الدرس العشرون: قاعدة: المسلمون عند شروطهم

أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة: المسلمون عند شروطهم وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


275


المقدّمة
هذه القاعدة من القواعد المعروفة الّتي تطابقت آراء الفقهاء على الأخذ بها، في مقام استنباطهم للأحكام الشرعية. ومفادها أنّ المسلم ملزم شرعاً بكلّ ما ألزم به نفسه للآخرين، والتزمه لهم، والإنصاف أنّ القاعدة في كمال الاعتبار والوثوق بصدورها عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام.

بيان المراد من القاعدة

معنى القاعدة هولزوم الوفاء بالشرط، فالقاعدة تتكوّن من شطرين: الشطر الأوّل: تسلّط المؤمنين على الاشتراط، فيتسلّط المتعاملان على جعل الالتزام والتعهّدات الّتي نسمّيها بالشروط. والشطر الثاني:
وجوب العمل بمقتضى الشرط، فيجب على المتعاملين العمل بما تعهّدا به من الشروط السائغة.
فيجب على كلّ مسلم إذا التزم لشخصٍ بأمرٍ له الوفاءُ له بذلك الأمر، وذلك من جهة وضوح أنّ هذه الكبرى الكلّيّة الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في مقام إنشاء الحكم، لا الإخبار عن أمر خارجيّ، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم" أي: جميع المسلمين, لأنّ الجمع المعرّف باللّام يفيد العموم، فهو صلى الله عليه وآله وسلم يحكم على جميع المسلمين بلزوم الثبوت عند جميع شروطهم. والمراد من الثبوت والاستقرار


277


عند الشرط هوترتيب الأثر على شرطه الّذي شرط، وعدم الفرار عن العمل على طبق التزامه.

وقد ورد في اللغة أنّ الشرط هوالإلزام والالتزام1. وبهذا المعنى يصحّ أن يُطلق على جميع الأحكام الإلزاميّة من قبل الله على العباد أنّها شروط من قبل الله تعالى، أي: الزامات من قبله تعالى عليهم.

وبناءً على ما ذكرنا يكون معنى "المسلمون عند شروطهم" هو وجوب الوفاء على كلّ مسلم بما التزم لغيره، لا بما ألزم غيره به, لأنّه لا معنى لأن يكون ثابتاً عند إلزامه غيره بأمر، ولو لم يكن استثناء في البين لكان وجوب الوفاء عامّاً بالنسبة إلى جميع التزاماته، ولكن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المسلمون عند شروطهم، إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله"، كما سيأتي في موارد الاستثناءات.

بيان مدرك القاعدة
1ـ الكتاب العزيز
:
استُدلّ على القاعدة بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، بتقريب أنّ الآية بصدد بيان صفات المؤمنين اللّازمة والواجبة عليهم، فذكرت الصلاة، والإعراض عن اللّغو، وأداء الزكاة، وحفظ الفروج، ورعاية العهد، ومن مصاديقه الشرط، فيتمّ المطلوب, إذ يصير معنى الآية: (يجب على المؤمنين رعاية شروطهم والتزاماتهم للآخرين).

2ـ الروايات:

الأولى: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الّذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ"2. وقد


278


أطلق الشيخ الأنصاريّ3 عليها الصحيحة، بالرغم من وجود سهل في سندها، على تفصيل في سهل.

الثانية: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: "المسلمون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب الله عزّ وجلّ فلا يجوز"4، صرّحت على مدلول القاعدة وعلى نوعيّة الاشتراط.

الثالثة: موثّق إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام: "إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: "من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به, فإنّ المسلمين عند شروطهم، إلّا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً"5.

الرابعة: عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام "أنّه قضى في رجل تزوّج امرأة وأصدقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق؟ قال: خالفت السنّة، وولّيت حقًّا ليست بأهله، فقضى أنّ عليه الصداق، وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنّة".6

ودلالة هذه الروايات على القاعدة تامّة، وكذلك غيرها من الأخبار حتّى بلغت حدّ الاستفاضة فيه، كما عن الجواهر7 والمكاسب8، فإنّ الأخبار في هذا المعنى مستفيضة، بل متواترة معنى. قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله: "والأصل فيه (الاشتراط) الأخبار العامّة المسوِّغة لاشتراط كلّ شرط إلّا ما استُثني، والأخبار الخاصّة الواردة في بعض أفراد المسألة، فمن الأولى الخبر المستفيض الّذي لا يبعد تواتره: إنّ المسلمين عند شروطهم"9. فالقاعدة متّخذة من النصوص بنفس الصياغة.


