الدرس الاول: الطائفية والمواطنة في لبنان (الواقع الطائفي ودولة المواطنة في لبنان)

د.بولس عاصي1

1- مقدمة عامة

يمكن تعريف المواطنية بأنها حالة يضمنها العرف والقانون يحق بموجبها لأعضاء المجتمع تسيير الشأن العام على قدم المساواة وفي كنف الحرية.

ولو تتبعنا تاريخ فكرة المواطنية لرأينا أنها عُرفت في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد لتشكل أرستقراطية مدنية، لأنها كانت تستثني النساء والعبيد والأجانب والأطفال أي أغلبية المجتمع. لقد أُسند مفهوم المواطنية إلى قيم وحُددت له غايات. فقد كانت أثينا القديمة تسنده إلى الآلهة والأساطير وروما القديمة إلى روح القانون وجوهره وتعيده دويلات القرون الوسطى إلى متطلبات الحريات الجديدة والثورة الفرنسية إلى قيم ثلاث: "الحرية، المساواة، الإخاء". ولم تكن المواطنية حقوقاً تُمنح للمواطنين وواجبات تقع على عاتقهم إلا لأنهم يشعرون بأنهم أعضاء في مجتمع توجهه قيم مشتركة، حتى وإن كانت غير مجمع عليها. وظل


 11


الفكر الليبرالي ولفترة طويلة يتنكر لضرورة نهج سياسة اجتماعية، وكان يربط مواطني المجتمع المشترك بعضهم ببعض: "كل واحد منا يضع نفسه وكل قوته تحت إدارة إرادة عليا مشتركة".

وتميّزت المواطنية بالحركة والتطوّر. وهذا ما يتبين من مسيرتها التاريخية التي تشير إلى أن كل مرحلة قدمت مساهمة أغنت مفهومها رغم وجود فترات شهدت فيها انحسار هذا المفهوم. كما شهدت تناقضات ناشئة عنه. نذكر هنا تفجّر التناقضات الاجتماعية وبأشكال عنيفة في فترة الثورة الفرنسية في الوقت نفسه الذي عرف فيه مفهوم المواطنية تألقه وشموله.

لذا كتب جان جاك روسو: "يأخذ المشاركون (في المجتمع) كمجموعة اسم الشعب ويسمى المشاركون في السلطة السياسية مواطنين ويسمون رعية لخضوعهم لقوانين الدولة. هذه الكلمات رعية، سيد، مواطن هي واحدة".

ويرى بعضهم أن المواطنية مثل الديمقراطية والمجتمع نتاج المتناقضات والتسويات، المنازعات والتوافق، قيم مشتركة ومجابهات، أفكار تتكافل وتتعارض.

ومع ذلك يبقى تعريف المواطنية عملاً يبتعد عنه غالبية الكتاب معتبرين أن كل التعاريف أو المقاربات أكانت قانونية أم سياسية أم اجتماعية أم تاريخية أم فلسفية تواجه إشكاليات تتعلق بخصائص هذا المفهوم.

فمن المنظور السياسي ليست المواطنية مجرد ممارسة لحق


 12


الانتخاب، فالمواطن بمقتضى المواطنية يتمتع بحقوق تخوله ممارسة أفعال سياسية مثل حق الإضراب الذي اعتبره المجلس الدستوري الفرنسي حقاً له الصفة الدستورية مثل مبدأ استمرارية الخدمة العامة، والتظاهر وتشكيل أحزاب سياسية وجمعيات ونقابات. لذا يعتبر العمل النقابي على أنه المواطنية في المشاريع كما النشاطات الاجتماعية – السياسية الذي يعبر عن آرائه بكل الوسائل التي تندرج تحت مبدأ الحريات العامة والخاصة.

من المنظور العام ليست المواطنية محصورة في المجال السياسي وممارسة الحقوق الوطنية فهي تشمل كل المجالات التي تخصّ الحياة الاجتماعية ومنها علاقات العمل التي أخذت أبعاداً جديدة بعد ازدياد أعداد العمال والمواطنين، فالاختيارات التي تطال السياسة الاقتصادية تؤثر تأثيراً واضحاً في المواطنية.

كما أن اتساع اللامساواة والفوارق الاجتماعية وظاهرة تهميش أعداد كبيرة جداً من المواطنين تجعل مفهوم المواطنية بلا معنى بالنسبة لهؤلاء. ونذكر هنا تهميش المواطنين الفرنسيين من أصول مهاجرة وما يترتب على ذلك من صعوبات في الاندماج في المجتمع وفي مشاكل متفجرة تنتظر الفرص المناسبة للتعبير عنها وتصل غالباً إلى مجابهات عنيفة ومطالبات مستمرة بالمواطنية الكاملة وصولاً إلى المشروعية الديمقراطية السلطة السياسية ومركز النشاط الاقتصادي وتخصصه.


 13


2- التطوّر التاريخي للكيان اللبناني

لا يمكننا الكلام عن المواطنية في لبنان دون إبراز التطور التاريخي للكيان اللبناني انطلاقاً من صورة فخر الدين في المخيلة التاريخية الجماعية لدى جماعة من اللبنانيين كأسطورة تأسيسية للبنان الحديث.

بينما الواقع هو أن الأمير في توسعه لم يطمح إطلاقاً إلى تحقيق مخطط معين لجمع المناطق اللبنانية في دولة موحدة بل كان فقط يستغل ضعف الدولة العثمانية للانطلاق إلى أماكن من المناطق الشامية النائية كعنجر مثلاً.

ولعل هذا الواقع الذي يتميز بتوسع العصبية المحلية انطلاقاً من قانون التغلب وولاية الأطراف هو الذي يفسح في المجال لتأويل مفتوح قادر على رؤية مشروع فخر الدين مشروعاً مطاطاً يتسع ويضيق في الإطار السلطوي العثماني. ويعد انهيار السلطنة العثمانية وتدخل الدول الكبرى تأثر لبنان بالانتداب الفرنسي الذي رسم مستقبل لبنان السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع ربطه بالاقتصاد الفرنسي عن طريق زراعة التوت لتأمين المواد الخام للمصانع الفرنسية في مدينة "ليون" الفرنسية. ومن الوجهة السياسية شجعت السلطة المنتدبة التعاون بين الطوائف لا سيما الموارنة والسنة وقيام تجربة ديمقراطية فريدة عانت وما زالت من التناقض الطوائفي ومن تجربة الديمقراطية التوافقية التي تشل المبدأ الذي تقوم عليه الممارسة الديمقراطية بين


  14


أكثرية وأقلية.

