الدرس الرابع: الطريق العلميّ -2-

أهداف الدرس

1 ـ القدرة على شرح برهان الهداية.
2 ـ التمييز بين برهان الهداية وبرهان النظم من خلال الآيات القرآنية.
3 ـ القدرة على إثبات إستقلالية برهان الهداية عن برهان النظم.
4 ـ الإتيان بأمثلة حول الهداية في الإنسان والحيوان والنبات والجماد.
5 ـ شرح الإسهامات الإنسانية وأنواعها.
6 ـ إثبات شمول الهداية للجماد من خلال آيات قرآنية.


59


برهان الهداية:

يتعلّق برهان الهداية بسلوك الموجودات، فهو يتناول الأشياء والموجودات في حركتها وسيرها نحو التكامل، ذلك أنّه حين نتأمّل هذه الحركة، نلاحظ أنّ لها حركةً عجيبةً خارجةً عن تركيبتها الذاتيّة ـ أي غير الحركة الذاتيّة التلقائيّة والإراديّة المترتبة على حسن نظمها وإتقان صنعها - ممّا يكشف ـ وبلا ريب ـ عن وجود قوّةٍ خارجةٍ تهديها في هذه الحركة، وإن كانت حقيقةُ هذه القوّة مجهولةً بالنسبة لنا، ولذلك نطلق عليها أسماء من قبيل: قوّة العشق أو الإرادة، أو التسخير الغيبيّ، أو النور أو الجاذبيّة...

بهذا الشكل يتبيّن أنّ برهان الهداية ـ الذي ينطلق من هداية الأشياء في حركتها ـ يختلف عن برهان النظم الذي كان يهتمّ بمستوى نظم وتكوين الأشياء والموجودات - من حيث شكلها وتركيبها وإتقان صنعها لتصل إلى هدفها ـ حيث يستدلّ بطبيعة نظامها على أنّ لها فاعلاً مدركاً ومختاراً.


تمييز القرآن بين برهان الهداية وبرهان النظم:

يعدّ تصنيف النظم والهداية كدليلين مستقلّين أمراً مبتكراً. ويمكن أن يُستمدّ


61


هذا التقسيم من كلمات الفخر الرازيّ في تفسيره لسورة الأعلى، حيث استند في هذا التمييز إلى القرآن الكريم، إذ القرآن الكريم هو أوّل من ذكر برهان النظم وبرهان الهداية كدليلين مستقلّين، وذلك في مجموعة من آياته:

في قوله تعالى: حكايةً عن النبيّ موسى عليه السلام عند سؤال فرعون:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى1.

فقوله تعالى:
﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ إشارة إلى برهان النظم، حيث أعطى سبحانه كلّ مخلوقٍ شكلَ وصورةَ الخلق وفق ما تقتضيه الحكمة، فيما قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى، إشارةٌ إلى برهان الهداية، حيث عطف بـ (ثمّ) ممّا يشير إلى أنّ الهداية مستقلّةٌ وتكون بعد النظم، فهي غير الهداية التلقائيّة الذاتيّة المترتبة على نفس النظم.

قوله تعالى ـ في سورة الأعلى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىوَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى2، وقد بيّنا أنّ هذه الآية تشير إلى البراهين العلميّة الثلاثة كطرقٍ مستقلّةٍ، فقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ إشارةٌ إلى برهان الخلق، وقوله: ﴿فَسَوَّى، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ إشارةٌ إلى برهان النظم، فيما قوله: ﴿فَهَدَى إشارةٌ إلى برهان الهداية.

قوله تعالى: حاكياً قول إبراهيم الخليل عليه السلام:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ3، فتبيّن الآية أنّ الله يتولّى هداية الموجودات بعد خلقها.

ومن الآيات التي تبيّن برهاني النظم والهداية كدليلين مستقلّين، الآياتُ الأولى من سورة العلق، يقول تعالى:
﴿إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ


62


 الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ4، فالآيات هذه تشتمل على فصلين مستقلّين، يبتدئ كلّ منهما بكلمة: ﴿اقْرَأْ، ويشير الفصل الأوّل إلى برهان النظم، والفصل الثاني إلى برهان الهداية5.