279


3ـ إطلاقات العقود والتجارة:
قال في الجواهر: "بل لعلّ إطلاق الأمر بالوفاء بالعقود، والتجارة عن تراض كاف"10. وتوضيح ذلك: إنّ الشروط الواقعة في ضمن العقود الصحيحة اللّازمة هي من توابع تلك العقود، وأدلّة وجوب الوفاء بالعقود تدلّ على وجوب الوفاء بالشروط المرتبطة بتلك العقود.

ما المقصود من الشرط السائغ؟

إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الذي تحقّقت فيه الأمور الآتية:
الأوّل: أن يكون شرطاً مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه، بمعنى أنّ إيجاده داخل تحت قدرته, لأنّ المشروط عليه، بالتزامه بذلك الشرط، يجعل عهدته مشغولة به، فلا بُدّ أن يكون مقدوراً له، وعليه فلوكانا عالمين بعدم التمكّن منه، إمّا لامتناعه ذاتاً، أولعدم تمكّن المشروط عليه منه، بطل.

الثاني: أن لا يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، وهو المعبّر عنه بمخالفة الكتاب أو السنّة، والمراد به مخالفة الجعل الإلهيّ، سواء أثبت بالكتاب أم بغيره. ويُقصدُ بذلك أن لا يكون مضمونه مخالفاً للحكم الشرعيّ، وأن لا يقتضي الشرط إلزاماً بترك واجب، أو فعل حرام، كما إذا اشترط أحدهما على الآخر أن يشتري منه العنب بشرط أن يعصره له خمراً، أو أن يترك الصلاة، أمّا الالتزام بفعل المكروه أو ترك المستحب، فلا مانع منه.

والدليل على اعتبار هذا الشرط في الصحّة عدّة روايات، منها: صحيحة عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الّذي اشترط عليه،


280


والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ"11.

الثالث: أن لا يكون الشرط منافياً لمقتضى العقد، وتتحقّق بأن يكون منافياً لما يراد إثباته من خلال العقد، كأن يشترط في عقد البيع أن لا يحصل تمليك العين، وفي عقد الزواج أن لا تحصل العلقة الزوجية، أو بشرط أن لا يستحقّ الثمن.

ومن الشروط الجائزة عندنا أن يبيعه شيئاً، ويشترط في متن العقد أن يشتري منه شيئاً أو يبيعه شيئاً آخر، أويقرضه شيئاً، أو يستقرض منه...، هذه الشروط كلّها سائغة لا تخالف كتاب الله تعالى، فوجب جوازها ولزومها وصحّة العقد معها12.

حكم الشرط الفاسد

لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً، وإنّما الكلام في الشرط الفاسد الّذي لم يقم دليل على فساد العقد أوصحّته معه، في أنّه هل يوجب فساد العقد أم لا؟، وإلّا فيتّبع الدليل، فليس كلامنا في بيع الخشب على أن يعمله صنماً، أو صليب, لأنّ هذا البيع باطل، سواء اشترط أم لم يشترط، ما دام عالماً بذلك، فليس فساد العقد ناشئاً من الشرط, وذلك لدلالة الأخبار الخاصّة على ذلك، كما عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام "أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب فباعه ممن يتّخذه صلباناً، قال لا"13.

وعن عمروبن حريث، قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: لا"14.


281


الأفكار الرئيسة

- معنى القاعدة هولزوم الوفاء بالشرط بين المتعاقدين، فيجب على كلّ مسلم أن يكون ثابتاً عند التزاماته.
- تتكوّن القاعدة من شطرين: الأوّل: تسلّط المؤمنين على الاشتراط فيتسلّط المتعاملان على جعل الالتزام والتعهّدات الّتي نسمّيها بالشروط. الثاني: وجوب العمل بمقتضى الشرط، فيجب على المتعاملَيْن العمل بما تعهّدا به.

- استُدلّ للقاعدة بعدّة أدلّة، منها: قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، بتقريب أنّ معنى الآية: يجب على المؤمنين رعاية شروطهم والتزاماتهم.
- ومن الروايات: ما عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: "من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب الله عزّ وجلّ".

- إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الّذي يكون مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه، ولا يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، وهو المعبّر عنه بمخالفة الكتاب أو السنّة، ولا يكون الشرط
منافياً لمقتضى العقد.

- لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً.

مطالعة

الفرق بين الشروط الابتدائيّة، وبين الشروط الواقعة في ضمن العقود
إنّ إطلاق الشرط على مطلق الالتزام بشيء لشخص - سواء أكان في ضمن عقد أم كان التزاماً ابتدائيّاً غير مربوط بشيء - لا يخلومن نظر وتأمّل، بل الظاهر، حسب المتفاهم العرفيّ، هو أن يكون إلزامه أو التزامه بشيء في ضمن عقد ومعاملة أو أمر آخر، بمعنى أن يكون إلزامه غيره بشيء أو التزامه لغيره بشيء مربوطاً بأمر آخر، وليس معنى الشرط مطلق الإلزام والالتزام.

