الدرس الأول: التزكية ومعرفة النفس

v أهداف الدرس
1- أعرف معنى التزكية وأهمّيّتها.
2- أميّز الخصائص الإنسانيّّة.
3- أعرف حقيقة النفس الإنسانيّّة وقيمتها.
4- أمتلك الدافع للبدء بعمليّة تزكية النفس.


7


v تمهيد

كما أنَّ الإنسان يهتم بجسده وبصحته، فيغذيه بما يوجب نمّوه وسلامته، ويقيه من الآفات والأمراض، ويبادر إلى الطبيب عند شعوره بالمرض أو الألم ليعالجه منه، فيستعين بالجسد السليم القويّ على قضاء حوائجه، فكذلك النفس البشريّة، ينبغي الاهتمام بها وتغذيتها بما يوجب رقيّها وسلامتها، وينبغي العمل على وقايتها من الامراض، وإذا أُصيبت بآفة أو مرض بادر إلى علاجها مستعيناً بتقوية الجانب الإنساني فيها. فتنميتها بالفضائل والأخلاق الحسنة حتى يقوى فيها جانبها الإنساني وبعدها المعنويّ هو تزكية النفس.

v أهمية تزكية النفس

تظهر أهميّة تزكية النفس بملاحظة الأمور التالية:


1- الهدف من بعثة الأنبياء
:

فقد وصلت إلى درجة أنَّ الله تعالى جعلها هدفاً أساسيّاً لبعثة الأنبياء عليهم السلام، وقد جاء الأنبياء عليهم السلام من أجل مساعدّة الناس على بناء أنفسهم، وذلك بتعليمهم مكارم الأخلاق وفضائلها، وتربيتهم عليها، وإرشادهم إلى طرق كبح الميول والرغبات النفسيّة المخالفة للعقل والشرع.

قال تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ1.


9


وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عليكم بمكارم الأخلاق فإنَّ الله عزَّ وجل بعثني بها"2.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق"
3.

2- النجاة يوم القيامة:

أمَّا عن أثر التزكية يوم القيامة فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: "ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق"
4.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثر ما تلج به أمَّتي الجنّة تقوى الله وحسن الخلق"
5.

v إهتمام الإسلام بتزكية النفس

لقد أكّد الإسلام كثيراً على التزكية واهتمَّ اهتماماً خاصاً بالأخلاق، ولذلك نجد أنَّ الآيات ذات المضمون الأخلاقيّ في القرآن الكريم أكثر من آيات الأحكام والتشريع، بل القصص القرآنيَّة ذات أهداف أخلاقيَّة، والأحاديث الواردة عن المعصومين، كثير منها يرتبط بالأخلاق.

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين يديه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

"حُسن الخلق"، ثمََّّ أتاه من قبل يمينه فقال: يا رسول الله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "حُسن الخلق"، ثمَّ أتاه من قبل شماله فقال: ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "حُسن الخلق"، ثمَّ أتاه من ورائه فقال: ما الدين؟ فالتفت إليه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أما تفقه؟! هو أن لا تغضب"
6.


10


كما أنَّ الثواب والعقاب اللذان يترتَّبان على الأمور الأخلاقيّة ليسا بأقلِّ من الثواب والعقاب اللذين يترتَّبان على بقيَّة الأمور.

v معرفة النفس ومراتبها

النفس والروح في معنى واحد، وهي ذات حقيقة واحدة إلاَّ أنَّ لها أبعاداً وجهات متعدّدة:

1- جهة رشد ونموّّ مع نموّ الجسد.
2- جهة حركة وشهوة وغضب.. كما في بقيّة الحيوانات وهذا هو بعدها الحيوانيّّ.
3- جهة كمال، لأنَّها تدرك وتفكر وتعقل، وهذا هو بعدها الإنسانيّ وهو أسمى المراتب الإنسانيّّة وأرقاها.

وبذلك تكون للنفس مرتبتان: مرتبة دنيا، ومرتبة عليا.

فالنفس بمرتبتها الدنيا هي حيوانيّّة الميول، لها صفات وآثار الحيوان، وتميل كما يميل أيُّ حيوان، وبمرتبتها العليا هي إنسانيّّة ملكوتيَّة طاهرة كاملة، إلاَّ أنّها تحتاج لكمالها إلى التربية والتهذيب، فالإنسان يحتاج في المرتبة الدنيا إلى الماء والطعام والمسكن والهواء والزواج وغير ذلك، فهو حيوان بالفعل، إلاَّ أنَّ النفس تقبل النموّ والتربية، وتميل إلى الكمال والصفات الكماليّة من علم ومعرفة وإحسان وإيثار وعدالة وعفو واستقامة وصدق وأمَّانة وشجاعة وكرم وحب للخير ودفاع عن المظلومين وغير ذلك، وبهذا يكون كمالها وبذلك تصل إلى مرتبتها العليا.


11


v كرامة الانسان بروحه

إنَّ الذي يجعل الإنسان إنساناً ويميّزه عن سائر الحيوانات هو بعده الإنسانيّّ وروحه الملكوتيّة المجرَّدة، وهذا الجانب بالذات هو مورد التكريم الإلهيّّ في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً7.