بين برهان الهداية وبرهان النظم:

قد يقول قائل: إنّ الهداية هي جزءٌ من النظم، وليست أمراً مستقلاً، فإنّ حركة الأشياء ـ الهداية ـ هي لازمة جبريّة لطبيعة صنعها ـ النظم - وليست شيئاً آخر، فإنّ طبيعة صنع السيارة ـ مثلاً ـ بهذا الشكل يستلزم أن تعمل وتتحرّك كوسيلة نقلٍ، وليس في البين شيءٌ جديدٌ غير الكشف عن إدراك وحسن إختيار صانعها.

ولكنّ هذا القائل قد غفل عن أنّ الاستدلال ببرهان الهداية، لا يكون بتلك الحركة العاديّة للمخلوقات، والتي هي نتيجة جبريّة لتركيبتها الماديّة ونظمها، بل الاستدلال هو بأمر يُضاف إلى مبدأ النظم الموجود في التكوين الآليّ للموجودات والذي له أثرٌ حتميٌّ في عمله، وبحركةٍ هادفةٍ وواعيةٍ خارجةٍ تحرّك الأشياء في مساراتها، ولا ترتبط بطبيعة تركيبها، ممّا يكشف عن قوّةٍ خارجةٍ تتحكّم بها فتسيّر الأشياء وفق هدايتها. فالأشياء مخلوقةٌ أوّلاً بنظامٍ خاصّ، ومهديّةٌ ثانياً طبقاً لمبدأ آخر.

فنحن نتحدّث هنا عن نوع من القدرة على الإبداع والإختيار. وليس من شأن التركيب الماديّ القيام بالإبداع والإختيار مهما كان نظمه دقيقاً ومتطوّراً، فجهاز


63


 الترجمة يعمل وفق ما نُظّمت عليه تركيبته الماديّة، لأنّ المادّة تعمل ضمن دائرة قوانينها وطبيعة الأنظمة التي تحكمها، لذا فهو يُترجم الكلام الذي أعطي له مسبقاً، وهو لا يستطيع ـ وحده ـ أن يستعمل التورية أو التقية فيترجم كلاماً غير الذي أعطي له مثلاً،كما لو كان في الغرفة من لا تريد أن يطّلع على ما تقوله! إنّ هذا غير ممكن ما دام هذا الجهاز لا يتمتع بالشعور والتفكير والإبداع الموجودة في الكائنات الحيّة.

إنّ طبيعة ما تقوم به الموجودات الحيّة من أعمال إختياريّة وإبداعيّة، إضافة إلى ما يوفّره لها تكوينها الذاتيّ من مؤهّلات، تكشف عن حتميّة وجود قوّة تجذبها للتحرّك بهذا الإتجاه.

الهداية بلغة المنهج الفلسفيّ:

يعبّر المنهج الفلسفيّ عن الهداية بشكلٍ آخر فيقول: لا بدّ من الإقرار بأنّه لا يمكن تفسير حركة العالم الكونيّ على أساس (مبدأ الميكانيكيّة) ـ بأن يكون كيان العالم أشبه بالآلة المصنوعة بدقّة، يترتّب عليها حركته الميكانيكيّة ـ إذ لا يمكن لهذا المبدأ أن يفسّر جميع الحوادث الكونيّة. من هنا لا بدّ من اللجوء إلى مبدأ آخر يسمّيه الغربيّون بـ (مبدأ الديناميكيّة) الذي يتولّى هداية موجودات العالم، وبصورة ٍتصل أحياناً إلى مرتبة الخلق الذاتيّ.

نتيجة ما تقدّم:

إلى هنا تبيّن أصل فكرة برهان الهداية. وما يهمّنا، حتى يثبت صحة الاستدلال بهذا البرهان، هو أن نبّين وجود هذه الحركة الهادفة الإضافيّة في الموجودات.ولذلك سنبيّن وجود هذه الهداية في الإنسان، ثمّ في الحيوان، فالنبات، فالجماد.


64


أوّلاً: الهداية في الإنسان:

يكشف العلم الحديث عن ظواهرَ وخصوصيّاتٍ موجودةٍ في جسم الإنسان. من هذه الخصوصيّات أنّه يقوم تلقائيّاً ولا شعوريّاً بترميم ما يتلف من خلاياه ـ ضمن حدود معيّنة. وذلك عند تعرّضه لكسرٍ أو جرحٍ أو ضررٍ، وكذلك يقوم دمه لا إراديّاً بتوليد مقدارٍ يكمل النقص الذي قد يحصل في بعض أجزائه ـ كالكريات البيضاء- ومثل هذه الأمور تعتبر أموراً مستقلّة عن طبيعة نظم تركيبته الماديّة مهما عُدّ بدنه آلةً دقيقةً، ومهما كانت أعضاؤه مرتّبةً ومنظّمةً، لأنّ هذه الأمور تحصل بصورةٍ وكأنّ لتركيبته الماديّة شعوراً ووعياً وإرادةً غير شعوره وإرادته، فيما هذا الأمر غير معهودٍ في أيّ آلة أو تركيبة ماديّة.