فالشرط بالمعنى المصدريّ عبارة: عن جعل شيء مرتبطاً بأمر آخر - وبهذا المعنى يكون مبدأ للاشتقاقات منه، كالشارط والمشروط وأمثالهما من المشتقّات من هذه المادّة، وبمعنى الاسم المصدريّ عبارة:
عن الشيء المرتبط بغيره. هذا هو المتفاهم العرفيّ، مضافاً إلى أنّه لو كان مطلق الإلزام والالتزام - ولوكانا ابتدائيّين غير مربوطين بشيء - يلزم تخصيص الأكثر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم "المؤمنون عند شروطهم"، وهو مستهجن جدّاً. فلا بدّ من حمل الشروط في الحديث على الشروط الواقعة في ضمن العقود، كي لا يلزم تخصيص الأكثر المستهجن, لأنّ الشروط الابتدائيّة لا يجب الوفاء بها إجماعاً، فإنّ قلنا بأنّ الشرط أعمّ من الشروط الابتدائيّة وغيرها، فيكون استعماله في الحديث عنائياً مجازيّاً، وهوخلاف ظاهر هذا الكلام.

وعلى كلّ حال لا شبهة في أنّ المتفاهم العرفيّ من لفظ الشرط بالمعنى المصدريّ هو إلزام المشروط عليه، أو الالتزام للمشروط له بأمر في ضمن عقد أو عهد أو أمر آخر، فالإلزامات أو الالتزامات الابتدائيّة لا يُطلق عليها الشرط إلّا بالعناية، ولا يجب الوفاء بها إجماعاً.

أسئلة وتمارين

- ضع علامة صحّ أو خطأ في المكان المناسب:
1- إنّ الشرط الّذي يجب الوفاء به هوالشرط الّذي يكون مقدوراً عليه من قبل المشروط عليه.

2- لا فرق في الشرط الّذي يجب الوفاء به بين الشرط الّذي يكون مخالفاً لحكم شرعيّ، أو الشرط المنافي لمقتضى العقد.

3- المتفاهم العرفيّ من لفظ الشرط هو إلزام المشروط عليه أو الالتزام للمشروط له بأمر في ضمن عقد أو عهد أو أمر آخر.

4- إذا باع شخص شيئاً لآخر، واشترط في متن العقد أن يشتري منه (الآخر)، شيئاً أو يبيعه شيئاً آخر، أو يقرضه شيئاً، فهذا الشرط جائز يجب الوفاء به.

5- لا إشكال في أنّ الشرط الفاسد لا يجب الوفاء به ولا إلزام به شرعاً.

6- لا فرق في وجوب الوفاء بالشرط بين أن يكون للكبير أو للصغير.


- عالج الأسئلة الآتية:

1- ما هوالمقصود بقاعدة: "المسلمون عند شروطهم"؟ وما معنى "المسلمون عند شروطهم" في الاستدلال؟
2- كيف نستدلّ على القاعدة بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ؟
3- ما الفرق بين الشرط المخالف لكتاب الله والشرط الموافق له؟ وأعطِ مثالاً واضحاً في عقد النكاح أوغيره على الشرط المخالف لكتاب الله.
4- ما الفرق بين الشروط الابتدائيّة والشروط الواقعة في ضمن العقد؟
5- رجل باع عقاراً واشترط على المشتري أن يجعله وقفاً، فهل يصحّ هذا الشرط؟ ولماذا؟
6- إذا باعه واشترط الخيار لنفسه لمدّة سنة كاملة، فهل يجوز هذا الشرط؟ وهل يجب على المشتري الالتزام به؟

هوامش

1- الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج2، مادّة "شرط"، ص542.
2- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، باب6 من أبواب الخيار، ح1.
3- الأنصاري، المكاسب، م.س، ج6، ص22.
4- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، باب6 من أبواب الخيار،ح1.
5- م.ن، ح2.
6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج15، باب29 من أبواب المهور، ح1.
7- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج23، ص199.
8- الأنصاري، المكاسب، م.س، ج6، ص2.
9- م.ن، الخيارات، ص228.
10- النجفي، جواهرالكلام، م.س، ج23، ص199.
11- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج12، ص353.
12- الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهّر: تذكرة الفقهاء، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياءالتراث، ط1، قم المقدّسة، مطبعة ستاره، 1420هـ.ق، ج10، ص250.
13- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج17، باب41 من أبواب مايكتسب به، تحريم بيع الخشب ليعمل صليباً،ح1.
14- م.ن، باب تحريم معونة الظالمين،ح2.