الدرس السابع: توحيد الذات

أهداف الدرس

1- إثبات وجود الله من خلال برهان أن المطلق والصرف لا يتثنّى.
2- اثبات وحدانية الله من خلال برهان التمانع.
3- إكتساب القدرة على شرح برهان التمايز.
4- القدرة على شرح برهان النبوّة ورد الإشكال الوارد عليه.


111


تمهيد:

تمّ في البحوث السابقة إثبات وجود الله من خلال طرق متعدّدة (طريق الفطرة، الطريق العلميّ، والطريق الفلسفيّ).

ومن الفوارق بين هذه الطرق في مجال إثبات وجود الله1، أنّ الطريق الوحيد الذي يستمرّ في البحث ليصل إلى معرفة صفات الله وكمالاته، والذي يقدّم المعارف التوحيديّة السامية، هو الطريق الفلسفيّ:

ـ أمّا طريق الفطرة فإنّ سبيل البحث فيه، هو أن نبحث منذ البدء عن موجودٍ واحدٍ جامعٍ للكمالات، ولذا ينتهي البحث حيث يبتدئ، حيث تثبت الكمالات بشكل عامّ منذ البداية، وبطريقة قلبيّة باطنيّة.

ـ وأمّا الطريق العلميّ فقد لاحظنا أنّه ينطلق من آثار الله وآياته في الكون، ليُثبت قوّةً عالمةً ومدركةً وراء الطبيعة قد دبّرت هذا العالم.


113


فالإنسان الذي يسلك هذا الطريق يدرك صفاتٍ من قبيل العلم والإدراك والإرادة بشكل عامّ لله تعالى ليُثبت من خلالها وجوده، دون أن يتقدّم في هذا الطريق خطوةً إضافيّةً في بيان حقيقة هذه الصفات، فلا يبيّن معارف ومفاهيم أساسيّة في مجال التوحيد، كحقيقة علمه تعالى أو قدرته، وأنّه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ2، و﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ3، و﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ4...- كما تقدّم5.

ـ ويبقى المنهج الفلسفيّ المنهج الوحيد الذي يستطيع أن يُقدّم المعارف الإلهيّة السامية، فهو ينطلق أوّلاً من إثبات وجود واجب الوجود6، ثمّ يتقدّم خطوات إلى الأمام ليُثبت أوّلاً وحدانيّته، لينطلق في ما بعد ليبيّن حقيقة وصفات هذا الوجود، وفق نظام خاصّ ومراحل تُطوى بالتدريج، وهذا ما نقوم بدراسته في هذا البحث.

أ- إثبات وحدانيّة الله:

أثبتنا في البحث السابق- ومن خلال البراهين الفلسفيّة- أنّ ثمّة وجوداً مستقلاً قائماً بذاته هو الأصل في طبيعة الوجود، وهو وجودٌ مطلقٌ غير محدودٍ. وما نريد أن نثبته هنا هو أنّ هذا الوجود واحدٌ لا يمكن أن يكون متعدّداً.


114


إثبات ذلك من خلال عدّة براهين:

البرهان الأوّل7: المطلق والصرف لا يتثنّى ولا يتكرّر:

أقام هذا البرهان صدر المتألّهين، بناءً على برهانه الوجوديّ في إثبات وجود الله، ووفق أصول ومبادئ فلسفيّة، وخلاصة هذا البرهان في مقدّمتين:

أـ واجب الوجود وجودٌ مطلقٌ غير متناهٍ:

تقدّم في البرهان الوجوديّ أنّ حقيقة الوجود بذاتها لا تقبل الحدّ والقيد، وأنّ المحدوديّة والنقص اللذين نراهما في بعض الموجودات ناشئان عن جهةٍ خارجةٍ عن ذات الوجود، وهما في الواقع نتيجة معلوليّة هذا الوجود لوجود غيره، أمّا حقيقة الوجود فتساوي عدم المحدوديّة والإطلاق، وهكذا فإنّ وجود واجب الوجود وجودٌ مطلقٌ ولا متناهٍ.