ثانياً: الهداية في الحيوان:

من المبادئ الثابتة في علم البيئة: (مبدأ التكيّف مع البيئة)6، ويعتبر هذا المبدأ من أسرار هذا العالم، وتوضيحه:

إذا قمنا بنقل حيوانٍ يعيش في منطقةٍ باردةٍ إلى منطقةٍ حارّةٍ، فهنا سنرقب عدّة تحوّلات في طبيعته وباقي أجهزته، بعضها تأثيره طبيعيّ والآخر خارجيّ:

ـ ستؤثّر على جلده الشمس ممّا يُحدث فيه تغييرات فيزيائيّة أو كيميائيّة، وهذا أمر عاديّ.

ـ ستكون لديه ردود فعلٍ إراديّة تؤثّر في بدنه، كأن يحتاج في البيئة الجديدة إلى مدّ عنقه لإقتطاف أوراق الشجرة العالية، ممّا قد يؤدّي إلى إطالة عنقه، وفق نظريّة (لامارك).


65


ـ ستحدث فيه تغيراتٌ هادفةٌ تلقائيّةٌ وغير إراديّةٍ ـ لا تنشأ من الآثار البيئيّة المباشرة، ولا من الإرادة الذاتيّة للحيوان- وتكون هذه التغيرات هادفةً تتناسب ومقتضيات البيئة الجديدة، فيتغيّر شعر جلده ولون بدنه حتّى يتمكّن من مقاومة أشعّة الشمس القويّة، إلى تغيرات أخرى في أعضائه وجوارحه.

وذكر (إبن سينا) مثالاً لذلك، وهو ما لو وُضعت دجاجةٌ في مكانٍ لا يوجد فيه ديكٌ يدافع عنها، ففي هذه الحالة سيظهر تدريجيّاً مخلبٌ خلف قدمها ـ كما هو عند الديك، ثمّ يشتدّ لتستخدمه كحربة في العراك.

إنّ محلّ كلامنا هو مثل هذا التغيّر، الذي لا يكون نتيجةً طبيعيّةً لتأثّر ما، ولا يكون إراديّاً من نفس الحيوان، وبالتالي هو ليس مقتضى طبيعة نظمه وتركيبه، وإنّما هو عملٌ وحركةٌ هادفةٌ بنوعٍ من الشعور غير الإراديّ، ممّا يكشف عن هدايةٍ وتدبيرٍ خفيّ يتدخّل في سير وحركة هذا الحيوان يُضاف إلى طبيعة نظمه وإتقان صنعه.

يتحصّل من ذلك أنّ هذه النشاطات المثيرة للدهشة والتي نراها في سلوكيّات الإنسان وغيره من الكائنات الحيّة ـ مثل ترميم خلايا الإنسان وظهور أعضاءٍ جديدةٍ لدى الحيوان ـ شيء غير النظم الموجود في بدن المخلوقات، وهذا يعطي أن في البناء العامّ للموجودات المنظم(النظم) شيئاً يشبه اللغز خفِيت علينا حقيقته، وهو يكشف عن وجود نوعٍ من الهداية الخفيّة تقود الموجودات الحيّة نحو أهدافها.

ثمّ إنّ هناك مظاهر أخرى يمكن ملاحظتها في كلّ من الإنسان والحيوان، والتي لا يمكن تفسيرها سوى بالاعتقاد بتلك الهداية الخفيّة، كالغريزة في الحيوان والإلهامات لدى الإنسان، وبيانها:


66


الغريزة عند الحيوان:

ويمكن الإطلال على مجموعة أخرى من هذه الهدايات في الحيوانات، وذلك من قبيل ما يُعرف بـ (الغريزة)، وهي مظهرٌ من مظاهر الهداية المتنوّعة التي يمكن ملاحظتها في سلوكيّات الحيوانات. والغريزة هذه تكون أقوى كلّما كان الحيوان أضعف، ولذلك توجد في الحشرات غرائز وتحرّكاتٌ مدهشةٌ وعجيبةٌ، نظير ما هو موجودٌ في النحل والنمل والعنكبوت...