إذاً علام يقوم النظام اللبناني؟ هل هو نظام مواطنية، يقوم على مبدأ الحق الطبيعي، والعقد الاجتماعي والرابطة الوجودية أم هو، بالأحرى، نظام طائفي؟

إن السلطة في لبنان تقوم على نظام طوائفي، تعاقبي، دوري، يقوم على مبدأ العقد الطوائفي، ما يضرب الأساس الطبيعي للنظام الديمقراطي والإيديولوجيات الطائفية، في لبنان، مترسخة في التربية والاجتماع، فضلاً عن السياسة والاقتصاد كما لو كانت إيديولوجيات تكوينية، قدرية، بينما الفرد، أساس المواطنية، لا حضور له ولا وجود له إلا في إطار الجماعة الطائفية.
فما هي جذور الظاهرة الطائفية في لبنان؟ وعلاقتها به؟ والعوائق التي تخلقها لعدم بناء الدولة الحديثة، دولة المواطن؟

الجذور التاريخية للطائفية: بدأ بروز الطائفية في تاريخ لبنان الحديث بالترابط مع تصاعد الصراع الخارجي بين السلطنة العثمانية المسيطرة على لبنان والمنطقة، وبين تغلغل الدول الأوروبية التي بلغ التطور الرأسمالي فيها مرحلة متقدمة حملت معها الصراع للسيطرة على بلدان وشعوب وأسواق أخرى وإعادة اقتسام العالم. وفي هذا الإطار طرحت المسألة الشرقية: اقتسام تركة الرجل المريض المتمثل بالسلطنة العثمانية.


  15


أ- نظام القائمقاميتين: 1840-1860. كانت أولى نتائج هذا الصراع استخدام التعدد الطائفي وإثارة الحساسيات لطمس الصراع الطبقي الذي تجلى بالعاميات الشعبية الفلاحية ولإقامة نظام القائمقاميتين، واحدة يسيطر عليها الدروز على جنوب خط الشام، والأخرى للمسيحيين.

انتهت هذه المرحلة بمواجهة الثورة الفلاحية (طانيوس شاهين) بأحداث فتنة طائفية عام 1859-1860. وقد برزت أغراض التدخلات الخارجية وتصاعدها واستخدامها الطوائف والمذاهب داخلياً في بروتوكول 1861-1864.

ب- نظام المتصرفية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى: 1861-1919. أعطى الدول الأوروبية، بحجة حماية الطوائف، دوراً مباشراً في الداخل اللبناني. فرنسا ترعى الطائفة المارونية، روسيا الأورثوذكس، النمسا الكاثوليك، وانكلترا الدروز... الخ. وتبقى الطائفتان السنية والشيعية تحت رعاية وسلطة تركيا. وقد أُنشئت على هذا الأساس متصرفية جبل لبنان، مع لحظ مراعاة الطوائف في نظامها ومجلسه.

ج- مرحلة الانتداب الفرنسي: 1920-1943: تم تقسيم وتقاسم المنطقة وفقاً لاتفاق "سايكس بيكو". ومع بدء


  16


الانتداب الفرنسي وإعلان لبنان الكبير بحدوده الراهنة عام 1920، برزت مراعاة الطوائف في تركيبة المجالس لكن دون اعتماد توزيع المواقع الرئيسة على طوائف محدّدة.

دستور 1926 لم يتضمن نصاً يحدد التوزيع الطائفي رغم تضمنه مسألة مراعاة الطوائف في المجالس. "كان شارل دباس الأرثوذكسي رئيساً للجمهورية، ثم أيوب ثابت الإنجيلي".

بالإضافة إلى تثبيت الطائفية في المجالس التمثيلية، قام الانتداب بتثبيت عناصر التبعية في البنية الاقتصادية - الاجتماعية.

د- مرحلة الاستقلال: كان التوافق الذي جرى عام 1943 بين ممثلي طوائف (الميثاق الوطني والصيغة)، والذي أوجد عرفاً (اتفاقاً غير مكتوب)، بتوزيع المناصب الرئيسة للسلطة على أساس طائفي، مرتبطاً بحالة ظرفية ومؤقتة بهدف نيل الاستقلال، وتمهيداً لبناء الدولة المستقلة، (كلمة رياض الصلح) لكن البقاء على البنية نفسها للسلطة، وترسيخها في النظام القائم، أبقى الدولة والاستقلال في دائرة الحالة الظرفية رغم الإقرار بسلبياتها الكبيرة على الدولة والوطن والمجتمع. (المادة 95 من الدستور نصّت على اعتبار أن الطائفية مؤقتة). (الحالة الظرفية تتمثل في موقف فريق من المسيحيين يتمسك ببقاء فرنسا، وبمناداة


  17


فريق من المسلمين بالانضمام إلى سوريا، فكان الاتفاق على الميثاق والصيغة تحت عنوان طمأنة المسيحيين سبيلاً مسهلاً للاستقلال). كانت الكوتا الطائفية حتى عام 1989 (الطائف) على أساس إعطاء المسيحيين نسبة 7 على 6 للمسلمين في مؤسسات الدولة.

أحداث 1958 والحرب الأهلية 1975: لقد أدت الانقسامات التي جرى فيها استخدام الطائفية في ظل تصاعد أزمات النظام داخلياً واحتدام الصراع العربي الإسرائيلي وتقدم مشروع أيزنهاور الذي أجج الصراع الطائفي في عام 1958 والأحداث اللبنانية الفلسطينية عام 1969 ما أدى إلى إشعال الحرب الأهلية التي تفجّرت عام 1975، والتي تداخلت فيها العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية لزيادة طابعها التدميري. وقد كشفت هذه الحرب مدى الضرر والخطر الذي ينجم عن الطائفية على الشعب والوطن.

هـ - اتفاق الطائف 1989: أقر المناصفة بين ممثلي المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي والحكومة، وموظفي الفئة الأولى. رغم ما جاء في اتفاق الطائف الذي أصبح في صلب الدستور اللبناني، من ضرورة تشكيل هيئة وطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية، وضرورة انتخاب أعضاء المجلس النيابي الثاني خارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس


  18


شيوخ للطوائف، فإنه كرّس بالنص التقاسم الطائفي والمذهبي للمواقع الرئيسة للدولة. استتبع ذلك الممارسات السلطوية التي طغى عليها طابع المحاصصة الطائفية والفئوية، وترسيخ وتفشي الطائفية في الدولة والمجتمع. ولم يجرِ تشكيل الهيئة الوطنية لبحث كيفية تجاوز الطائفية، ولا انتخاب أعضاء المجلس النيابي الثاني بعد الأول القائم على المناصفة، خارج القيد الطائفي.

