الدرس التاسع: الطريقة الاستنباطيـّة (الاستقرائيـّة)

أهداف الدرس

من المتوقّع بعد الانتهاء من دراسة هذا الموضوع أن يصبح المتدرّب قادراً على أن:

ـ يتعرّف إلى معنى الاستقراء.

ـ يحدّد مجالات استخدام الطريقة الاستقرائيّة.

ـ يتبيّن مميّزات الطريقة الاستقرائيّة.

ـ يستذكر عيوب الطريقة الاستقرائيّة.

ـ يحسن توظيف الطريقة الاستقرائيّة في مجالات العملية التعلّميّة حسب مواردها.

ـ يتبيّن معنى الطريقة الاستنباطيّة الاستنتاجيّة.

ـ يحدّد مجالات استخدام الطريقة الاستنتاجيّة.

ـ يتعرّف إلى مزايا الطريقة الاستنتاجيّة.

ـ يستذكر سلبيّات الطريقة الاستنتاجيّة.

ـ يميّز بين الطريقتين الاستقرائيّة والاستنتاجيّة.

ـ يحسن استخدام الطريقة الاستنتاجيّة في المجال التدريسيّ.
 


101


مقدّمة:

الطريقة الاستنباطيّة تنقسم إلى طريقتين متعاكستين ينطبق على كليهما معنى الاستنباط وهو الاستخراج والاستخلاص، الطريقة الأولى تسمّى القياسيّة أو الاستنتاجيّة, وتعني تحليل الكلّيّات للوصول إلى الجزئيّات.

والثانية تسمّى الاستقرائيّة, وتعني جمع الجزئيّات واستقصاءها للوصول إلى الكلّيّات.

وفيها يقوم المعلّم باستخراج المعلومات من المتعلّمين من خلال استثارة قدراتهم التفكيريّة بأسئلة متسلسلة، أو أمثلة متنوّعة، أو أدلّة متتابعة بحيث تنتهي بالمعرفة المراد تعريف المتعلّمين بها. وهي طريقة تتطلّب تحليلًا صحيحاً للحقائق والمعارف الموجودة في المحتوى لتحضير أسئلة مناسبة أو أمثلة محكمة وأدلّة مناسبة، كما تتطلّب متابعة دقيقة لمشاركة المتعلّمين وتوجيه ذكيّ نحو المعرفة المطلوب استخلاصها.


103


كيفيّة تحقّق الأهداف:

ولكي تحقّق هذه الطريقة أهدافها التعليميّة التربويّة، ينبغي مراعاة ما يلي:

تحديد المعارف المراد استخدام هذه الطريقة في عرضها، وهي الّتي يتوفّر فيها وصف الجدّة والعمق والتركيب.

قد تستغرق زمناً طويلاً نسبياً في تطبيقها، لذا ينبغي توزيع الزمن توزيعاً جيّداً عند استخدامها، وأن لا تستخدم بكثرة في الحصّة الواحدة خصوصاً إذا كان المحتوى طويلاً.

اتّسام المعلّم بسعة صدره ومهارته في تلقّي إجابات المتعلّمين.

1 ـ الطريقة الاستقرائيّة:

معنى الاستقراء: التتبّع، والتحرّي، والتفحّص. وسمّيت هذه الطريقة كذلك, لأنّها تتّبع أجزاء الدّرس وأمثلته وتفاصيل المعلومات الّتي يحتويها، وتستقصيها, لتستخرج منها خلاصة الدرس، وتستنبط قاعدته الّتي تنظّم جميع تلك الأجزاء والتفاصيل.

موجبات الاستخدام:

تُستخدَم عندما يراد الوصول إلى قاعدة عامّة (نظريّة أو قانون)، وهي تتمثل بعمليّة الانتقال من شيء خاصّ إلى شيء عامّ ثمّ إلى النتيجة فتكون درجة الاستدلال واضحة. فمثلاً إذا قلنا:
 
سقراط إنسان (مقدّمة صغرى)

وكلّ إنسان فانٍ (مقدّمة كبرى)

إذاً سقراط فانٍ (نتيجة)


104


فهنا انتقلنا من سقراط الخاصّ إلى إنسان وهي أعمّ ثمّ وصلنا إلى النتيجة.

ومن أمثلة ذلك، إذا رأى الباحث أنّ قطعة من الحديد تمدّدت بالحرارة، ثمّ لاحظ قطعة ثانية وثالثة تمدّدتا بالحرارة فإنّه ينتقل إلى الحكم أو التعميم الآتي: كلّ الحديد يتمدّد بالحرارة.
وكذلك حين يراد معرفة نوع تربة الأرض الزراعية وعناصرها وخصائصها، تؤخذ منها نماذج من أماكن متعدّدة، ويُجرى عليها التحليل ثمّ يصدر المهندس المحلّل حكمه على كلّ تربة هذه الأرض بالاستناد إلى النماذج الّتي درسها.

