الفصل الاول: أهمية الحرية

تمهيد

تعتبر الحرية من المطالب الملحة التي لازمت الإنسانية على مدى التاريخ، فهي من خصائص الإنسان الذي يحيا بالحس والشعور، ويتحرك بالفكر والإرادة، ويتمتع باستعدادات خصبة وقابليات شتى تؤهله لإحراز مقام الخلافة على الأرض.

والإنسان يسعى غريزيا كي يكون حرا في شتى الميادين: فيبحث عن حريته في الميدان المعنوي بإزالة العوائق من طريق قابلياته واستعداداته، وفي الميدان الفقهي بإبراء ذمته من التكليف والعقاب والمسؤولية، وفي الميدان الاجتماعي بإزالة الموانع التي يتسبب بها الآخرون من بني نوعه، وفي الميدان الفلسفي برفض كل ما يسلب حريته وإرادته واختياره من الأساس، وفي الميدان التاريخي برفض قانونية التاريخ وهيمنته على مصيره، وفي الميدان الطبيعي والمادي برفض جبرية قانون العلية وهيمنته على إرادته، وفي الميدان الحقوقي برفض مبدأ الاسترقاق والاستعباد، وهكذا تتفرع موارد الحرية وتتشعب تطبيقاتها من دون أن يعني ذلك اختلاف مفهومها بحسب الموارد المختلفة، بل هي باقية على مفهومها اللغوي والعرفي، فالحرية هي عدم القيد والأسر، وبهذا المعنى ورد استعمالها في النصوص الإسلامية.

أهمية الحرية

من وجهة النظر الاسلامية، خلق الله الإنسان مفطورا على قابليات كثيرة وغرائز متعددة، منها غريزة الحرية، و هذه الغريزة تدفعه إلى التفلت من كل قيد.


9


وفي جهة التشريع يوجد في الوسائل باب بعنوان: (أن الأصل في الناس الحرية حتى تثبت الرقية بالإقرار).

وفي المروي عن الإمام علي عليه السلام : "أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار"
1.

وهذا يعني أن الحرية بأي معنى فسّرت هي قدر الإنسانية المتدينة وغير المتدينة.

ويبقى أن للدين أولوية تسبق الحرية، لأنه يقوم بترشيد الحرية وتفسيرها.

أ
- الحرية هبة الإسلام:

وفي الحقيقة فإن الحرية لا يمكن أن تتوفر إلا في ظل النظام الإسلامي، ومن خلال أحكام الإسلام نفسه، "لقد حرركم الإسلام، حرر المرأة والرجل فالجميع أحرار"
2.

وكل حرية لا تكون نابعة من الإسلام فهي حرية موهومة لا ضمان لها: "إنّ القانون الإسلامي هو الذي يعطي الحريّات والديمقراطية الحقيقية، علاوة على ضمانه استقلال الدول"
3.

فالإسلام هو الضمانة للحرية، وينبغي أن نقدر هذه الحرية وهذا الإسلام العظيم: "الإسلام هو الذي وهبنا الحريّة، فلتقدّروا هذه الحريّة وهذا الإسلام حق قدرهم"
4.


10


والحرية التي لا تنطوي على الإسلام هي حرية مزيفة، "إنّنا نرفض الحريّة التي لا تنطوي على الإسلام"5.

كما أن الإسلام الذي لا ينطوي على الحرية والعزة هو إسلام مرفوض: "إذا كنا نريد السير بالإسلام قدما، فلا بد لنا من رفض العبوديّة للغير"
6.

ب- الحرية نعمة وتكليف إلهيين:

بل إن الإمام قدس سره ينظر إلى الحرية باعتبارها من نعم الله الكبرى التي أنعم بها على الإنسانية: "الحريّة نعمة إلهيّة كبرى"
7.

ولذلك فهي أمانة إلهية: "الحريّة أمانة إلهيّة جعلها الله من نصيبن"
8.

وينبغي أن نقوم بهذه المسؤولية خير قيام: "منّ الله عليكم بنعمة الحرية واختبركم بهذه الحرية ليرى ماذا تفعلون بها؟ هل تكفرون بنعمة الله وتنزلون العذاب على الناس من خلال حريتكم؟ أو أنكم تشكرون هذه النعمة وتستفيدون من هذه الحرية أفضل استفادة؟ إنني اشعر بالمسؤولية لأقول هذا الكلام لكل مجموعة تأتي لان المشكلة هي هذه"
9.

ج- الحرية طريق التمدن والتحضر:

فالحرية تكليف ديني وإنساني، وحق لا يجوز للإنسان إن يتنازل عنه بدون مبرر، بل يجب ان يكافح الإنسان لأجل الحفاظ على هذا


11


الحق: "إنّنا سنتحمل المصائب من أجل أن ينال شعبنا الحرية والاستقلال"10.