الايدولوجيا الطائفية: أدى تفشي الايدولوجيا الطائفية والانطلاق منها في النظر إلى تكوين الدولة ومؤسساتها وفي المجالات السياسية والتربوية والإعلامية وفي الموقف من الانتماء الوطني والقومي، بالإضافة إلى التنافس على المحاصصة ومواقع النفوذ، أدى إلى نشوء حالة من التناقض يستحيل معها تثبيت التوازنات الطائفية، وجعل الخلل هو السائد فيها منعكساً سلبياً على مجمل الحياة السياسية وعلى الاستقرار والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومكّن ويُمكّن من تحويل معظم القضايا والمشكلات التي يواجهها شعبنا وبلدنا إلى معضلات كثيراً ما تصل إلى تشنجات وانقسامات طائفية عمودية تهدد وحدة الشعب والوطن.

الطائفية والوطن: تؤدي الطائفية وثقافة الطوائف المبنية على الانطلاق من مصلحة الطائفة ودورها وموقعها حيال الطوائف الأخرى


  19


 وحقوقها في ظل البنية الطائفية للنظام، إلى الالتباس والضياع بين مفهوم الوطن والانتماء إليه، وبين مفهوم الطائفة والانتماء إليها. وينجم عن تعميم ثقافة الطائفة بديلاً من ثقافة الوطن المبنية على وحدة المواطنية، إضعاف الرابط والشعور الوطني كجامع أساس مشترك لكل الشعب، لصالح أولوية الطائفة والمذهب الذي يصبح العصب المشترك الأول بين المنتمين إليه. ويؤدي النظر إلى الوطن ومصلحته من منطلق مصلحة الطائفة وزعاماتها التي تتلطّى بها لخدمة مصالحها هي، إلى جعل الولاء للطائفة ورموزها قبل الولاء للوطن. كما يؤدي تعدد مصالح الطوائف وتباينها وتناقضها بعضها مع بعض إلى إضعاف وحدة الشعب والوطن. وإن حالة التناقضات الداخلية هذه تدفع قيادات هذه الطائفة أو تلك إلى المراهنة والاستقواء بالخارج في مواجهة خصومها الداخليين، وتستدرج التدخلات الخارجية، ما يحوّل الوطن إلى ساحة لفعل وتصادم العوامل الخارجية الإقليمية والدولية، ويجعل كل تغير أو خلل يطرأ في التوازن الخارجي، ينعكس على الاستقرار الداخلي.

الطائفية والكيان والنظام: اعتبار كيان لبنان مجموع كيانات طائفية يخلق حالة ارتباط عضوي وملتبس بين النظام والكيان. ويرمي هذا الأمر إلى تأبيد النظام الطائفي، تحت حجة أن تغييره يهدد الكيان بالتفكك وسقوط العيش المشترك، في حين أن الشعوب تغيّر أنظمتها في ظل بقاء كيانات بلدانها الوطنية. وإذا كان النظام


  20


 الطائفي منع تحويل الكيان إلى وطن، فإنه من جهة أخرى عجز عن إقامة دولة حديثة لتبقى الدولة الطائفية القائمة مجموعة مزارع للطوائف والمذاهب وزعاماتها.

الطائفية والدولة: الدولة في لبنان يتداخل فيها استخدام العامل الديني بصيغته الطائفية وعبر الزعامات والمرجعيات السياسية والروحية، مع العامل المدني المرتبط بالحياة المدنية للمجتمع، وهي أشبه بفيدرالية طوائف منها إلى دولة بالمعنى العصري الحديث.

الدولة السيدة المرجوة في لبنان هي الدولة التي تبسط سلطتها وقوانينها على الجميع داخل حدودها، كي تستطيع فعلياً ممارسة سيادتها الوطنية في وجه التحديات الخارجية.

البنية الطائفية للسلطة والنظام، تتيح التداخل والتقاسم، كما يجري، بين سلطة الدولة وسلطات الطوائف. بدلاً من أن يكون دور الدولة وسلطتها هو السائد والوحيد في مختلف مجالات حياة الدولة والمجتمع، والضامن لوحدة اللبنانيين، يسمح النظام الطائفي بتزايد دور الطوائف ومرجعياتها على حساب الدولة، من السياسة إلى التربية، والإعلام، والأحوال الشخصية، وإلى تطييف الحياة السياسية والتعامل مع اللبنانيين كرعايا طوائف وليس كمواطنين، ما يبقيهم كمجموعة أقليات طائفية أكثر مما يجعلهم شعباً ومجتمعاً واحداً.


 21


لبنان مكوّن من مجموعة أقليات (طوائف ومذاهب). ويؤدي النظام الطائفي فيه إلى جعل كل أقلية منهم تشدد على التمايز والتباين عن الأخرى ويدفعها لتغذية عصبية معينة لجمع المنتمين إليها لتعزيز موقعها. وينجم عن ذلك بقاء الحساسية والحذر وأحياناً التنافر بين هذه الأقليات، والخوف من هيمنة واحدة على غيرها أو على الآخرين. ولا يستقيم الخروج من هذه الحالة إلا بإقامة دولة ديمقراطية حديثة على أسس علمانية تفصل الدين عن الدولة وتضمن حرية الفكر والمعتقد وممارسة الشعائر الدينية للجميع، وتوفر الشروط والضمانات الفعلية لاحترام حقوق الإنسان وتعزيز تماسك الدولة وفاعليتها وبناء وحدة وطنية صلبة تكون ركيزتها قانوناً موحداً للأحوال الشخصية وقانوناً جديداً للأحزاب يمنع العمل للأحزاب الطائفية والمذهبية ويحصر العمل على مساحة الوطن بأربعة أحزاب يمين، يسار، تشكل من مختلف مكونات الشعب اللبناني وقانون انتخاب على أساس اللائحة الحزبية والنظام النسبي. وبعد إقرار مثل هذه المبادئ تصبح عملية إلغاء الطائفية السياسية سهلة المنال.

الطائفية والديمقراطية:
الطبيعة الطائفية للنظام اللبناني تتعارض كلياً مع الديمقراطية التي تعني المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات إلى أي طائفة أو منطقة انتموا، بينما يعتمد النظام الطائفي معايير تميز بين طائفة وأخرى سواء


  22


في توزع المواقع الأساس للسلطة (الرئاسات الثلاث) أم في السلّم المتعدد الدرجات في الحقوق بين المواطنين تبعاً لحجم وحصة الطوائف التي ينتمون إليها. وهذا التفريق والتمييز بين المواطنين يتنافى مع المبادئ الديمقراطية، ومع احترام حقوق الإنسان.