مميّزات الطريقة الاستقرائيّة:

تتميّز الطريقة الاستقرائيّة بعدّة مميّزات من أبرزها ما يلي:

1 ـ تبقى المعلومات الّتي تُكتسب بواسطة هذه الطريقة في الذاكرة أكثر من المعلومات الّتي تُكتسب بواسطة القراءة أو الإصغاء، لأنّ ما يتوصّل إليه المتعلّم بنفسه يرسخ في ذهنه أكثر ممّا يقدمه المعلّم إليه.

2 ـ إنّ المتعلّم الّذي يتوصّل إلى تعميم ما، أو يستنتج قاعدة ما بهذه الطريقة يستطيع بعد مرور زمن ولو كان طويلاً أن يصل إلى التعميم أو القاعدة نفسها إذا نسيها، فخطوات التفكير في الحصول عليها تبقى معه.

3 ـ يفهم المتعلّمون التعميمات الّتي يتوصلون إليها بمساعدة المعلّم أكثر من تلك الّتي يقدّمها المعلّم إليهم مهيّأة، أو الّتي يجدونها في كتبهم المقرّرة.

4 ـ يستطيع المتعلّم تطبيق التعميمات الّتي يتوصل إليها بسهولة أكثر من


105


تطبيق تلك الّتي تقدَّم إليه مهيَّأة، وذلك لحسن فهمه لها.

5 - إنّ أسلوب التفكير الّذي يتعود عليه المتعلّم في الدروس الاستقرائيّة يفيده في حياته القادمة، فالمتعلّم الّذي يتعلّم كيف يفكّر بواسطة الدروس الاستقرائيّة، ويتقن طريقة التفكير في الوصول إلى التعميمات يصبح فرداً مستقلاً في تفكيره واتّجاهاته، وفي أعماله المدرسيّة والحياتيّة الأخرى1.

مآخذ على الطريقة الاستقرائيّة:

يؤخذ على الطريقة الاستقرائيّة أنّها:

1 ـ لا تمثّل المتعلّم الّذي ينبغي أن يكون محور العمليّة التعليميّة، بل يكون النشاط في هذه الطريقة معظمه للمعلّم.

2 ـ يتعذّر تطبيق هذه الطريقة في دروس كسب المهارات.

3 ـ تتعارض مع مبادئ علم النفس الحديث بإهمالها الدوافع الداخليّة للفرد واستعداداته للنواحي الوجدانيّة.

4 ـ تهتمّ بدراسة المادّة وتقديم الأفكار الجديدة، وتهمل الحياة ومشكلاتها2.

ويضيف بعضٌ سلبيّات أخرى من أبرزها:

"إنّ التوصّل إلى بعض النظريّات والقوانين يحتاج إلى قدرات عالية.


106


2ـ تقتصر على المتعلّمين أصحاب المواهب والقدرات العالية.

3- قد لا يستطيع المتعلّمون العاديّون التوصّل إلى نتائج.

4- تحتاج إلى وقت طويل".


2ـ الطريقة الاستنتاجيّة القياسيّة:

الطريقة الاستنتاجيّة ما هي إلّا صورة موسّعة للخطوة الأخيرة من الطريقة الاستقرائيّة. وهي خطوة التطبيق، إذ إنّ الأسس العامّة تقدّم إلى المتعلّمين جاهزة لتطبيقها على الأمثلة والحقائق الجزئيّة الّتي تصدق عليها هذه الأسس والقواعد العامّة. وتمكّن هذه الطريقة المعلّم من تقديم حقائق جديدة جاهزة إلى الطلاب أو تُفسّر وتشرح حقائق وقواعد سبق وأن أُلقيت عليهم، فهي تبدأ من الكلّ إلى الجزء.

موجبات الاستخدام:

تُستخدم هذه الطريقة في تدريس القواعد العامّة مثل النظريّات والقوانين، وعندما نريد تدريب المتعلّمين على أسلوب حلّ المشكلات بمختلف صورها.

يتكوّن الاستنتاج من ثلاثة مكوّنات:

1- المقدّمة الأولى ( القاعدة الكبرى ) قاعدة كليّة مقبولة وصادقة.

2- المقدّمة الثانية ( القاعدة الصغرى ) حالة فرديّة من حالات القاعدة الكليّة.

3-النتيجة: هي التوصّل لإمكان انطباق القاعدة الكليّة على الحالة الفرديّة3.


107


مثال:

كلّ إنسان مفكّر (مقدّمة كبرى)

أحمد إنسان (مقدّمة صغرى)

إذاً أحمد مفكّر (نتيجة)

وإذا افترضنا أنّ المقدمة الكبرى صحيحة، والمقدّمة الصغرى صحيحة، فإنّ النتيجة تكون صحيحة أيضًا.

