ورد الحثّ عليها كثيراً، ففي وصف الله تعالى للمؤمنين يقول:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ7.

ويقول سبحانه:
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً8.

ويقول جلّ وعلا:
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ9.

وورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "أُقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاً:يا أبا الحسن أدِّ الأمانة إلى البرّ والفاجر في ما قلّ وجلَّ حتّى في الخيط والمخيطِ"10.

وعن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له"11.

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "عليكم بأداء الأمانة فوالّذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحقّ نبيّاً لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ عليه السلام ائتمنني على السيف الّذي قتله به لأدّيته إليه"12.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّاً إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر"13.


125


وورد عن الإمام الرضا عليه السلام: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحجّ والمعروف وطنطنتهم بالليل ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة"14.

وعن لقمان الحكيم قائلاً لابنه: "... كُن أميناً، فإنّ الله تعالى لا يحبّ الخائنين"15.

إلى غير ذلك الكثير من الروايات الشريفة الّتي تمدح الأمانة وتذمّ الخيانة.

دوافع الخيانة

يعيش أغلب الأشخاص الّذين يخونون الأمانة ضيق الأفق ويُفكّرون في المنافع العاجلة ولا يُفكّرون في العواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة.

ويُمكن اختصار دوافع الخيانة بالآتي:

1- ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر.
2- غلبة الشهوات والأهواء وحبّ الدنيا.
3- تسلّط حالة الحرص والطمع على الإنسان.
4- عدم التفكّر في نتائج الخيانة دنيويّاً وأخرويّاً.

وحيث إنّ الخيانة معصية كبيرة تُردي الإنسان في مهاوي سحيقة في الدنيا والآخرة، اشرأبّ عنق الشيطان ليضلّ الإنسان ويوقعه في الخيانة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من أؤتمن على أمانة فأدّاها فقد حلّ ألف عُقدة من عُقد النار، فبادروا بأداء الأمانة، فإنّ من أؤتمن على أمانة وكّل به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليُضلّوه ويوسوسوا إليه حتّى يُهلكوه إلّا من عصم الله عزّ وجلّ"16.


126


فوائد أداء الأمانة

إنّ من أهمّ فوائد أداء الأمانة على المستوى الاجتماعي هي مسألة الاعتماد وكسب ثقة النّاس، والحياة الاجتماعيّة مبنيّة على أساس التعاون والثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع.

فلولا وجود الثقة والاعتماد لساد قانون الغاب، ولحلّ التنافر بدلاً من التكاتف والتعاون والتعامل.

ثمّ إنّه إذا سادت الأمانة في المجتمع فإنّها ستكون سبباً لمزيد من الهدوء والسكينة الفكريّة والروحيّة، لأنّ مجرّد احتمال الخيانة يُسبّب القلق والخوف للأفراد بحيث يعيشون حالة من الإرباك في علاقاتهم مع الآخرين ومن الخطر المحتمل الّذي ينتظر أموالهم.

من هنا جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب صيانة الأمّة الإسلاميّة أداء الأمانة قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تزال أمّتي بخير ما تحابّوا وتهادوا وأدّوا الأمانة واجتنبوا الحرام ووقّروا الضيف وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين"17.

ثمّ إنّه من عُرف بالأمانة والصدق كثُر من يتعامل معه في تجاراته ومعاملاته ممّا يؤدّي إلى تضاعف رزقه.

من هنا قال لقمان لابنه: "يا بُنيّ، أدِّ الإمانة تسلم لك دنياك وأخرتك، وكُن أميناً تكن غنيّاً"18.

على المؤمن الحذر

والمؤمن كيّس فطن، ينبغي أن يتعامل مع أهل الأمانة، ولا يكن بسيطاً يأتمن أيّاً


127


 كان، ومن هنا جاء التحذير من التعامل مع بعض الناس.

فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من ائتمن غير أمين فليس له على الله ضمان لأنّه قد نهاه أن يأتمنه"19.

وعن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من ائتمن شارب الخمر على أمانة بعد علمه، فليس له على الله ضمان ولا أجر له ولا خلف"20.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لم يخنك الأمين، ولكن ائتمنت الخائن"21.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "من عرف من عبد من عبيد الله كذباً إذا حدّث وخلفاً إذا وعد وخيانة إذا ائتمن ثمّ ائتمنه على أمانة، كان حقّاً على الله تعالى أن يبتليه فيها ثمّ لا يخلف عليه ولا يأجره"22.

ويكفي في ذمّ الخيانة ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:"رأس الكفر الخيانة"23. "رأس النفاق الخيانة"24. "جانبوا الخيانة فإنّها مجانبة الإسلام"25.


128


للمطالعة

التشيـّـع أمانة الحقّ

.... وإنّ ولاية أهل بيت العصمة والطهارة، ومودّتهم، ومعرفة مرتبتهم المقدّسة، أمانة من الحقّ سبحانه. كما ورد في الأحاديث الشريفة في تفسير الأمانة في الآية
﴿إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرضِ26 بولاية أمير المؤمنين عليه السلام. كما أنّ غصب خلافته وولايته، خيانة لتلك الأمانة وأنّ رفض المتابعة للإمام عليّ عليه السلام مرتبة من مراتب الخيانة.