بقاء الطائفية والتوزع الطائفي في قانون الانتخاب لا يحرم الشعب والبرلمان صحة التمثيل فقط وإنما يؤدي في العديد من المحافظات والدوائر الانتخابية إلى جعل الثقل العددي الأكبر لطائفة ما، هو العامل المحدد لإنجاح أو إسقاط ممثلي طوائف ومذاهب أقلوية، ما يتنافى أيضاً مع المنطق الديمقراطي حتى في النظام الطائفي ويكرس صفة التبعية المطلقة في تأليف اللوائح الانتخابية.

الطائفية والإدارة: يفرض النظام الطائفي كممر إجباري للحصول على وظيفة وحتى خدمة، نمطاً من السلوك للمواطن يجعله محكوماً بالحصول على تزكية مرجعية أو زعامة طائفة. وهذا ما يجعل المواطن مرتهناً وتابعاً لهذا الزعيم أو المرجع، ويشيع ذهنية الارتهان والمحسوبية والوصولية بغرض إعادة إنتاج بنية السلطة والطبقة السياسية نفسها.

ينجم عن المظلة الطائفية واحتماء المحاسيب وحتى الزعامات بها، فساد وإفساد يستشري، وإضعاف دور هيئات الرقابة في الإدارة، إلى جانب تناقض هذا النمط المتبع بالأساس مع معايير الكفاءة والنزاهة


  23


في الوظيفة. وهذا ما يضعف الإنتاجية ويعرقل خدمة المواطنين، ويدفع المواطن للجوء إلى وساطة الزعيم والنافذ لإنجاز معاملته ليصبح مرتبطاً به. والارتباط عضوي بين النظام الطائفي والفساد.

الطائفية والشأن الاقتصادي: إن المصالح العامة للفئات المهيمنة على النظام والمكونة من قوى طائفية ومذهبية تمنع بناء دولة حديثة كما جرى في تجربة البلدان المتطورة، تلبي حاجاتها وتخدم مصالحها العامة بوتائر سريعة وبتعقيدات أقل. وهذه تستلزم بنية حديثة للدولة قادرة على مواكبة التطور الجاري في العالم، وعلى تأمين الاستقرار في السلطة والمجتمع، وهذا يتعارض مع وجود سلطة ونظام طائفي عشائري متخلف ومصدر للتجاذبات والتناقضات والهزات في السلطة والمجتمع، ينجم عنها أزمات وتفجيرات دورية وأضرار وخسائر كبيرة اقتصادياً.

رغم ذلك فإن الجانب الآخر للطائفية يلائم مصالح البرجوازية. ويتجلّى ذلك في استخدام النظام الطائفي كوسيلة لتشويه الوعي الطبقي والاجتماعي، لتفريق وتقسيم صفوف الطبقة العاملة والفئات الشعبية الأخرى على أساس عمودي طائفي ومذهبي، تجنباً لتوحيدها في النضال النقابي والشعبي والسياسي، دفاعاً عن قضاياها وحقوقها ومصالحها المشتركة.


  24


3- المواطنية من منظور النخب

إن المواطنية هي شكل من أشكال الانتماء إلى الوطن والمجتمع، وهذا الانتماء يفرض وجود ارتباط بين الوطن والمواطن، كما أنه يفرض حقوقاً على كل واحد منهم تجاه الآخر.

هناك عدة خطوات يجب اتباعها لكي يرتقي مجتمع متعدد الطوائف إلى تحقيق المواطنية التي تبدأ من الأسرة ومن ثم المدرسة، اللتين تعتبران من المؤسسات الأساس في بلورة مفهوم المواطنية وصولاً إلى الجمعيات والمجتمع الأهلي فالأحزاب السياسية العقائدية.

ومن خلال بعض المقابلات حاولنا معرفة آراء النخب حول السبيل الذي يقودنا إلى بلورة هذا المفهوم، انطلاقاً من الواقع السياسي اللبناني السيئ وغير المطمئن والذي يتخبّط بالكثير من المشاكل، وما من جهود بشرية تحاول التخفيف منها أو إعطاء حلول، وذلك لعدّة أسباب:


  25


1- النظام الطائفي والمذهبي.

2- عدم الوعي الشعبي وجهله لمفهوم المواطنية.

3- الولاء لرئيس الطائفة.

4- انعدام الهوية.

5- الوراثة في الحكم.

6- نظام الوصاية.

7- سوء ممارسة النظام الديمقراطي في مجتمع غير متجانس.

8- عدم التوافق بين السياسيين.

9- الفروقات الاجتماعية بين العاصمة والمحافظات.

10- غلاء المعيشة.

والتقى الجميع على أن التركيبة السياسية هي وراء التقوقع الطائفي، ويظهر ذلك من خلال تقسيم المناصب السياسية بحسب المصالح والمحسوبيات والإرث السياسي من الوالد إلى الابن فالحفيد، محافظة على مصالحهم واستمرارهم ما يحرم الطرف الآخر في المجتمع من تحقيق غاياته ومصالحه. متسائلين: هل غياب النظام العلماني والأحزاب العلمانية يدفع كل فرد إلى اتباع زعيم طائفته الديني والسياسي؟

أما الحلول المقترحة لإخراج البلاد من أزمتها فهي:

1- إلغاء الطائفية السياسية.

2- تعديل المناهج التربوية لبلورة مفهوم المواطنية.

3- تفعيل دور الأحزاب السياسية الديمقراطية والعلمانية.


  26


4- تعديل قانون الانتخاب بحيث يأتي الرجل المناسب في المكان المناسب.

5- إفساح المجال أمام الشعب لمحاسبة ممثليه في السلطة.

6- تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

7- عدم الارتهان للخارج.

8- فصل الدين عن الدولة والخروج من النظام الطائفي المسيطر.

9- إعطاء الأفراد جميع حقوق المواطنية دون النظر إلى المذهب أو العدد.

10- التوافق بين السياسيين حول مفهوم لبنان كوطن للجميع دون تقديم طائفة على أخرى.

هذه المقترحات قد توصل إلى المواطنية إذا ما استتبعت بنصوص قانونية تعزز مبادئ المواطنية التي أساسها إلغاء التوظيف على أساس طائفي ومذهبي. وبالمقابل فإن الحرب الأهلية التي فرضت على الشعب أجبرته على التروّي للحد من الفرز الطائفي في زمن القتل على الهوية.