ويَفترض البعض أنّ مثل عمل النحل عملٌ صادرٌ على نحو التعليم والتعلّم، ونتيجة تجربةٍ إستمرّت آلاف السنين، إلا أنّ هذه الفرضيّة بطلت، لوجود أنواع من الحشرات كـ (الأموفيل)7، وكذلك نوع من الأسماك، تقوم بأعمال عجيبةٍ ودقيقةٍ ومنظمةٍ تناسب حياتها الخاصّة، وتستمرّ في مختلف الأجيال، مع أنّ الجيل اللاحق في هذه الحيوانات لا يرى الجيلَ السابق أصلاً ـ فلا معنى للتعليم - حيث يموت الجيل السابق كليّاً قبل أن يظهر الجيل اللاحق أو تزامناً مع ظهوره.

إنّ وجود هذه الظواهر في الحيوانات، لا يمكن تفسيره إلا بالقول بوجود مخطّط أو هداية لهذه السلوكيّات في الحيوانات، ما دامت الأجهزة الدماغية العصبيّة لأيّ حيوان، عاجزةً عن القيام بمثل هذا التوجيه والهداية.

الإلهامات عند الإنسان:

إنّ في الإنسان من مظاهر الهداية والتوجيه ما هو أسمى من الغريزة التي في الحيوان، وننسبها إلى مجموعةٍ من الإلهامات، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات:


67


الإلهامات الأخلاقيّة، والإلهامات الإشراقيّة، الرؤى والأحلام

1ـ الإلهامات الأخلاقيّة:


وهي الأوامر التي يجب على الإنسان أن يقوم بها، والتي تحقّق مصلحة المجتمع، ويطوي بها الإنسان طريق الكمال، وهي أنواع:

أ- حكم الوجدان الإنسانيّ:
وهو مجموعة من الأوامر التي تحكم بها فطرة الإنسان وتدعوه إلى القيام بها مقابل نواهٍ عن أشياء أخرى، كأن يُدرك الإنسان أنّ جزاء الإحسان هو الإحسان، الذي عبّر عنه القرآن:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ8.

فالإنسان إذا ما وقع في محنةٍ، وجاءه شخصٌ فأنقذه من هذه المحنة، وبدافعٍ إنسانيٍّ محضٍ - من غير أن يكون هذا الشخص يعرفه أو يطمع في المقابل. فإنّ الإنسان إذا ما وجد صدفةً هذا الشخص في مكان آخر وقد وقع في ورطةٍ فإنّه يستغلّ هذه الفرصة ليقابل إحسانه السابق.

إذاً إنّ النفس الإنسانيّة وفطرتها، بعد أن خُلقت معتدلةً سويّةً، قد أُلهمت وعرفت طبيعة الأعمال القبيحة والأعمال الصالحة فميّزت بينها، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا9.

ب- المعارف القلبيّة:"لا تنحصر معارف الإنسان بما يتعلّمه من الأحكام، بل إنّ وجدان الإنسان الأوّلي أُلهم بعض الأحكام، كعدم جواز إتّباع العالم الذي لا يعمل بما يقول"
ـ كما ورد في الحديث عن الصادق عليه السلام في تفسير الآية:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ10.


68


ج ـ النفس اللوّامة: هناك نوعٌ من المحاسبة الذاتيّة تقوم به نفس الإنسان، حيث تلومه على ما يرتكبه من سيئات الأعمال وتحاكمه بعد أن يختلي بنفسه، ممّا يجعل الجاني يدرك أنّه يرتكب الجرائم. ولذلك تكشف كثيرٌ من التجارب أنّ الجناة يصابون في عاقبة أمرهم بأمراضٍ نفسيّةٍ وعصبيّةٍ وأزماتٍ روحيّةٍ، كما ينقل عن (بسر بن أرطأة) الذي كان أحد جلاوزة معاوية حيث كانت عاقبته أن ابتلي بالجنون، وكذلك ينقل عن الطيّار الذي ألقى القنبلة الذريّة على مدينة (هيروشيما).

2ـ الإلهامات الإشراقيّة (الحدس):

هناك عدّة طرقٍ يستطيع الإنسان من خلالها الحصول على المعلومات في الفنون العلميّة المتنوّعة:

ـ الطريق الأوّل:
أنّ يعتمد التجربة والإختبارات التي تُثمر كشف الحقائق بصورةٍ تدريجيّة.