كما أنَّ هذا الجانب هو الذي يشكِّل موضوعاً للتزكية والتربية وليس الجانب الحيوانيّّ الماديّ. صحيح أنَّ الإنسان حيوان وله حاجات على هذا المستوى، لكنَّ تلبية حاجات البعد الحيوانيّّ ليست هدفاً بذاتها، بل هي من أجل خدمة البعد الإنسانيّّّ وتكميل حياته الإنسانيّّّة، فلو جعل الإنسان بعده الحيوانيّّ هدفاً، ولم يكن همّه في الحياة إلا الأكل والشرب واللباس وإرضاء شهواته وغرائزه الحيوانيّّة، لَفَقَد إنسانيّّته ولسقط في دَرْكِ الحيوانيّّة وإن كان بصورة إنسان، وهذا ما عبَّر عنه القرآن في قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ8.

v أقسام النفس

1- قسم يعتبر النفس جوهراً ثميناً وأمراً ملكوتيّاً جاء من عالم الكمال، وأنّها منشأ كلّ الفضائل والقيم الإنسانيّّة، ولذلك فيجب تربيتها


12


لى الأخلاق والقيم، من قبيل قول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ النفس لجوهرة ثمِّينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها"9.

2- وقسم يصف النفس بأنَّها عدوّ وموجود شرّير، وأنّها منشأ السيّئات، فيجب لذلك محاربتها وتعنيفها، من قبيل قوله تعالى:
﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ10.

وقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك"
11.

ولا تعارض بين هاتين الطائفتين من النصوص، لأنَّ مورد المدح في الطائفة الأولى هو البعد الإنسانيّ، والمرتبة العليا من النفس، بينما مورد الذمّ في الطائفة الثانية هو البعد الحيوانيّ منها، فإذا قيل: احفظ نفسك وربِّها، فالمراد من ذلك المرتبة الإنسانيّّة. وإذا قيل: اقهرها، فالمراد بذلك المرتبة الحيوانيّّة، وذلك لأنَّ كلا المرتبتين في حالة صراع وتجاذب دائمين، فالذات الحيوانيّّة تسعى دائماً لإرضاء رغباتها وميولها، وتحاول أن تقطع طريق الرقيّ والتكامل على النفس الإنسانيّّة، وعلى العكس من ذلك، فإنَّ الذات الإنسانيّّة تسعى دائماً للسيطرة على الرغبات والغرائز الحيوانيّّة من أجل طيّ المراحل الرفيعة للكمالات الإنسانيّّة، حتى تنال مقام القرب الإلهيّ. فإذا تغلَّب البعد الإنسانيّّ في هذا الصراع ارتقى الإنسان في مدارج الكمال، ولو تغلَّب البعد الحيوانيّّ فيه انحدر الإنسان في وادي الضلال والإنحراف.


13


v ضرورة تنمية البعد الإنساني

إنَّ الإنسان إذا التفت إلى حقيقته وبعده الإنسانيّّّ وعرف نفسه حقَّ المعرفة سيّدرك أنَّه أتى من عالَم الكمال، عالَم القدرة والعلم والمعرفة والرحمة والإحسان والخير والعدالة، وأنَّه لا بدّ أن يسعى إلى الكمال، وأن يكون هدفه هو الوصول إلى مقام القرب الإلهيّ، حتى يتلائم مع ذلك العالَمِ الذي أتى منه، والقيم الأخلاقيّة والإنسانيّّّة هي تلك الكمالات التي تحتاجها النفس لبلوغ الكمال، والإنسان يستطيع أن يدرك تلك القيم والفضائل بفطرته.

قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا12.

ومن هنا، فقد جاء الأنبياء صلى الله عليهم لإيقاظ الفطرة وتعريف الناس بحقيقتهم، وإرشادهم إلى طريق المعرفة والفضائل والمكارم الأخلاقيّة، من أجل اعانتهم على طيّ مدارج الكمال ونيل مقام القرب الإلهيّ.

ولذلك أكّد الإسلام على معرفة النفس كمقدّمة للتزكية وأَولى ذلك اهتماماً خاصاً. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "معرفة النفس أنفع المعارف"
13.

وقال أيضاً: "من عرف نفسه جلّ أمره"
14.

× المقصود من معرفة النفس:

والمقصود من معرفة النفس معرفة هويتها الإنسانيّّّة، بمعنى أن يعرف الإنسان مقامه الواقعي في عالم الخلقة، فيعلم أنَّه ليس حيواناً، ولم يخلق


14


لأجل أن يعيش حياة حيوانيّّة، بل هو موجود ملكوتيّ خلق عاقلاً ومختاراً وحرّاً، وإنَّ عليه أن ينمِّي بُعدهُ الإنسانيّّ لا الحيوانيّّ، ويلاحقه بالتزكية، ويربِّي فيه القيم والفضائل الأخلاقيّة، حتى يصل إلى الكمال المنشود ويكون لائقاً بحمل الأمَّانة وخلافة الله على الأرض.