فالمجتمع اللبناني يتحدّر من مجموعة طوائف أتت من بلدان مختلفة واستوطنت في أماكن محدّدة محدثة تجمعات طائفية. والمهم إعادة دمج الفئات الاجتماعية في بوتقة وطنية واحدة.
فالتعددية الطائفية في لبنان تفرض قانون انتخاب يراعي كل


  27


الطوائف. ومن المقترحات التي نالت التوافق، اعتماد قانون انتخاب نسبي على امتداد الوطن أو القضاء وقانون آخر يحوّل الأقضية إلى محافظات بحيث ينتخب الشعب مجلس المحافظات حسب الواقع الديمغرافي، وبالتالي هذه المجالس تنتخب المحافظ بعيداً عن انتمائه الديني والمذهبي بل حسب كفاءته وقدراته على تحقيق مصلحة الجماعة، ويتمثل الشعب من خلال مجلس المحافظة المنتخب بعضوين على الأكثر في كل قرية.

أما فيما يخص البرامج التعليمية، الأحزاب، الجمعيات، المجتمع الأهلي والإعلام فهي تتأثر بالقوى الطائفية في بلورة مفهوم المواطنية الحقة ولا تؤدي وظيفتها بشكلها الصحيح.

فإذا نظرنا إلى البرامج التعليمية لوجدنا أنها تعزّز مفهوم الطائفية من خلال إهمال مادة التربية المدنية التي تعتبر أساس بلورة مفهوم المواطنية، وعدم وجود كتاب تاريخ موحّد بسبب تفرّد أشخاص معيّنين بتأريخ الماضي بحسب تطلعاتهم ووجهة نظرهم.

وبالنسبة للمدارس فهي مقسّمة حسب الانتماءات الدينية (المسيحية، الإسلامية) والتي تنقل لطلابها أفكارها الدينية والعصبية الطائفية عبر حصصها الدينية.

أما فيما يتعلق بالأحزاب والجمعيات والمجتمع الأهلي فقد اقتصر دورها على النشاطات الثقافية بالرغم من دورها الكبير في بلورة مفهوم المواطنية. ولكن بعضهم يرى أن هناك جمعيات تسعى بإخلاص لإيصال


  28


صوتها ولكن القدرة المالية عند أصحاب المصالح تقف عائقاً أمام هذه الجمعيات. وبالمقابل كان هناك اتفاق شبه تام حول الأحزاب اللبنانية على أنها أحزاب سياسية، طائفية ومذهبية بحتة، وتستغل إهمال الحكومة لشعبها لتلعب دور الحاضن لمحازبيها فتقدّم لهم الخدمات التي تعجز هذه الدولة عن تقديمها. ففي كل الأنظمة الديمقراطية يلعب الإعلام دور السلطة الرابعة التي تعكس الرأي العام وتنقل مدى صلاحية النواب لمحاسبتهم من قبل الشعب. ولكن في الديمقراطية اللبنانية المسماة توافقية يلعب الإعلام دور السلطة التابعة لممثلي الشعب وأصحاب النفوذ التي تساعد السياسيين على تعبئة الشعب طائفياً ومذهبياً. ولكن بالرغم من هذه النظرة التشاؤمية هناك بعض وسائل إعلام تلعب دوراً إيجابياً لمصلحة المواطنين فهي تنقل الأحداث فور وقوعها، وتبقي المواطنين على بيّنة من كل التطورات التي تجري في المجتمع اللبناني.

وقد اتفقت أغلبية النخب على أن البرامج الحكومية لا تساعد في قيام إنماء متوازن مناطقياً وطائفياً، بحيث إن أغلبية المشاريع التي يمكن أن تحل المشاكل الاقتصادية لأي منطقة، كلها تنشأ وتنفذ في العاصمة بيروت في حين أن البقاع والجنوب والشمال تفتقدها، وهذا ما يجعل لبنان منقسماً إلى مناطق محرومة ومناطق غير محرومة.

وهناك نخب عارضوا الإنماء المتوازن وشجعوا الإنماء المتوازي مع بقية المناطق، لأن المتوازي يبدأ قبل الإنماء المتوازن.


  29


فالمشاكل والاختلالات التي عاناها المجتمع اللبناني كلها أتت من خلال الحكومات المتعاقبة بعد الطائف، التي لم تطبق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب. فالفئة الحاكمة في المجتمع اللبناني تقوم بتقسيم الوظائف بحسب المحسوبيات، بغض النظر عن كفاءة المرشحين واختصاصهم، وأدخلت أيضاً الحكومات المتعاقبة ظاهرة جديدة وخطيرة إلى المجتمع اللبناني وهي البطالة المقنّعة إذ إن هناك الكثير من الموظفين الذين يحتلّون مراكز ويتقاضون رواتب دون أي مقابل ودون أي جهد بشري.

وبسبب هذه السياسة للحكومات المتعاقبة نرى تعارضاً بين الممارسات الحكومية والممارسات الشعبية من خلال النظرة إلى المواطنية. وهناك اتفاق أيضاً حول فصل الدين عن الدولة، فالدين لرجال الدين والسياسة لرجال السياسة، فلا يمكن أن نسأل أستاذاً مدرسياً عن أعمال النجارة وبالعكس، ولا يمكن أن نسأل طبيباً عن أعمال النجارة. وهذا هو الحال بالنسبة للدين والسياسة. فالدين لله والوطن للجميع. وبالمقابل هناك فئة دعت إلى محاربة العلمانية ومحاربة كل شخص يدعو إليها. وإن تطبيق المواطنية الحقة من شأنها أن تخرج لبنان من مشاكله السياسية بحيث إن الفرد يغلب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. وإذا اجتمع كل أفراد المجتمع حول هذه الفكرة فمن المؤكد أن لبنان سيخرج من أزمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والطائفية.

وكان لاتفاق الطائف دور كبير في إدخال لبنان في العصبية بحيث


  30


وسّع الفجوة السياسية الدينية عبر تقليص مسؤوليات رئيس الجمهورية أي مسؤوليات الطائفة المارونية وتفعيل مسؤوليات مراكز سياسية أخرى. بالإضافة إلى ذلك فقد لعب الطائف دوراً أساساً في الخلاف الطائفي الداخلي، فالموارنة يتقاتلون للوصول إلى المركز السياسي الخاص بهم والسنّة كذلك والشيعة. وكل فريق يطلب تمثيلاً لطائفته حتى يصل إلى مبتغاه الخاص.

وهكذا كل فئة تقف وراء متراس طائفتها للرد على الطائفة الأخرى. وكل هذا الاقتتال الطائفي أدى إلى إلغاء التفكير الوطني.

إن البقاع يمثل شريحة جغرافية كبيرة من أرض الوطن، وهو جزء لا يتجزأ منه متأثراً بمشاكله، ولكنه يختلف عن باقي المناطق في نظرته إلى الخلافات السياسية وهي أقل شدّة ووطأة، فالبقاع يضم فئات من مختلف المذاهب والطوائف ويتواصلون فيما بينهم وتحكمهم الجيرة والتعاون أكثر من باقي المناطق، وذلك يعود إلى التعاون والتضامن بين أهاليه.