115


ب- التعدّد والتكثّر لا يتصوّران في الوجود المطلق وغير المتناهي:

إنّ الكثرة فرع المحدوديّة. فلو أخذنا الإنسان مثلاً، فإنّه يقبل التكرار والتعدّد إذا لاحظنا فيه بعض القيود، من قيود المادّة والزمان والمكان. فهناك إنسان في هذا المكان وآخر في مكان آخر، وثمّة إنسان هذه حدوده وآخر يتمتّع بحدودٍ أخرى.هنا وبواسطة هذه القيود يمكن أن يُفرض التعدّد والكثرة. وأمّا ما يكون مطلقاً وغير متناهٍ فيكون خالياً من هذه القيود، وبالتالي لا يمكن أن يتكرّر أو يتعدّد، فلو فرضنا أنّ العالَم الماديَّ غير متناهي الأبعاد، أي ليس له أيّ حدّ، فكيف يمكن أن نفرض عالَماً ماديّاً آخر؟! إنّ أيّ عالمٍ ماديٍّ ثانٍ سنفرضه سوف يكون عين العالَم الأوّل حيث فرضناه غير متناهٍ ولا محدود.

وهكذا الأمر في الوجود المطلق غير المتناهي، حيث لا يمكن أن نفرض وجوداً مطلقاً غيره، وما نفرضه غيره ليس إلا ظهوره وتجلّيه.

هذا ويمكن الإنطلاق في المقدّمة الأولى من هذا البرهان من حقيقة أنّ وجود الله وجودٌ محضٌ وصرفٌ وخالصٌ- بدل الإستفادة من الإطلاق- فهو ذات الوجود دون ضمّ أيّ شيءٍ إليه.

وتكون المقدّمة الثانية أنّه لا يتصوّر التعدّد والتكثّر في الوجود الصرف. فلو أخذنا الإنسان مثلاً ونظرنا إليه كصرف كونه إنساناً، من دون الأخذ بعين الإعتبار أيّ لحاظٍ أو نظرٍ آخر، فلا يمكن أن يكون له ثانٍ يكون أيضاً صرف الإنسان، بل يعود ما فُرض ثانياً عين صرف الإنسان الأوّل.

ومن هنا يمكن تقرير هذا البرهان بنحوين، وهذا في الواقع برهانان لا برهان واحد.


116


البرهان الثاني: برهان التمانع:

ومصدر هذا البرهان هو الآية القرآنيّة:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ8.

وقد جرت العادة على بيان هذا البرهان بشكلٍ سطحيٍّ، حيث يقال:

إنّ المبدأ والخالق لو كان متعدّداً- اثنين مثلا- فسوف تتعارض وتتزاحم ميول وإرادات كلّ واحدٍ من الخالقين، فإذا أراد أحدهما شيئاً أراد الآخر شيئاً ثانياً، وحينها:

إمّا أن تغلب إرادة وقدرة أحدهما، وهذا يعني أن الذي غُلِبت إرادته ليس إلهاً، فإنّ ضعف القدرة يتنافى مع صفات الكمال للإله.

وإمّا أن لا تغلب أيّ إرادة منهما، بناءً على أنّه يستحيل تغلّب قدرة أحدهما على الآخر لما يتمتّعان به من صفات الكمال. ولكن إذا لم تجرِ في الكون قدرة وإرادة أيٍّ منهما، فهذا معناه عدم وقوع أيّ حادثةٍ وعدم وجود أيّ موجود، وهذا هو معنى الفساد:
﴿لَفَسَدَتَا9.

هذا هو التقرير السطحيّ للبرهان، إلا أنّ هذا التقرير ربما تعرّض لبعض الإشكالات من ناحية فرض تعارض وتزاحم الإرادات، ولذا يمكن إحكامه وتقريره عبر مقدّمات وعرضٍ فلسفيٍّ يؤسّس لبرهان تامٍّ حتّى على فرض انسجام إرادة كلٍّ من الإلهين المفترضين.


117


يقوم هذا البرهان على أساس ثلاث مقدّمات:

أـ واجب الوجود بالذات:
واجب من جميع الجهات، فواجب الوجود ليس فيه أيّ حيثيّةٍ إمكانيّة، بأن يكون فيه مجرّد قوّةِ واستعداد جهة ما.