ـ الطريق الثاني: أن يعتمد التفكير والاستدلال والبرهان والأقيسة، فيحصل على نتائج كانت مجهولة لديه، إستناداً إلى مقدّمات يعرفها مسبقا11ً.

هذه هي الطرق المعهودة والمعروفة، إلا أنّ هناك طريقاً ثالثاً مؤثّراً في حصول الإنسان على المعارف، وهو ما يُعرف بالإلهام الإشراقيّ، وهو محلّ بحثنا.

فالإلهام الإشراقيّ هو نوعٌ من الإلقاء في الروع حيث تنقدح فكرةٌ في ذهن الإنسان فجأةً بعد أن يكون قد عجز عن حلّ المسألة التي بين يديه، وذلك عبر طريق آخر لم يكن قد فكّر به سابقاً. فهذا النوع من المعرفة لا يكون معلولاً


69


لحوادث الماضي ولا نتيجة حتميّةً لها، بل هو ثمرة إستعداد ذهن الإنسان لتلقّي نوعٍ من الإلهام والإيحاء، فهو الذي يتحدّث عنه (إينشتاين) بقوله: (...إنّ النظريّات المهمّة والكبرى في العالم هي التي تنقدح ـ على نحو الإلهام ـ فجأةً وفي حالةٍ معيّنةٍ في أذهان العلماء)12.

3ـ الرؤى والأحلام:


إنّ النظريّة الصحيحة13 والتي تعمّ جميع أنواع الأحلام هي النظريّة التي تعتمد على تقسيم الأحلام إلى عدّة أنواع:

فبعضها يحصل نتيجة الأحوال الجسميّة للإنسان، كالجائع أو الظامئ يرى الطعام أو الماء العذب في المنام، وكذلك من يتناول طعاماً يؤذي معدته يؤدي ذلك إلى إيجاد إضطرابات، تؤدّي بدورها إلى رؤية كوابيس.

وبعضها مرهونٌ بأحواله الروحية، وذلك من قبيل الرؤى التي تعبّر عن الأمور


70


المكتومة في داخل الإنسان، فتكون أحلامه عبارةً عن تجلياتٍ دقيقةٍ لتلك الأمور المكتومة، كسارق الأكفان الذي رأى في منامه أنّه يقشّر البيض المسلوق فيأكل بياضه ويطرح صفاره.

وثمّة نوعٌ ثالثٌ يعتبر من الإشراق والإلهام، ولا يرتبط بأيٍّ من أحوال الإنسان الروحيّة أو الجسميّة.

وهذا من قبيل رؤيا النبيّ يوسف عليه السلام في طفولته:
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ14، ورؤيا الملك التي فسّرها نفس يوسف عليه السلام: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ15، وكذلك رؤيا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم التي تحقّقت عام الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ الله آمِنِينَ...16.

إنّ مثل هذا القسم الأخير من الرؤى لا يمكن تفسيره إلا بعد الإقرار بوجود إلهاماتٍ وإيحاءاتٍ لا نعرف كنهها ولا حقيقتها ولا نعلم سوى أنّها تأتي من أفقٍ آخر.

ثالثاً: الهداية في النبات:

يذكر علم الأحياء أنّ جميع الكائنات الحيّة ـ من حيوان ونبات ـ يرجع في التحليل النهائيّ إلى ما يُعرف بالخليّة الأولى، فترجع النباتات والحيوانات إلى أصلٍ واحدٍ، وهذا هو مبدأ التكامل، ثمّ إنّ هذه الخليّة بلغت مرتبةً من التكامل تحوّلت معها إلى خليّتين: خليّة نباتيّة وأخرى حيوانيّة، بحيث صارت طريقة أداء وإحتياجات كلّ


71


واحدةٍ من هاتين الخليّتين على طرفي النقيض، وبلغ التمايز بينهما درجةً جعلت كلّاً منهما عاجزةً عن مواصلة الحياة لو وضعت في غير بدنها.

وهنا نقول:
إنّ الخليّة الأولى بتكوينها الماديّ المنظمّ، مهما بلغت من الدقة، فإنّ غاية ما يمكن أن تقوم به هو أن تتكاثر تدريجيّاً بحيث تشكّل مجموعة من الأعضاء المتناسقة، أمّا أن تنقسم إلى نوعين مختلفين تماماً بل ومتناقضين أحياناً، فهذا ما يعجز عنه تركيبها الماديّ، وهو بحاجةٍ إلى قوّةٍ خارجةٍ عن ذاتها.