وأغلبية النخب يأسفون على حال لبنان الحاضر وخاصة عندما يسمعون أحاديث أجدادهم عن مواطنيتهم القديمة وتفضيل العيش المشترك على المراكز السياسية، وتفضيل النخوة الوطنية والأخوة على المصالح الشخصية.

فهم يريدون لبنان الأخضر الذي يمتاز بطيبة شعبه الجبّار. يريدون لبنان الحاضن لشعبه، لبنان الذي يمتاز بشفافيته. وبالمقابل يريدون


  31


 المواطن العلماني الجريء القادر على فرض رأيه على من هو أعلى منه وأقوى منه.

وأخيراً، ترى النخب أن مستقبل لبنان يرتبط بالمواطنية، فكل وطن يمر بالمشاكل، ولكن السؤال كيف تخطيها؟

4- الطائفة ومركب الأزمات

إن الأزمات التي يمر بها لبنان مع الأسف هي أزمات طائفية أو مذهبية أو في قليل من الأحيان لها البعد السياسي الصاخب. إذاً ما هي مشكلة لبنان؟ يمكن للمطّلعين أن يقولوا إن المشكلة اللبنانية هي مشكلة عيش حقيقي بين الطوائف، التكاذب والتعايش الذي يُرفع شعاره دائماً يسقط مع كل هزة ريح. لهذا السبب نقول يجب التفتيش عن مكونات صلبة لقيام النظام السياسي الحديث. فلنكن موضوعيين ونصارح بعضنا بعضاً، إن النظام الطوائفي تشكل بناءً لرغبات خارجية ويستمر انطلاقاً من دعم الخارج لهذه الطائفة أو تلك. كيف نخرج من الهيمنة المارونية إلى الهيمنة السنية فالهيمنة الشيعية؟ فإذا كان لبنان يتألف من ثماني عشرة طائفة كيف سنوفق بين هذه المكونات؟ من هنا كانت فكرة المواطنة أي أن نحمل مفهوم الإنسان كقيمة للإنسان نفسه لا أن نترك الإنسان عرضة لمزاج زعيم الطائفة أو المسؤول الطائفي وتعلقه بمذهبه وطائفته. من هنا الفكرة الأساس أن يُحترم الإنسان كفرد. وانطلاقاً من احترام الإنسان كفرد فكرنا بمسلمات أساس انطلاقاً من


  32


التجارب الكبيرة التي عرفتها المجتمعات المسيحية حول التحول الكبير من الدولة الأمة في أوروبا والصراع الكبير الذي عشناه بين الكنيسة والملكية واستمر هذا الصراع طويلاً بين الدين ومفهوم المؤسسة السياسية إلى أن تفجر هذا الصراع وانتصرت الثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر وأدى ذلك إلى ضرب المكونات السياسية الدينية ورفع شعار فصل الدين عن الدولة. وعايشنا التحول الكبير من الدولة التي ركيزتها المسيحية إلى الدولة التي ترتكز على القانون الوضعي المدني. هذه التحولات نقلت أوروبا وعلى رأسها فرنسا من مجتمعات متخلفة إلى مجتمعات متطورة وأصبحت تضاهي في التأثير بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس. إن التجارب التي عرفها لبنان من تدخلات خارجية من عهد القائمقاميتين إلى التدخل الخارجي حين كانت كل دولة تحمي طائفة محددة، هذا كله أجَّج الصراعات الطائفية في لبنان.

ما زلنا نعيش في مرحلة ما بعد الاستقلال التعقيدات التاريخية السلبية، بين الطوائف ما أدى إلى هذه الخلخلة الطائفية والمذهبية منذ قيام لبنان حتى اليوم. لن أفرق بين طائفة وأخرى لأن النظام السياسي المبني على طوائف ومذاهب أدى إلى هذا البنيان السياسي الهش الذي جعل لبنان عرضة لكل هبة ريح داخلية، إقليمية أو دولية، يتأثر بها ويستنزف قواه. وما زلنا نعيش هذا المسلسل منذ 1860 وحتى اليوم. من هنا اقترحنا تطبيق مبدأ المواطنية. المواطنية كمفهوم هي شكل من أشكال الانتماء إلى الوطن وإلى مجتمع مدني ينخرط فيه المواطنون


  33


بملء حريتهم، معبرين عن إرادتهم بالعيش معاً متضامنين في بنائه من خلال المؤسسات الرسمية والخاصة ومستعدين للذود عنه عندما يهددهم عدد من داخل وخارج، وذلك بدعم المؤسسات المختصة بشكل محدد لها حسب القانون.

إذاً في هذا التحديد الشامل لمفهوم المواطنة يكون للإنسان حقوق وعليه واجبات انطلاقاً من قيمته كفرد وليس من قيمته كشخص ينتمي إلى طائفة أو مذهب أو ما شابه. من هنا قدمت المواطنية الإنسان كفرد له قيمة مستقلة وسابقة على الانتماء إلى الطائفة والعائلة والمذهب. هذا أولاً في مفهوم المواطنية. فالمواطنية تهدف فيما تهدف من وراء ذلك إلى تعزيز قدرات المجتمع المدني لكي يكون له التأثير في تغيير الذهنية السائدة وصولاً إلى المبتغى من قيام الدولة المدنية.

ما هي شروط الدولة المدنية؟ هي دولة تمثل جميع المواطنين وتحمي جميع الحقوق وتأخذ موقفاً حيادياً من الجميع، ونتيجتها المؤسسات القادرة والعادلة، فتطبق الدولة المدنية القانون المدني على الجميع دون تمييز. إن تطبيق قوانين الأحوال الشخصية يكون مع مراعاة قوانين كل طائفة في بلد متنوع كلبنان. والقاضي المدني هو الذي يبتُّ في هذه النزاعات، وهي تكفل لكل إنسان حق اختيار الدين الذي يريد، كما عليها أن تحترم خيار من يصرِّح بأنه لا ينتمي إلى أي دين. الدولة المدنية التي مصدرها المجتمع المدني تحترم كل الأديان ولا تنحاز إلى دينٍ معين، ويكون دستورها مدنياً وقوانينها مدنية وتستمد شرعيتها من صناديق


  34


الانتخاب والقانون الذي ينظم هذه الانتخابات. الدولة المدنية تعبر عن مصالح الناس مهما اختلف الدين أو المذهب أو غيره، لأنها تصرُّ على فصل الدين عن الدولة، وهذه قضية للنقاش أيضاً بين كل المكونات التي تتألف منها، فميزات الانتماء إلى الدولة المدنية تسمح بالتمتع بالحقوق اللازمة للشخص والالتزام بواجباته وليس التمتع بقانون الالتزام بالطائفة أو المذهب. وهنا الفرق كبير، ما هي الحقوق الشخصية للفرد في الدولة المدنية؟ الحقوق الفردية للشخص تتلخص بالحرية التي كفلها الدستور لكل أبناء الوطن والمساواة أمام القانون والعدالة دون استنساب وممارسة الديمقراطية بأبهى صورها ونبذ العنف مهما كان نوعه.