فعلمه واجبٌ ليس فيه إمكانٌ ومجرّد استعداد، وقدرته بالوجوب لا بالإمكان، وهكذا فإنّه خالقٌ وفيّاضٌ بالوجوب لا بالإمكان وبمحض استعداد، وبما أنّ فيضه واجبٌ لا إمكان فيه فكلّ ممكنٍ قد وُجِد فهو منه لا محالة، ولو فُرض وجود ممكنٍ لم يكن وجودُه مفاضاً منه، يكون ذلك خلاف فرض أنّه واجبٌ من جميع الجهات.

فالنتيجة: إنّ كلّ الممكنات مفاضة منه.

ب- إنّ وجود المعلول ووجود العلّة:
الموجِدة له- أمرٌ واحدٌ لا أكثر، فوجود المعلول هو عين الربط، أو قُل إنّ الوجود والإيجاد أمرٌ واحدٌ لا أمران (كسرت الإبريق فانكسر).

ج- يستحيل الترجيح بلا مرجّح:
فلو كانت نسبة شيئين إلى الفاعل- بالقوّة- متساوية، فلا يمكن أن يفعل أيّاً منهما إلا إذا تدخّل عاملٌ خارجيٌّ ورجّح أحدهما.

كذلك الأمر في مثل الهارب الذي يجد نفسه أمام طريقين متساويين بالنسبة إليه، فإنّه لا يمكن أن يتحرّك إلى أحدهما إلا بتأثير عاملٍ خارجيّ، نعم قد يكون هذا العامل خفيّاً لا شعوريّاً وغير عقلائيّ.

إذا إتّضحت هذه المقدّمات نقول:


إذا عينّا أحد الوجودات الممكنة (صفته أنّه ممكن الوجود وقد أُفيض عليه الوجود لاحقاً)، فلا بدّ أن يكون قد أُفيض عليه الوجود من كلا الواجبين، وفق


118


المقدّمة الأولى. ولكن، بحكم المقدّمة الثانية، فإنّ إيجاد كلّ واحدٍ من الواجبين يستلزم حصول وجودين، فيما الذي عيّناه هو وجودٌ واحدٌ، وبعبارةٍ أخرى إنّ انتساب هذا المعلول الواحد إلى كلا الواجبين يعني تعدّد وجوده. وأمّا أن ينتسب إلى أحد الواجبين بعينه، فهذا يكون ترجيحاً بلا مرجّح، وقد ثبت بطلانه، كما بينّا في المقدّمة الثالثة.

اللّهمّ إلا أن يفرض قائلٌ أنّ هذا الوجود ينتسب إلى كلا الواجبين، وقد تعدّد إمكان الوجود الذي فيه، فهنا نسأل عن كلّ واحدٍ من هذين الإمكانين إلى من ينتسبان، والجواب لا بدّ أن يكون أنّ في كلّ إمكان إمكانين حتى ينتسب كلّ إمكانٍ إلى كلا الواجبين فيتعدّد كلّ إمكانٍ بعدد الواجب، ونعود إلى السؤال عن هذه الإمكانات. وهكذا يلزم من هذا الفرض أن لا نقف على آحادٍ ووجوداتٍ شخصيّةٍ أبداً، وبالتالي لن يتوفّر أيّ ممكنٍ على الوجود، وحينها يصحّ أن يُقال: إذا تعدّد واجب الوجود يجعل العالمَ عدماً لا وجود له، وهو قوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا.

البرهان الثالث: برهان الفرجة(التمايز):


وبيان هذا البرهان:

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود فلا بدّ من امتياز أحدهما عن الآخر بشيئ غير ذلك الأمر المشترك - وهو مقتضى الاثنية، إذ بدون الامتياز يكون واحداً - وذلك يستلزم تركّب كلاً منهما من شيئين احدهما الأمر المشترك وثانيهما الأمر المتميّز وهذا باطل من جهتين.

ـ الأولى:
أنّه يلزم منه التركيب، وهو باطل لاستلزامه الحاجة للاجزاء


119


المنافي لوجوب الوجود، فيكون ممكناً وهو خلاف الغرض.