مزايا الطريقة الاستنتاجية:

1 ـ يُستخدم الاستنتاج في خطوة التطبيق والتقويم عندما يريد المعلّم التأكّد من فهم المتعلّمين واستيعابهم للدرس.(للكشف عن مدى استذكار المتعلّمين للمعلومات وفهمها وقدرتهم على تطبيقها).

2 ـ المفكّر في حالة الاستنتاج يُعتبر مطبّقاً لنتائج الاستقراء.

3 ـ المتعلّمون بحاجة للاستنتاج في مرحلة التطبيق لترسيخ القاعدة في أذهانهم.

سلبيّات الطريقة الاستنتاجيّة:

تتلخّص سلبيّات هذه الطريقة في الموردين التاليين:

1 ـ أنّ مدارك المتعلّمين لا تتحمّل دائماً القواعد العامّة مباشرة.

2 ـ تبعد المتعلّمين عن اكتشاف القواعد العامّة بأنفسهم، لأنّهم سيأخذونها مباشرة من المعلّم ويحفظونها.


108


تنويه:

من الخطأ الاكتفاء بطريقة الاستنتاج وحدها أو بطريقة الاستقراء وحدها، لأنّ المتعلّمين بحاجة:

إلى الاستقراء في المرحلة الأولى من الدرس، وإلى الاستنتاج في مرحلة التطبيق لترسيخ القاعدة في أذهانهم.

بالاستقراء نصل مع المتعلّم إلى القاعدة وبالاستنتاج يتمرّن عليها.

إلى عدم اختصار الإجراءات لتوفير الزمن إذ تصبح عندئذ طريقة استجوابيّة. ولمّا كانت الأسئلة في معارف جديدة فإنّ المتعلّمين الّذين لا يحضّرون الدرس مسبقاً سيعتمدون على استراق النظر للمحتوى المدرسيّ في الكتاب خلسة.

كما أنّه من الخطأ أن تُستخدم الطريقة الاستنباطيّة مباشرة دون إجراءاتها السابقة (الأمثلة، الأسئلة المتسلسلة، الأدلّة...)، كأن يقول المعلّم مباشرة: استنبط معنى المضاربة. فمن أين للمتعلّم أن يستنبط ذلك إن لم يمهّد له بأنشطة تمكّنه من الاستنباط وتعينه عليه؟

وفي المحصّلة يمكننا القول إنّ الطريقة الاستنباطيّة بفرعيها الاستقراء والاستنتاج تشكّل ركيزة هامّة في بناء العقل الإنسانيّ، وفي تقوية ملكات التفكير المبنيّ على أسس منطقيّة، تعتمد التحليل والاستنتاج في نسق اشتغالها.


109


أسئلة حول الدرس

1 ـ من خلال اطّلاعك على الطريقة الاستنباطيّة، يتبيّن أنّها تتفرّع في اتّجاهين: القياسيّة والاستقرائيّة، أوضح الفروقات بين هذين الفرعين.

2 ـ بّين متى تُستخدم الطريقة الاستقرائيّة، واضرب مثالاً على ذلك.

3 ـ اكتب في جدول أربعًا من مميّزات الطريقة الاستقرائيّة، وأربعاً من سلبيّات تظهر في استخدامها.

4 ـ أذكر ثلاثًا من مزايا الطريقة الاستنتاجيّة القياسيّة، واثنين من السلبيّات الناجمة عن استخدامها.

5 ـ بعد اطّلاعك على الطريقة الاستنباطيّة بفرعيها، هل برأيك يمكن الاكتفاء بواحدة منهما دون الأخرى، أم أنّه لا بدّ من التكامل بين الطريقتين؟ بيّن مدى الحاجة لهذا التكامل.
 

للمطالعة

نموذج الحوار القصصيّ

تميّزت القصّة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة عن القصّة في غيرهما حيث استعملت سردًا ومثلاً وحواراً، وسردت أخبار أو حوارات الأمم السابقة أو اللّاحقة في أسلوب حواريّ متميّز. ويمكن التمثيل لهذا النوع من الحوار في القرآن الكريم بالحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون وقومه، والّذي تكرّر مرّات متعدّدة في القرآن الكريم:

﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ *وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ*قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ*قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ *يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ *فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ *فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ *قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ *فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ*فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ* قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ *إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ4
 

هوامش

1- الحيلة، محمد محمود، طرائق التدريس واستراتيجياته، ط 3، 1424 هـ، دار الكتاب الجامعي، العين، دولة الإمارات العربية المتحدة، ص 312 ـ 313.
2- مرعي، توفيق أحمد والحيلة، محمد محمود، طرائق التدريس العامة، ط 1، 2002 م، دار المسيرة، عمان، الأردن، ص 64.
3- العتوم، المرجع السابق، ص 149 ـ 150.
4- سورة الشعراء، الآيات: 32 - 51.