أما الحقوق الاجتماعية في الدولة المدنية فتتلخص بالتعليم المجاني وتأمين العمل والعناية الصحية والحفاظ على البيئة.

أما الواجبات فهي التشبث بالوطن والحفاظ على وحدته وحريته وسيادته واستقلاله. ويتجلى ذلك بنبذ منطق الميليشيات والاستقواء بالخارج ما يؤدي إلى تصدع الوحدة الوطنية والخوف على المستقبل والمصير وانعدام الثقة وتفويت فرص العمل بسبب قلة الاستثمارات وتكاثر أعداد المهاجرين بحثاً عن عمل، وفي كثيرٍ من الأحيان عن أوطان بديلة، وهذا ما نعيشه في هذه الأيام العصيبة.

أيها السادة لا يمكن لهذه القضايا أن تطبق إلا بقيام دولة قادرة وعادلة بمؤسساتها التي تقدم أمثولة في الانضباط وتطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وسياسة الثواب والعقاب لأن الدولة


  35


المدنية تقوم على القانون الوضعي وتحدُّ من هيمنة الطوائف على الدولة ولكنها لا تدعو إلى الإلحاد، بل تحدُّ من تدخل الطوائف والمذاهب في عمل الدولة، أما المستويات الثلاثة التي تقوم عليها هذه الدولة،

فهي أولاً: الديمقراطية التي تقوم على التسامح وضمان حرية التعبير لكل الأفراد عن معتقداتهم السياسية والفلسفية وحتى الدينية شرط أن لا تتعارض ومشاريع وبرامج وقوانين الدولة المدنية.

ثانياً: الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية لكي تقوم دولة الحق والقانون.

ثالثاً: العدالة: لا يكفي للدولة المدنية أن تكتفي بالديمقراطية الشكلية بل عليها أن تطبق مبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وحق الأقلية في مراقبة أعمال الحكومة كي لا تنزلق الحكومات التي تدعي الديمقراطية إلى الديكتاتورية. إن الانطلاق لتغيير المفاهيم السائدة في المجتمع اللبناني يتطلب أولاً: برنامجاً تربوياً موحداً لكل المواطنين، ثانياً: إلغاء التمييز الطائفي في الوظائف والمؤسسات، ثالثاً: إعلاماً وطنياً موحداً، رابعاً: قانوناً موحداً للأحوال الشخصية، خامساً: قانون أحزاب جديداً يتوافق والمبادئ المذكورة أعلاه، سادساً: قانون انتخاب يعيد النظر بالدوائر الانتخابية ويطبق مبدأ النسبية.


  36


إن هذه المبادئ طرحناها في منطقة البقاع على مجموعة من الشبان. توجهنا إلى النخب البقاعية من بعلبك الهرمل إلى قضاء زحلة فقضاء البقاع الغربي وملأنا مئتي استمارة حول هذه المبادئ وحصلنا على نتائج في بعض الأحيان مشجعة، وفي بعض الأحيان كان هناك تقبّل وفي قليل من الأحيان كان هناك رفض لأن المعاناة كبيرة في كل الطوائف والمذاهب من عدم عدالة النظام السياسي الذي نعيش في ظله. وأصارحكم القول أن المواطنين كل المواطنين في البقاع يتمنون العدالة، يتمنون فرص العمل، يتمنون النظام السياسي العادل والمؤسسات العادلة، وتطبيق الأمن والقانون على الجميع. ولكن هناك تخوف، فقد تبين معنا من خلال الإحصاءات أن 25 أو26 % بالمئة يحبذون القانون الموحّد للأحوال الشخصية، بينما 75 بالمئة يقولون إن لكل طائفة ولكل مذهب خصوصيته ويجب الاحتفاظ ولو مؤقتاً بنظام المحاكم الشرعية لدى المسلمين أو لدى المسيحيين. لهذا نقول إن هذه المبادئ تُقبل في بعض اللحظات وقد ترفض في لحظات أخرى ولكن نقول إن لبنان، صدِّقوني، من خلال القراءات التاريخية التي اطلعتم عليها، لن يتمكن من الاستمرار في ظل ثماني عشرة طائفة على الرغم من الذين ينظِّرون لهذا العيش، هناك من يقول إن لدى المسيحيين رسالة عيش مشترك ويقول إن لبنان رسالة تعايش، كما قال قداسة الباب هو رسالة محبة وسلام إلى كل العالم العربي. هذه كلها كلمات لا تعالج المشاكل الحقيقية البنيوية التي يعيشها النظام السياسي اللبناني،


  37


فلنفكر كلنا بمبدأ كيف نصل إلى مقاربة هذه القضايا لكي نصل إلى حلول لهذه المشاكل التي يعيشها لبنان. أصدرت دراسة بسيطة في عام 1996 حول القانون الأجدر للانتخابات وصدرت في الجرائد وأخذت الكثير من النقاشات كأن يوزع لبنان إلى عشر محافظات تشتمل على أقليات طائفية من الجميع دون أن تؤثر واحدة على أخرى. وافترضنا تقسيم لبنان على عشر محافظات عرضية من البحر إلى الجبل توزع حسب التوزيع المستطيل للبنان من الناقورة وصولاً إلى عكار وقلنا هذه مقدمة لكي ننشئ أربعة أحزاب في لبنان يمين ووسط وبيئة ويسار. وهذه القوى تتوزع على المحافظات العشر دون أن يكون لأي طائفة الغلبة في تنظيمها السياسي، أي أن كل طلب ترخيص لحزب يجب أن يشتمل على كل الطوائف والمذاهب الموجودة في لبنان. هذه المحاولة أظنها مرحلة أساساً وصولاً إلى المجتمع المدني فالدولة المدنية. كما حاولنا أن نشرح فصل النيابة عن الوزارة ومن ثم إدخال النسبية لكي تتمثل كل القوى وكل المحافظات وتصبح الانتخابات على أساس اللائحة الحزبية. من هنا التعارض كان كبيراً من كل القوى الإقطاعية والطائفية لهذا المشروع لأنه لا يناسب القوى السياسية الحاكمة.