ـ الثانية: لزوم التسلسل لأن ما به الامتياز على فرض وجوب وجوده يحتاج أيضاً إلى جهة امتياز، فيصبح الاثنان خمسة وهكذا.... إلى ما لا نهاية له - وهو باطل.

فالنتيجة:
أنّ وجود واجبَيْ وجود يستلزم عدم تناهي واجِبِي الوجود، أي يستلزم أن يتركّب واجبٌ واحدٌ من ما لا نهاية له من واجبي الوجود، وهذا باطل من جهتين:

التركيب يُعارض الوجوب.

إنّ هذا النوع من التركيب، وهو أن يتركّب شيء من أجزاء تكون بحيث يستلزم كلّ جزء منها جزءاً جديداً بإضافة الأجزاء المفروضة أوّلاً، مستحيلٌ.

البرهان الرابع: النبوّة:

يعتمد هذا البرهان على تعريف الله بنفسه أنّه واحدٌ، وأساس هذا البرهان هو النبوّة.

وقبل بيان هذا البرهان، قد يخطر في الأذهان إشكال وهو: أنّ النبوّة لاحقةٌ للتوحيد، فكيف نتّخذها دليلاً عليه؟!

والجواب: إنّه إنّما لا يصحّ أن تكون النبوّة منطلقاً لإثبات أصل وجود الله، حيث يلزم الدور10، وأمّا إثبات وحدانيّة الله عن طريق النبوّة بعد إثبات وجوده عن طريقٍ آخر فليس في ذلك أيّ إشكال.

ثمّ لا بدّ من الالتفات إلى أنّه ليس المقصود بالبرهان هنا هو الاستناد إلى


120


نصّ النبيّ لإثبات وحدانيّة الله، وإنّما أساس هذا البرهان يعتمد على النبوّة بوصفها ظاهرةً من ظواهر العالم، حيث تشكّل بنفسها برهاناً على وحدانيّته تعالى، كما ذكر أميرُ المؤمنين عليه السلام في خطابه لولده الحسن عليه السلام، يقول: (يا بنيّ إنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، (...)، ولكنّه إلهٌ واحدٌ كما وصف نفسه لا يضادّه في ملكه أحد). وخلاصة الاستدلال: أنّ الوحي وإرسال الأنبياء لهداية البشر لازم لوجود الله، فلو كان هناك إلهٌ آخر لكانت له رسل.

بيان هذا البرهان:

أـ
إنّ واجب الوجود واجبٌ من جميع الجهات، ومنها الفيض.

ب- الوحي- إلى من هو مؤهّل لتلقّيه(النبيّ)- من أنواع الفيض الواجب.

النتيجة: لا يمكن أن يوجد مؤهّلٌ لتلقّي الوحي ولا يوحى إليه من قِبل الواجب.

ومن الواضح أنّ هذا الأمر ليس من قبيل الواجب الكفائيّ، لأنّنا بيّنا أنّ الفيض على واجب الوجود واجبٌ، ولذلك لو كان هناك (واجبا وجود) للزم أن يوحي كلّ واحدٍ منهما إلى النبيّ، فيما لم يوحَ إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من قبل إلهٍ واحدٍ، فلا إله غيره.


121


خلاصة الدرس

ـ يتميّز البحث الفلسفيّ بأنّه بعد أن يثبت وجود الله، يتقدّم في البحث ليُقدّم معارف إلهيّة سامية من قبيل إثبات وحدانيّة الله وصفاته، وهذا بخلاف طريق الفطرة والطريق العلميّ.

ـ هناك عدّة براهين لإثبات وحدانيّة الله:

الأول:
إنّ واجب الوجود وجود مطلق وصرف، والمطلق والصرف لا يتثنّى ولا يتكرّر.

الثاني:
برهان التمانع: ويعتمد على ثلاث مقدّمات:

أ-
واجب الوجود واجبٌ من جميع الجهات، ففيضه على الممكن واجبٌ.

ب-
وجود العلّة عين وجود المعلول، أو الإيجاد عين الوجود.

ج-
الترجيح بلا مرجّح مستحيل.