رابعاً: الهداية في الجماد:

يصرّح القرآن الكريم بأنّ مبدأ الهداية عامٌّ يشمل جميع الموجودات، يقول تعالى:
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى17، وفي آيةٍ أخرى: ﴿... وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا...18، أي تمّ إبلاغ كلّ سماءٍ بما تقوم به وهديت إلى مسار حركتها19.

إلا أنّ العلوم الحديثة لم تستطع حتّى الآن إثبات هكذا هداية ـ أي غير اللوازم الذاتيّة ـ في الجماد، بل ظلّ الأمر مجهولاً بالنسبة لها، لكنّها في المقابل لم تستطع أن تنفيها.

فمثلاً إكتشف نيوتن (قانون الجاذبيّة)، والذي وفقاً له تفسّر حركات الأشياء.إلا أنّ غاية ما اكتشفه هو وجود نوع من الجاذبيّة بين الأجسام والأجرام في الكون ووضع المعادلة الرياضيّة لذلك. فهو عرّف هذا القانون بآثاره لكنّه بقي عاجزاً ـ بإعترافه ـ عن تبيين ماهية هذه الجاذبية، فما هو سرّ هذه الظاهرة؟!


72


إنّ نيوتن نفسه صرّح بتأثير الإرادة الإلهيّة في قانون الجاذبيّة، فقال:(إنّ القانون الذي اكتشفته لا يكفي وحده لإيجاد هذا النظم ولا بدّ من وجود قوّةٍ مؤثّرةٍ إضافة لذلك).

إنّ العلم إذا كان عاجزاً عن إثبات الهداية الإضافيّة في حركة الجماد، فهو عاجزٌ أيضاً عن إنكارها بإثبات أنّ هذه الظاهرة الحركيّة هي من اللوازم الذاتيّة في تركيب الأجرام.


73


خلا صة الدرس

ـ يعتمد برهان الهداية على التأمّل في الهداية التي تظهر كحركة مفاجئة في أثناء مسير الأشياء والموجودات نحو التكامل، فيما يعتمد برهان النظم على التأمّل في نفس تركيب وتكوين الأشياء المتقن بحيث تتحرّك ذاتيّاً على وفق هذا التركيب لتصل إلى هدفها.

ـ الفرق بين برهان النظم والهداية، أنّنا حين نتحدّث عن النظم فنحن نتحدّث عن حركة عاديّة تكون نتيجةً حتميّةً لطبيعة تركيبة الأشياء الماديّة، أمّا عندما نتحدّث عن الهداية، فنحن نتحدّث عن حركةٍ غير متوقّعة ولا تخلو من إبداع ممّا يكشف عن وجود قوّة خارجيّة تضاف إلى طبيعة النظم والتركيب الماديّ.

ـ أوّل من ميّز بين برهاني الهداية والنظم هو القرآن الكريم، حيث ذكرهما كدليلين مستقلّين.

ـ لكي يصح الاستدلال ببرهان الهداية لا بدّ من إثبات وجود هذه الهداية في الموجودات.

ـ تظهر الهداية في الإنسان في عدّة أشكالٍ، منها ترميم جسمه تلقائيّاً للخلايا التالفة، وتعديل دمه للأجزاء التي قد يفقدها.

ـ تظهر الهداية في الحيوانات عندما نتأمّل مبدأ التكيّف مع البيئة، حيث تظهر للحيوان لا شعوريّاً بعض الأعضاء التي تساعده ليعيش في بيئةٍ جديدةٍ. كما تظهر الهداية في الغريزة التي نجدها في هذا الحيوان.

ـ ومن مظاهر الهداية في الإنسان والحيوان، ما يطلق عليه اسم الغريزة في الحيوان، والإلهامات المتنوعة في الإنسان، حيث نرى آثار هذه الإلهامات، ونبقى عاجزين عن الكشف عن حقيقتها وماهيّتها.

ـ يمكننا أن نستدلّ على وجود قوّةٍ خارجيّةٍ تتدخّل في هذا الكون، عندما نتأمّل ما اكتشفه العلم الحديث، من أنّ الكائنات الحيّة جميعاً ترجع إلى خليّةٍ واحدةٍ، نتج عنها في ما بعد الحيوانات والنباتات، مع ما هنالك من فرقٍ بل تناقضٍ أحياناً بين هذين النوعين.