15


خلاصة الدرس
1- تزكية النفس، تنميتها بحسن الأخلاق حتى يقوى جانبها المعنويّ.
2- إنَّ تزكية النفوس هدف مهمّ وأساس للأنبياء صلى الله عليهم.
3- لتزكية النفس آثار مهمّة جداً وهي مفتاح سعادة الإنسان.
4- مورد التزكية هو البعد الإنسانيّّّ من نفس الإنسان.
5- للإنسان بعدان: إنسانيّ وحيوانيّ، وهما في حالة صراع حتى يغلب أحدهما الآخر.
6- إنَّ هدف الإنسان هو بلوغ الكمال والوصول إلى مقام القرب الإلهيّ، ولا يكون ذلك بدون تزكية النفس.
أسئلة حول الدرس
1- ما مفهوم التزكية الذي تبرزه الآية مطلع الدرس؟
2- أذكر أقسام النفس.
3- ما هو برأيك أسوأ أثر لسوء الأخلاق؟
4- ماذا يعني تكريم الله تعالى للبعد الإنسانيّّّ؟
5- ما هي نتيجة غلبة البعد الحيوانيّّ على البعد الإنسانيّّّ أو العكس؟
للمطالعة
العناية الإلهيّة

من عناية الله سبحانه بعباده أنَّه وهبهم العقل، ووهبهم القدرة على تهذيب نفوسهم وتزكيتها، وأرسل الأنبياء والأوصياء ليعملوا على هدايتهم واصلاحهم ليتخلَّصوا من عذاب جهنّم..
وعندما لا تنفع كلّ هذه الوسائل في تنبيه الناس وإلفاتهم، فإنَّ الله سبحانه ينبّههم بوسائل أخرى وعن طرق أخرى، بالإبتلاء... بالمصائب.. بالفقر.. بالمرض.. كالطبيب الحاذق وكالممرّض الماهر الحنون الذي يحاول تخليص مريضه من داء عضال..

إذا كان العبد مورد عناية الله سبحانه، فإنَّه يبتلى بصنوف الابتلاء حتى يلتفت إلى خالقه تعالى إسمه، ويهذّب نفسه، هذا هو الطريق ولا طريق غيره، ولكن إذا لم يطو الإنسان بنفسه هذا الطريق ولم يحصل على النتيجة المطلوبة وكان مستحقاً لنعمة الجنّة، فإنَّ الله يشدِّد عليه في حال النزع، لعلَّه يتذكر ويتنبَّه، وإذا لم ينفعه هذا تأتي موقظات القبر وعالم البرزخ والعقبات التي تتبعه.. وكلها تستهدف ايقاظ هذا الإنسان حتى لا يصل به الأمر إلى جهنّم.. وكلّ هذه المراحل الايقاظية عناية إلهية تستهدف المنع من وصول الإنسان إلى جهنّم واستحقاقه لها..

فلو أنَّ إنساناً لم تنفع معه كلّ هذه الموقظات والملفتات فماذا تكون عاقبته؟ هنا لا مجال بعد لأيِّ شيء، ويصبح لزاماً أن يوقظ بالنار.

إنَّ الإنسان الذي لا تنفع معه كلّ هذه الوسائل لا بدّ من إصلاحه بالنار، كالمعدن الذي لا يمكن تحويله إلى معدن خالص إلَّا بالنار.

إحذروا أن توصلكم أعمالكم إلى هذه الدرجة فيحلَّ عليكم غضب الله. إنَّ أحدكم لا يستطيع أن يقبض لمدّة دقيقة واحدة على حصاة محماة، فاتَّقوا نار جهنّم، وأبعدوا عن الحوزات العلمية هذه النيران، هذه الإختلافات، طهِّروا قلوبكم من النفاق، حسِّنوا سلوككم مع عباد الله، وانظروا إليهم بعطف وحنان. ليكن لكم موقف صارم من العصاة لعصيانهم. مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر.

وأمَّا المؤمنون والصالحون فاحترموا العالم منهم لعلمه، واحترموا من هو في سبيل الهداية لأعماله الصالحة، ليكن سلوككم مثالياً. أحبوا الناس وحادثوهم وآخوهم. هذِّبوا أنفسكم، أنتمّ تريدون هداية الأمَّة وإرشادها... والشخص الذي لا يستطيع إصلاح نفسه وإرادته فكيف يستطيع هداية الآخرين وإصلاح إرادتهم؟!

 

الإمام الخميني قدس سره "الجهاد الأكبر"
 

هوامش
1-  آل عمران:164.
2- المجلسيّ محمّد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة ج 69، ص 375.
3- النمازي علي مستدرك سفينة البحار مؤسسة النشر الإسلامي ج 2، ص 282.
4- الكليني الكافي دار الكتب الإسلاميِّة ،آخوندي الطبعة الثالثة ­ ج 2، ص 99.
5- المصدر السابق، ص100.
6- المحجة البيضاء، ج5، ص 89.
7- الإسراء:70.
8- الأعراف:179.
9- غرر الحكم، ص139.
10-  يوسف : 53.
11- المجلسيّ محمّد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء ،الطبعة الثانية المصحّحة ج 70، ص64.
12-  الشمس:7-10.
13- غرر الحكم، ص 139.
14- م. ن.