الثالث:
برهان الفرجة (التمايز): ويقوم على أساس أنّ لازم تعدّد واجب الوجود هو وجود واجبٍ ثالثٍ يميّز بينهما، ووجود الثلاثة يستلزم الخمسة، وهكذا.... وهذا التركيب محالٌ، ويتناقض مع الواجب.

الرابع:
برهان النبوّة: فإنّ ظاهرة النبوّة والوحي من فيضه الواجب، فلا يمكن أن يكون هناك مؤهّلٌ لتلقّي الوحي ولا يوحي إليه الواجب، وحيث لم يوحَ من غيره جلّ وعلا فهو واحد.

أسئلة الدرس

ما هي البراهين التي تثبت وحدانيته تعالى؟
ما هو البرهان الذي أقامه صدر المتألّهين على التوحيد؟
3- كيف يصاغ برهان التمانع؟
4- كيف يثبت برهان الفرجة التوحيد؟
5- هل يمكن الاستدلال ببرهان النبوّة على التوحيد؟
 

هوامش
1- مرّت بعض الفوارق بين الطرق في البحوث المتقدّمة.
2- البقرة: 29.
3- البقرة: 20.
4- فصّلت: 54.
5- تقدّم ذلك في بحث البراهين الفلسفيّة.
6- وقد تقدّم ذلك في البحث السابق، ولا سيما من خلال البرهان الوجوديّ.
7- يُذكر هذا البرهان في الكتب الفلسفيّة، ولكن ثمّة برهان آخر في هذا المجال، ولكنّه يعتمد على مقدّمات فلسفيّة أُثبتت في محلّها، ونحن نعرض هذا البرهان هنا بإختصار، ويمكن التعمّق فيه من خلال دراسة البحوث الفلسفيّة، وهو برهان: دلالة وحدة العالم على وحدة مبدئه:
ويتألّف هذا البرهان من أربع مقدّمات:
أـ وحدة العالم وحدة واقعيّة: ففي مجال ارتباط أجزاء العالم هناك ثلاثة اتجاهات:
1ـ القول بعدم الارتباط، وإنّ أجزاء العالم متفرّقة لا تؤثّر على بعضها، وبالتالي فلو إنعدم بعضها لا يؤدّي ذلك إلى حدوث أيّ إختلال.
2ـ القول بالارتباط الصناعيّ، فتكون أجزاء العالم بمثابة أجزاء المصنع، حيث يؤدّي كلّ جزء من أجزائه دوراً يؤثّر على فعاليّة المجموع، وبالتالي فإنّ تغيير أو نقص أيّ جزء يؤدّي إلى إختلالٍ ما على وضع المجموع.
3ـ وأمّا الذي ثبت في الفلسفة، فهو أنّ ارتباط أجزاء العالم أعمق من إرتباط أجزاء آلة من الآلات، بل الإرتباط بين أجزائه بمثابة ارتباط أعضاء بدنٍ واحدٍ، وتُبحث هذه المقدّمة في مقالة العلّة والمعلول وفي مقالة القوّة والفعل.
ب- ليس هناك عالم سوى هذا العالم، ويُبحث ذلك في أبحاث الإلهيّات.
ج- المعلول الواحد لا يصدر إلا عن علّة واحدة، ويُبحث ذلك في مقالة العلّة والمعلول.
د- واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات، ويُبحث ذلك في أبحاث الإلهيّات.
ملاحظة: يُعرف هذا البرهان أيضاً ببرهان وحدة النظم، إلا أنّه لا يرتبط ببرهان النظم في الطريق العلميّ، فإنّ من الواضح أنّ هذا البرهان يعتمد في مقدّماته على الأصول الفلسفيّة، وليس على نتائج العلوم التجريبيّة.

8- الأنبياء:22.
9- ويُقرّب ذلك بما لو كان مديران يتمتّعان بكامل الإرادة والقدرة في مصنعٍ واحد، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى فساد المصنع أو تحكّم مدير واحد.
10- بيان الدور: نريد أن نُثبت وجود الله عن طريق النبوّة، والحال أنّ النبوّة لا تثبت إلا إذا كانت من قِبل الله، فلا بدّ أن نكون مذعنين بوجود الله قبل ذلك، فتكون متقدّمة ومتأخّرة في آن واحد.