فما نقترحه هو القبول بالمبدأ. وإذا أحببنا أن يستمر لبنان على القوى المؤثرة أن تتنازل لمصلحة الدولة العادلة والقادرة والتي تستطيع أن تدير شؤون التكوينات اللبنانية المختلفة. مع ثماني عشرة طائفة لا يمكن لهذا النظام الطائفي أن يستمر فهو ينتج الأزمات وينتج الأحداث


  38


وينتج المشاكل كل فترة عشر سنوات إذا يمن السّنَّة على الحكم بعدها يطالب الشيعة وبعد ذلك يطالب الموارنة وهذه القضية لا تنتهي. ما نطمح إليه هو أن نعايش شباباً يعيشون القضايا المطلبية التي غابت اليوم عن مجتمع الشباب. كل فئة من الشباب تحاول أن تلتزم بمطالب الفريق السياسي التي تمثل. لقد غابت القضايا المصيرية. كنا في الجامعة اللبنانية في 1968 و1969 والـ1970 نعمل لقيام البناء الجامعي وعايشناه في الحدث بناءً على مطالبات مستمرة من قبل طلاب الجامعة اللبنانية. أين طلاب الجامعة من هذه القضايا المصيرية. أين الأبنية الجامعية؟ أين محاربة الغلاء؟ أين محاربة القضايا التي يعاني منها المواطنون في كل الطوائف والمذاهب؟ لهذا أمنيتي إلى الجميع أن نعزّز دور الشباب في قضاياهم المطلبية ونبعدهم قدر الإمكان عن المشاكل السياسية التي تعيشها الأحزاب بمختلف فئاتها في لبنان.

ويجب أن أركِّز على قضية فلسطين. كنا في مطلع الخمسينات والستينات نعالج قضايا أساساً، كقضية فلسطين، اليوم أصبحت القضايا القومية بمثابة مطالب شفوية، وهذا يدمي القلب لأن المطالب القومية تدحرجت أمام المشاكل الكبيرة التي يعيشها الشعب اللبناني والمواطنون اللبنانيون. من هنا يجب أن نقول إن المقاومة انتصرت بدعم كل الشعب اللبناني وحرَّرت الأرض. ويجب أن نتكتل حول القضايا القومية لكي تبقى مستمرة حتى تحرير الأرض المغتصبة، إن في الجنوب أو في فلسطين من الاغتصاب الإسرائيلي.


  39


أنا حاضر لكي أجيب عما ذكرت حول هذه الأفكار، هذه الأفكار التي قد تكون غريبة عن المجتمع الذي تعيشون فيه ولكنها متداولة في قسم كبير من الأوساط الفكرية السياسية. ولكن أقول لكم لن يكون التغيير غداً ولكن التغيير يبدأ بقفزة نوعية متضامنة من كل الفئات اللبنانية وشكراً لكم.

الخاتمة

إن المجتمع اللبناني مدرك لمشاكله ويعترف بوجودها. ولكن للأسف إن الشعب خاضع لتدبير عيشه بشقاءٍ وتعب بسبب سياسة التجويع التي تمارسها الحكومات المتعاقبة على هذا الشعب الأبي المناضل الذي تميز بمقاومته للغزاة الطامعين بأرضه على مرّ السنين ولأجيال طويلة.

إن الطائفية زعزعت التاريخ السياسي للبنان وهدّدت وحدته. لقد سأل "ريمون إده" "هنري كسنجر": ما سبب قيام الحروب على أرض لبنان؟ فكان جوابه أن الزلزال لا يصيب إلا الأرض المتصدعة. وهذا الكلام الخطير هو جزء من الواقع اللبناني الذي يدفعنا إلى السعي لإحداث تغيير جذري في القاعدة الفكرية عند هذا الشعب. فهذا التصدع يخدم الدول الكبرى التي تهدف للحفاظ على أمن دولة "إسرائيل" التي تلعب دوراً كبيراً في التعبئة الطائفية. ومن خلال هذه المقابلات مع بعض نخب المجتمع رأت هذه النخب أن التغيير يبدأ من الأسرة والمدرسة إلى جانب المجتمع الأهلي والجمعيات والأحزاب،


  40


حتى الإعلام له الدور الأكبر بترسيخ المواطنية عند الرأي العام. ولكن تعتبر هذه الآراء نظرية غير مطبقة على أرض الواقع لأنه دون القيام بالمبادرة والسعي لتحقيقها ستبقى أفكاراً وأحلاماً وردية في رؤوس مقترحيها. أحد الزعماء العلمانيين أوصى لأبناء عقيدته: "... اتضح أن التوصيات الدينية والحزبيات الملية هي بلاء لا بلاء بعده... يجب أن نكون عصبة واحدة لا تفرق بيننا أي فكرة محلها الآخرة ولا يتميز بيننا أحد إلا بمقدار ما يجاهد ويبذل لخير الجميع... على الشعب أن ينهض نهضة واحدة بعقيدة واحدة وإيمان واحد...".

هذه الكلمات ليست بشعارات بل هي الحل لنهضة الشعب اللبناني المتميز بتنوعه وتعايش أبناء شعبه. ويجب إكمال ما بدأه فؤاد شهاب ورجالات الاستقلال والمقاومة اللبنانية لنتخطى العصبية الطائفية نحو المواطنية. ولكن لأي مدى مسموح لهذا الشعب بأن يرتقي من المصلحة الفردية إلى مصلحة الجماعة؟؟؟


  41


مراجع البحث

1- مسعود ضاهر، الجذور التاريخية للمسألة الطائفية، معهد الإنماء العربي 1986

2- فؤاد خليل، الطائفية كلام آخر، دار الفارابي، بيروت2000

3- كريم أبو حلاوة، إشكالية مفهوم المجتمع المدني، دار الأهالي، دمشق 1998

4- سليمان تقي الدين، المسألة الطائفية في لبنان، دار ابن خلدون

5- عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، مركز دراسات الوحدة العربية 1992

6- سمير أمين، بعض قضايا المستقبل: تأملات حول تحديات العالم المعاصر، دار الفارابي، بيروت 1990

7- جمعية العمل من أجل خيار مدني، لمن يهمه الأمر، بدون تاريخ ودار نشر

8- محمد جمال باروت، المجتمع المدني مفهوماً وإشكالية، دار الصداقة، حلب 1995

9- أنطوان مسرة، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في لبنان، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة 1995

10- محمد عابد الجابري، إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، في: المستقبل العربي، العدد 167، كانون الثاني 1993

11- كمال جنبلاط، رسالتي للعدالة الإنسانية، الدار التقدمية، الطبعة الأولى، أيار 2004

12- بولس عاصي، قلق المواطن وقضاياه، دار الحداثة، بيروت 2008

هوامش

1-استاذ في الجامعة اللبنانية