والحرية شرط ضروري وأولي لكل أشكال التمدن والرقي: "تحرر الشعب... أوّل مرتبة من مراتب التمدّن"
11.

وفي المقابل فإن كل انحطاط يصيب الإنسان يعود سببه الى انتزاع الحرية منه: "إنّ السبب في انحطاط الإنسان وسقوطه يكمن في انتزاع حريّته وجعله يستسلم أمام الآخرين"
12.

تحذير

ولكن لا ينبغي الخلط بين هذا، وبين ما يدعيه البعض من أن الحرية حق أصيل، ويعنون بذلك أنها حق ذاتي غير قابل للسلب، ولذا لا يحق لأحد سلبها عن احد وهذا غير صحيح، فان الكثير من الباحثين اعترفوا بضرورة تقييد الحرية بجملة من المقيدات، وهذا اعتراف ضمني منهم بان الحرية قابلة للتقييد والتوسعة، والا فلو كانت الحرية ذاتية فلا يملك احد ان يقيدها. لأن من لا يملك حق الإعطاء لا يملك حق التقييد، وكما قيل: (من يملك الجعل والوضع يملك الرفع).

بل ان الذين يتجلببون زورا بلباس الحرية ويتغنون بها وبأصالتها هم يعملون في الحقيقة على سلب حرية الناس باسم الحرية.

"يريدون سلبكم الحريّة باسم الحريّة، فيعطونكم حرّية مشوّهة، ويسلبونكم الحريّة الحقيقية"
13.


12

الحرية حق انساني‏

من وجهة النظر الإسلامية، فإن حقوق الإنسان، كحق الحرية، تستمد من طبيعة الهدف والغاية التي ينشدها الإنسان في وجوده وبحسب طبيعته التكاملية، وهذه الغاية تنبع من الله(مبدأ العلة الغائية). ويتفرع عن ذلك ان الحرية العامة صحيحة إذا كانت تعني عدم وضع العراقيل والعقبات أمام القابليات البشرية. أما الحرية التي تحول دون تكامل الإنسان فهي حرية زائفة، ومرفوضة، بل يجب مكافحة الحرية التي تعني الانحراف وتشجع على الفساد.

"يجب الوقوف بوجه الحريّات المفسدة"
14.

ومن جهة ثانية فان الحرية ميزة يختص بها الإنسان دون سائر الكائنات، ولهذا يرى الإمام الخميني قدس سره أن الحرية حق مشاع للجميع مهما كان الانتماء الديني: "القانون أيضا اخذ بعين الاعتبار حقوق جميع الطبقات وحقوق الأقليات الدينية، وحقوق النساء وبقية الفئات والطبقات. لا يوجد في الإسلام فرق بين جماعة وأخرى. التمايز بالتقوى فحسب"
15.

وفي مجال حرية الأقليات الدينية، "إن جميع الأقليات الدينية في الحكومة الإسلامية يمكنها القيام بجميع فرائضها الدينية بحرية والحكومة الإسلامية مكلفة بحماية حقوقهم على أفضل وجه"
16.

وأيضاً: "أعطى الإسلام حرية للأقليات الدينية أكثر من بقية


13


الأديان والمدارس ويجب عليهم أيضا أن يتمتعوا بحقوقهم الطبيعية التي جعلها الله لجميع الناس أننا نقوم بحمايتهم على أفضل وجه وان الشيوعيين أحرار في ظل الدولة الإسلامية في بيان عقائدهم"17.

وعليه، فلا طبقية في الإسلام ولا اضطهاد.. بل الجميع ينعمون بحماية النظام الإسلامي ويمارسون أعمالهم بكامل حريتهم: "الإسلام لا يعرف الاضطهاد، ويمنح الحرية لجميع الطبقات، للمرأة والرجل والأبيض والأسود. من الآن فصاعداً ينبغي لأبناء الشعب أن يخشوا أنفسهم لا الحكومة.. أن يخشوا أنفسهم لئلا يرتكبوا خطيئة"
18.

قيمة الحرية

بنظر الإسلام، فان كل عامل يسهم في سعادة الإنسان الواقعية فهو يحظى بقيمة عالية، والعوامل التي تسهم في سعادة الإنسان تارة تكون عوامل ايجابية وأخرى سلبية، وتعتبر الثقافة والتربية من العوامل الايجابية هنا، بينما تعتبر الحرية من العوامل السلبية، لانها ليست سوى عدم وجود العائق امام سعادة الإنسان، فالحرية ليست هدفا يطلب لذاته، وانما هي عدم مانع، فهي وسيلة لا أكثر، وحيث انها لا تعتبر من مقتضيات السعادة المباشرة لذلك تعد قيمتها من الدرجة الثانية. فالحرية هي صفة للسلوك والقدرة اللذين هما في حد ذاتيهما وسيلتان ايضاً، واذا كانت وسيلة فهذا يعني ان قيمة الحرية تكتسب من الهدف، والاختلاف في قيمة الهدف سيؤدي الى الاختلاف في قيمة الحرية.
 