ـ يعتبر القرآن الكريم مبدأ الهداية شاملاً حتّى للجماد، إلا أنّ العلم الحديث لم يتمكّن من إثبات ذلك، كما أنّه لا يستطيع أن ينفي.

أسئلة الدرس

ما هو برهان الهداية؟
هل ميّز القرآن بين برهاني الهداية والنظم؟
ما هو الفارق الدقيق بين برهان الهداية وبرهان النظم؟
في أيّ الموجودات تلاحظ ظاهرة الهداية؟
ما هي الإلهامات الأخلاقيّة والإلهامات الإشراقيّة عند الإنسان؟

هوامش
1- طـه:49ـ 50
2- الأعلى:1 ـ 3.
3- الشعراء:78.
4- العلق:1ـ5.
5- هناك آيات أخرى كثيرة تشير إلى نظام الهداية ـ وسيأتي التعرّض إلى بعضها، ولكنّ لعلّ هذه الآيات، وحدها، تبيّن استقلال برهان الهداية عن برهان النظم.
6- وتأتي الإشارة إلى هذا المبدأ عند الحديث عن الإشكالات على التوحيد في مبحث التوحيد ونظريّة التطوّر.
7- نوع من الحشرات أصغر من النحل وأكبر من الذباب.
8- الرحمن:60.
9- الشمس:7 ـ 8.
10- البقرة:78.
11- راجع منطق المظفر في تعريف الفكر، وخطوات التفكير.
12- يمكن تأييد وجود الإلهام الإشراقيّ من الكتاب والسنّة، وكلمات العلماء القدامى والمعاصرين.
13- وتوجد نظريّات أخرى في تفسير الرؤى والأحلام:
النظريّة الأولى: يقلّل أصحاب هذه النظريّة من أهميّة الأحلام، ويعتبرون أنّه كما يعمل فكر الإنسان وشعوره حال اليقظة بشكل منظّم، فإنّه يعمل عند نومه بطريقة غير منظّمة، ويؤدّي ذلك إلى توليد مجموعة من التخيّلات غير المنطقيّة وهي الأحلام.
وهذه النظرية باطلة، بعد أن أثبت العلماء أنّ للأحلام ـ بما يشمل أضغاث الأحلام ـ أسساً منطقيّة، وإن اختلفوا في طبيعة هذه الأسس.
النظريّة الثانية: اكتشف العلماء أثناء بحوثهم في بعض الأمراض النفسيّة وجود نوعين من الضمير في الإنسان: ضمير ظاهريّ(الشعور)، وضمير باطنيّ(اللا شعور)، وقالوا بأنّ للضمير الباطنيّ نشاطات متعدّدة منها أنّه يظهر في عالم المنام ويؤثّر في حصول الرؤى والأحلام.
لذا يعتقد هؤلاء بأنّ الأحلام والرؤى ـ كلّها ـ عبارة عن تجليّات للميول المكبوتة والخفيّة التي طردها الشعور الظاهريّ، فتدخل حيّز الشعور الباطنيّ. فالأحلام جميعاً بنظر هؤلاء هي نتيجة مخزون من سوابق الإنسان الجسميّة والروحيّة.
ونحن بدورنا نعتقد بأنّ الأساس الذي انطلقت منه هذه النظريّة صحيح، ولكنّها أخطأت في تعميم تفسير الرؤى والأحلام على أساس هذا المبدأ فمن الملاحظ أن بعض الرؤى المناميّة لا يمكن تفسيرها على هذا الأساس، حيث لا ترتبط بالماضي بأيّ نحو، بل ترتبط أحياناً بأمورٍ مستقبليّةٍ من المحال أن تكون قد حدثت سابقاً، واختُزنت في باطن الإنسان، ومثل هذه الرؤى كثيرٌ ومشهودٌ بين سكان مختلف أرجاء المعمورة، وعلى مدى التاريخ البشريّ، ولذلك فلا بدّ من نظريّة تستوعب الرؤى والأحلام جميعاً، وهي النظريّة التي ذكرناها في المتن.

14- يوسف:4.
15- يوسف: 43.
16- الفتح: 27.
17- طـه:50.
18- فصلت: 12.
19- فليس المراد من الوحي ما قد يُتوهّم من أنّه لا بدّ أن يكون من نوع الهمس في الأذن.