وفي الأحاديث الشريفة، أنّ الشيعيّ هو الّذي يتّبع أمير المؤمنين عليه السلام اتّباعاً كاملاً وإلاّ فإنّ مجرّد دعوى التشيّع من دون الاتّباع لا يكون تشيّعاً.

إنّ كثيراً من الأوهام، تُعتبر من قبيل الشهوة الكاذبة يشتهي الإنسان الطعام وهو شبعان، فإذا لمسنا في قلوبنا مودّة عليّ عليه السلام وأولاده الطاهرين اغتررنا بها، وحسبنا أنّ هذه المودّة لوحدها ستبقى وتستمرّ من دون حاجة إلى تبعيّة كاملة لهم. ولكن ما هو الضمان على بقاء هذه المودّة إن لم نُحافظ عليها بل إن تخلّينا عن آثار الصداقة والمودّة الّتي هي المشايعة والتبعيّة؟ إذ من الممكن أن الإنسان ينسى عليّ بن أبي طالب عليه السلام من جرّاء الذهول والوحشة الحاصلتين من الضغوط الواقعة على غير المخلصين والمؤمنين. ففي الحديث "إنّ طائفة من أهل المعصية يتعذّبون في جهنّم وهم ناسون اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد انتهاء فترة العذاب وحصول الطهارة والنظافة من قذارات المعاصي يتذكّرون اسم النبيّ المبارك أو يُلقى الاسم في قلوبهم، فيصرخون ويستغيثون قائلين وا محمداه صلى الله عليه وآله وسلم فتشملهم بعد ذلك الرحمة".

إنّنا نظنّ أنّ حادثة الموت وسكراته، تُضاهي حوادث هذا العالمَ. عزيزي إنّك عندما تُعاني من مرض بسيط، تنسى كلّ علومك وثقافاتك، فكيف بك عندما تواجه الصعاب والضغوط والمصائب والأهوال الّتي تُرافق الموت وسكراته؟ إذا تصادق الإنسان مع الحقّ سبحانه، وعمل حسب متطلّبات الصداقة، وتذكّر الحبيب وتبعه، كانت تلك الصداقة مع الوليّ المطلق، والحبيب المطلق الّذي هو الحقّ المتعالي محبوبةً لديه سبحانه، وملحوظة عنده تعالى. ولكنّه إذا ادعى المودّة ولم يعمل حسب مقتضاها بل خالفه، فمن الممكن أنّ الإنسان يتخلّى عن تلك الصداقة مع الوليّ المطلق قبل رحيله من هذه الدنيا نتيجة التغييرات والتبدّلات والأحداث المتقلّبة في هذا العالَم. بل والعياذ بالله قد يصير عدوّاً له سبحانه وتعالى. كما أنّنا شاهدنا أشخاصاً كانوا يدّعون المودّة والصداقة وبعد العِشرة اللامسؤولة، والأعمال البشعة تحوّلوا إلى أعداء وخصماء لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام. وإذا فرضنا أنّ هؤلاء رحلوا من هذا العالَم على حبّ محمد وآله، فهم على حسب الروايات الشريفة والآيات المباركة من أهل النجاة يوم القيامة ومصيرهم السعادة، ولكنّهم يكونون في معاناة لدى البرزخ وأهوال الموت وعند الحشر ففي الحديث "إِنَّنا شُفَعاؤُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلكِنْ تَزَوّدوا لَبرْزَخِكُم".

أعوذ بالله من عذاب القبر وضغطه وشدّة البرزخ وعذابه، حيث لا يُشابهه شيء في هذا العالمَ. إنّ الكوّة الّتي تُفتح من جهنّم على القبر، لو انفتحت على هذا العالمَ لهلكت كافّة الموجودات. نعوذ بالله منه.

الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، دار التعارف،1411هـ ـ 1991م،ص431ـ432

هوامش

1-سورة الأحزاب، الآية: 72.
2- نور الثقلين، ج 4، ص 313. 
3-بحار الأنوار، ج 26، ص 320
4- م. ن، ج 99، ص 175.
5- نهج البلاغة، الرسالة، 5.
6- الاحتجاج، ج2، ص163.
7-سورة المؤمنون، الآية: 8، وسورة المعارج، الآية: 32.
8-سورة النساء، الآية: 58.
9-سورة البقرة، الآية: 283.
10- بحار الأنوار، ج74، ص273.
11- م. ن، ج 69، ص 198.
12- م. ن، ح 72، ص 114، ح3.
13- أصول الكافي، ج 2، ص 104.
14- بحار الأنوار، ج 72، ص 114، ح 5.
15-م.ن، ج 13، ص 418، ح 11.
16-م.ن، ج 72، ص 114.
17-بحار الأنوار، ج 72، ص 115.
18-م.ن، ج 13، ص 416، ح19.
19-بحار الأنوار، ج 76، ص 127، ح 10.
20-وسائل الشيعة، ج 19، ص 84.
21- بحار الأنوار، ج 75، ص 335، ح 6.
22-الكافي، ج5، ص299.
23- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج14، ص 15.
24-م. ن، ج 14، ص 15.
25-م. ن، ج 14، ص 15.
26-سورة الأحزاب، الآية 72.