14


والإصرار على اعطاء الحرية قيمة قصوى اليوم، ليس بسبب انها تحظى بذاتها على مثل هذه القيمة، وانما بسبب انها باتت عملة نادرة قلما حصل عليها الإنسان على مر التاريخ، فالحرية تمهد الطريق للتكامل بإزالة العوائق، ويبقى ان نملأ الفراغ لنحصل على السعادة من خلال الحب والاخاء والتسامح وغيرها من عواطف وقيم انسانية، أما اذا اكتفينا بالحرية فلا نكون قد حصلنا على شي‏ء.

وقد يطرح البعض سؤالاً: وهو انه اذا كانت قيمة الحرية من قيمة الهدف الذي تهي‏ء له، فهل معنى ذلك انه مع انعدام الهدف لا يعود هناك حاجة للحرية؟ الا يسعى الإنسان الى الحرية بمعزل عن الهدف، وبعبارة أخرى، اليست العبودية مما ينفر منه الإنسان بحسب طبعه ويهرب منه؟؟

الجواب: هذا الكلام صحيح، لأن في العبودية ذل.

فالانسان لا يحب الذل والخنوع والخضوع وسلب ارادته، لأن ذلك على خلاف غريزته. ولكن هذا لا يعني ان كل حرية فهي مطلوبة او ان كل عبودية مرفوضة حتى ولو لم يكن فيها ذل، اي انه لا يعني ان الحرية كمال بذاتها وعلى كل حال، وقد يفضل الإنسان العبودية على الحرية حين تسمو به العبودية إلى مستوى لا يحصل عليه من خلال الحرية، كما في قصة زيد بن حارثة، فقد سبي في الجاهلية وبيع في بعض أسواق العرب، فاشتري لخديجة، ثم وهبته خديجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث وهو ابن ثماني سنين، فنشأ عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبلغ الخبر أهله فقدم أبوه وعمه مكة لفدائه فدخلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالا: "جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه! فإنا سنرفع لك في

15


الفداء. قال صلى الله عليه وآله وسلم : من هو، قالا زيد ابن حارثة فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فهل أنتم لغير ذلك فقالا: ما هو قال صلى الله عليه وآله وسلم دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من أختارني أحداً. قالا: زدتنا على النصف وأحسنت. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم! قال صلى الله عليه وآله وسلم : من هما؟ قال: هذا أبي، وهذا عمي! قال: فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما أريدهما ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والأم! فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداَ أبد"19.

فعبودية زيد في كنف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل وألذ من حريته في كنف أهله وعائلته.

ولعل هذا يلقي الضوء كيف أن التعبير عن الحرية في الروايات كان في كثير من الاحيان متلازما مع العبودية لله تعالى.


16


هوامش
1- الكافي، ج‏8، ص‏79.
2- من حديث لدى لقائه نساء مدينتي دزفول وكرمنشاه بتاريخ 1979/4/7.
3- الكلمات القصار، دار الوسيلة، ط1995 1م، ص‏143.
4- الكلمات القصار، ص‏142.
5- الكلمات القصار، ص‏144.
6- الكلمات القصار،ص‏149.
7- الكلمات القصار،ص‏142.
8- الكلمات القصار، ص‏142.
9- منهجية الثورة الاسلامية، مقتطفات من افكار وآراء الامام الخميني، ص‏359.
10- الكلمات القصار، ص‏142.
11- الكلمات القصار، ص‏142.
12- الكلمات القصار، ص‏144.
13- الكلمات القصار، ص‏143.
14- الكلمات القصار، ص‏144.
15- من كلمة اذاعية متلفزة بعد اجراء الاقتراع على الجمهورية الاسلامية بتاريخ 1979/4/1.
16- منهجية الثورة الاسلامية، مقتطفات من أفكار وآراء الامام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني قدس سره ، ط1997 1م، طهران.
17- منهجية الثورة الاسلامية، مقتطفات من أفكار وآراء الإمام الخميني.
18- من كلمته، بعد إجراء الاستفتاء العام على الجمهورية الاسلامية، بتاريخ 1979/4/1.
19- الطبقات الكبرى، ج‏3، ص‏42.